جيروم باول.. رئيس الفيدرالي الأمريكي الذي قاوم الضغوط

ترسخ إرث جيروم باول باعتباره مدافعًا عن استقلالية البنوك المركزية، بعدما تحدى علنًا تحقيقًا أجرته وزارة العدل في عهد ترامب ضد الاحتياطي الفيدرال؛ فقبل فترة ليست ببعيدة تلقى الفيدرالي مذكرات استدعاء من وزارة العدل الأمريكية، في ذروة حملة ضغط مكثفة قادها دونالد ترامب من أجل خفض أسعار الفائدة.

وكان باول لسنوات يتجنب مواجهة الرئيس مباشرة، خشية أن يُضعف ذلك مهمة الاحتياطي الفيدرالي بوصفه مؤسسة خدمة عامة، لكن مذكرات الاستدعاء كانت كافية لدفعه إلى وضعية المقاومة، بحسب بلومبرغ.

قال باول حينها: “إن التهديد بتوجيه اتهامات جنائية هو نتيجة لقيام الاحتياطي الفيدرالي بتحديد أسعار الفائدة بناء على أفضل تقدير لدينا لما يخدم الصالح العام، بدلًا من اتباع تفضيلات الرئيس”.

إرث تشكل وسط أزمات متلاحقة

حتى قبل أن تتحول هذه المعركة إلى مواجهة وجودية، كانت فترة باول على رأس الاحتياطي الفيدرالي أكثر تقلبًا من المعتاد، فقد واجه أزمة كبرى غير مسبوقة في العصر الحديث تمثلت في جائحة عالمية وإغلاق اقتصادي، ثم واجه بعدها بفترة قصيرة قفزة في التضخم إلى أعلى مستوياته في 40 عامًا.

قاد باول الاحتياطي الفيدرالي أيضًا خلال أزمة بنوك إقليمية أثارت اتهامات بالتراخي الرقابي، فضلًا عن فضائح أخلاقية داخلية أدت إلى استقالة مسؤولين كبار. ويرى منتقدون أن فشل الاحتياطي الفيدرالي في احتواء التضخم يمثل أكبر نقطة ضعف في سجل باول.

ورغم أن ضغوط الأسعار تراجعت كثيرًا من ذروتها، دون أن تُطلق ركودًا كان كثيرون يخشونه، فإن باول سيغادر منصبه في 15 مايو والتضخم أعلى من هدف البنك المركزي البالغ 2% للعام الخامس على التوالي.

لكن مع محاولة ترامب تنفيذ أكبر إعادة هيكلة للحكومة الأمريكية خلال قرن، وتجميع مزيد من السلطة التنفيذية في البيت الأبيض، كان الاحتياطي الفيدرالي أحد المؤسسات القليلة التي قاومت، ما رفع باول إلى مستوى جديد من الحضور العام، وربما ثبّت إرثه.

ووفق باول وحلفائه، فإن القضية المطروحة هي قدرة الاحتياطي الفيدرالي على أداء عمله دون تدخل سياسيين يخوضون انتخابات، وبالتالي استقرار الاقتصاد الأمريكي ذاته. ويرى باول الأمر بوصفه مسألة نزاهة، وتتفق معه سلفه المباشرة، حيث قالت جانيت يلين، الرئيسة السابقة للاحتياطي الفيدرالي ووزيرة الخزانة السابقة: “هذا ما يحدد نهجه فعلًا، وسيكون جزءًا أساسيًا من إرثه”.

ترامب يصعد هجومه على باول

ظهرت علامات التوتر منذ وقت مبكر من الولاية الثانية لترامب حين كثف هجماته اللفظية، ولقّب باول بـ”المتأخر جدًا”، ولوّح علنًا بإمكانية إقالته، ووصفه بـ”الأحمق” ضمن سلسلة إهانات أخرى كثيرة.

في الوقت نفسه، ركز فريق ترامب على مشروع تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي، الذي تضخمت ميزانيته منذ الموافقة عليه في 2017، وفي صيف 2025 زار ترامب موقع المشروع بنفسه في مشهد أنتج واحدة من أكثر الصور رمزية في ولاية باول؛ فقد كان رئيس الاحتياطي الفيدرالي والرئيس الأمريكي يرتديان خوذتين وبدلتين، واقفين جنبًا إلى جنب في حر الصيف.

وفي مشهد بدا مهيأً لصناعة موجة من الصور الساخرة، أعلن ترامب أن تكلفة المشروع ارتفعت حتى فوق الرقم الرسمي البالغ 2.5 مليار دولار، قبل أن يضع باول نظارته ويقرأ الوثيقة التي قُدمت إليه، ثم يخبر الرئيس بأنه أخطأ في الأرقام.

بعد تلك الجولة، بدا ترامب أكثر هدوءًا لفترة، لكنّه صعّد لاحقًا بمحاولة استثنائية لإقالة محافظة الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك، على خلفية اتهامات غير مثبتة بالاحتيال العقاري.

وفي ذلك الخريف، فتح مسؤولون في الإدارة بهدوء تحقيقًا في مشروع التجديد، ما قاد إلى مذكرات الاستدعاء التي شكلت الفصل الأخير من قصة باول في الاحتياطي الفيدرالي.

اقرأ أيضًا: هل يملك ترامب حق إقالة رئيس الفيدرالي؟

معركة الاستقلال تطغى على كل شيء

لا شيء يطغى الآن على معركة ترامب مع باول الذي يستخدم كل الأدوات المتاحة له، وفي خروج واضح عن التقاليد قال إنه سيبقى في الاحتياطي الفيدرالي بصفته محافظًا إلى أن تتوقف الهجمات القانونية من البيت الأبيض، كما حشد حلفاءه الذين أمضى سنوات في بناء علاقات معهم داخل الكونغرس، وهو المكان الذي بدأت منه -بطريقة ما- قصته مع الاحتياطي الفيدرالي.

باول محامٍ بالتكوين، وصانع صفقات في قطاع الأسهم الخاصة بالمهنة، لكنه قطع مسيرته المالية بفترات عمل في الخدمة العامة، وبحلول 2011 قاده مسار الخدمة العامة إلى مركز أبحاث في واشنطن؛ حيث ساعد في التوصل إلى تسوية ربما كانت من أخطر أزمات سقف الدين المتكررة في الولايات المتحدة.

كان عملًا شاقًا تطلب ساعات طويلة من الاجتماعات مع المشرعين لشرح عواقب تخلف الولايات المتحدة عن السداد، وساعد ذلك في جذب انتباه الرئيس باراك أوباما، الذي اختاره لاحقًا محافظًا في الاحتياطي الفيدرالي، وعندما تولى ترامب السلطة وبدأ البحث عن خليفة ليلين وقع الاختيار على باول الجمهوري.

لم تكن هناك فترة شهر عسل طويلة، فقد انقلب ترامب سريعًا على مرشحه، ورغم أنّ الضغوط السياسية على البنك المركزي كانت موجودة من قبل، لكنها كانت تجري عادة خلف الأبواب المغلقة، أما الآن فالرئيس يهاجم رئيس الاحتياطي الفيدرالي علنًا، في مؤشر مبكر إلى ما سيأتي لاحقًا.

اقرأ أيضًا: ترامب يصعّد المواجهة مع الفيدرالي.. هل تهتز استقلاليته؟

الفائدة وسوق العمل وتغيير العقيدة

رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة أربع مرات في العام الأول لباول على رأس المؤسسة في 2018، بينما كان يبتعد عن سنوات من الفائدة شديدة الانخفاض بعد الأزمة المالية العالمية، وكان ترامب -كما هو الحال الآن- يحاول تسريع الاقتصاد عبر تخفيضات ضريبية، وغضب حين دفعت السياسة النقدية في الاتجاه المعاكس.

في الوقت نفسه، كان شيء غير مألوف يحدث في سوق العمل؛ فقد انخفض معدل البطالة الذي استغرق سنوات للتعافي من الأزمة المالية إلى أقل من 4% في أوائل 2018، ثم واصل الهبوط إلى مستويات تاريخية، ووفق النظرية الاقتصادية كان ذلك يفترض أن يؤجج التضخم، لأن الشركات ستضطر إلى رفع الأجور للتنافس على العمال، لكن ذلك لم يحدث. وبدلًا من ذلك، بدأ أشخاص غالبًا ما تُركوا على هامش سوق العمل، من بينهم العمال والنساء والأمريكيون ذوو الإعاقة يحصلون على وظائف.

كان ذلك تحولًا كبيرًا، وفي عامه الثاني رئيسًا للاحتياطي الفيدرالي، حاول باول -أول رئيس للمؤسسة لا يحمل شهادة في الاقتصاد منذ أربعة عقود- تثبيت هذا التحول في سياسة تعني التخلي عن قناعات راسخة.

وبموجب الإطار الجديد الذي أرساه باول، سيحاول الاحتياطي الفيدرالي تعويض الفترات التي أبقى فيها الاقتصاد الضعيف التضخم دون المستهدف، كما حدث في العقد الثاني من القرن الحالي، عبر السماح للأسعار بالارتفاع بوتيرة أسرع أحيانًا، ما دام متوسط التضخم يبلغ 2% بمرور الوقت، كما سيتجنب الضغط على سوق العمل برفع الفائدة بناءً على شبح التضخم، لا على تحققه الفعلي.

لكن لسوء حظ باول والاحتياطي الفيدرالي، دخل هذا المبدأ الجديد حيز التنفيذ في أغسطس 2020، وبحلول ذلك الوقت كان العالم قد تغير جذريًا.

اقرأ أيضًا: ترامب يصعّد ضد باول.. الفائدة والسلطة على المحك

الجائحة كانت ستصبح قلب الإرث

لولا هجوم ترامب في ولايته الثانية على الاحتياطي الفيدرالي، لكانت فترة كوفيد-19 على الأرجح في قلب إرث باول، ففي مؤتمر صحفي في أوائل مارس 2020 كان باول من أوائل قادة واشنطن الذين أدركوا حجم الطارئ بكل ثقله، حيث كان في السعودية في فبراير من ذلك العام، إلى جانب وزراء مالية ومحافظي بنوك مركزية، وأدرك أن الفيروس على الأرجح في طريقه إلى الولايات المتحدة.

وقال ريتشارد كلاريدا، الذي كان نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي حينها: “كنا نتلقى نصائح بأن لقاحات كوفيد ربما لن تظهر أبدًا”. وأضاف: “كنا ننظر، كمُقرري سياسات، إلى احتمال إغلاق جزء كبير من الاقتصاد لمدة عام أو أكثر، وهو إدراك شديد القسوة”.

وفي غضون أسابيع قليلة، فقد 22 مليون أمريكي وظائفهم، وقفزت البطالة إلى أعلى مستوياتها منذ ثلاثينيات القرن الماضي، خلال حقبة الكساد الكبير، وبحلول منتصف مارس كان الاحتياطي الفيدرالي قد خفّض أسعار الفائدة مرة أخرى إلى الصفر.

وبحلول ذلك الوقت، كان الاحتياطي الفيدرالي يعمل أساسًا عبر الإنترنت، لكنه كان أكثر انشغالًا من أي وقت مضى، إذ ضخ السيولة في أسواق كانت متعطشة للنقد، وأطلق سلسلة من برامج شراء السندات الضخمة وأدوات دعم الأسواق، بما في ذلك شراء غير مسبوق لديون الشركات والحكومات المحلية مباشرة.

باول يدفع الكونغرس لاستخدام القوة المالية

كان أكثر ما يشغل صناع السياسة هو التعافي الطويل والبطيء في عقد 2010، حين كان التحدي هو دعم المستهلك، ولم يكن بإمكان سوى الكونغرس ضخ النقد مباشرة في الاقتصاد الحقيقي، عبر توسيع تأمين البطالة أو توفير خطوط ائتمان للشركات الصغيرة، وبوضوح أكبر من أسلافه، حث باول المشرعين على فعل ذلك.

وقال في مؤتمر صحفي افتراضي في أبريل 2020، بعد شهر من بداية الأزمة: “هذا هو وقت استخدام القوة المالية العظيمة للولايات المتحدة”، وهكذا سارت الأمور حتى أوائل 2021؛ حيث وافق الكونغرس على حزم تحفيز بنحو 5 تريليونات دولار في عهدي ترامب وجو بايدن.

ومن حيث النمو والتوظيف، نجحت الخطة، فكان ركود الجائحة عميقًا لكنه قصير، فقد استمر شهرين فقط، وبنهاية 2021 عادت البطالة إلى أقل من 4%، لكن المؤشر الآخر الحاسم لأداء الاحتياطي الفيدرالي كان يتحرك سريعًا في الاتجاه الخطأ.

اقرأ أيضًا: من يقود تراجع الدولار.. الفيدرالي أم ترامب أم الاقتصاد العالمي؟

التضخم يطيح بتقديرات الاحتياطي الفيدرالي

تعرضت الولايات المتحدة لأشد موجة تضخم منذ عقود مع إعادة فتح الاقتصاد بعد إغلاقات الجائحة، وكانت سلاسل الإمداد لا تزال معطلة، والعمال نادرين، وكان المستهلكون متحمسين للخروج والإنفاق بعد أشهر من البقاء في المنازل، كما كانوا يمتلكون مدخرات كبيرة، بفضل جزئي للتحفيز الذي حث عليه باول.

من بعض الزوايا، كان دليل عمل الاحتياطي الفيدرالي في الجائحة إعادة لما فعله بعد أزمة 2008، لكنه كان أكبر وأسرع، ومصحوبًا بجرعة أقوى كثيرًا من الإنفاق العام، لكن اختلاف طبيعة الأزمة والاستجابة السياسية خلق ديناميكية جديدة تمامًا، ولم يمر وقت طويل قبل أن يتساءل بعض المراقبين عما إذا كان باول وفريقه يخوضون الحرب السابقة بأدواتها القديمة.

ولفترة في صيف 2021، بدت سلسلة من قراءات التضخم المشجعة وكأنها تؤيد تقييم باول والاحتياطي الفيدرالي، ثم انطلق التضخم مرة أخرى.

وفي مارس 2022، بعد أن ضرب الغزو الروسي لأوكرانيا أسواق الغذاء والطاقة، وكان التضخم قد مضى بالفعل في طريقه نحو أعلى مستوى في أربعة عقود، رأى باول وزملاؤه ما يكفي، وبدأوا رفع أسعار الفائدة، وبحلول نهاية العام رفعوا سعر الفائدة بمقدار 4.25 نقطة مئوية، في أشد تشديد للسياسة النقدية منذ عهد بول فولكر، رئيس الاحتياطي الفيدرالي الشهير في الثمانينيات.

لا يزال باول يعزو تأخر الاستجابة إلى توقعات تضخم خاطئة، لكن منتقدين يرون أن الأمر أعمق من ذلك. وفي هذا السياق، قال آدم بوسن، رئيس معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، إن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي ظلوا منشغلين أكثر من اللازم بالمخاطر طويلة الأجل للبطالة، وهي المخاطر التي هيمنت على تفكيرهم قبل الجائحة، كما تباطأوا في التفاعل حين أصبح الأثر التضخمي لكل إنفاق كوفيد واضحًا. وأضاف: “لا يستطيع الاحتياطي الفيدرالي التحكم في السياسة المالية، لكنه بالتأكيد يستطيع الاستجابة لها”.

ويقول المدافعون عن باول إن معظم المتنبئين، ومعهم اقتصادات حول العالم، عانوا في التعامل مع الصدمات غير المتوقعة التي سببتها الجائحة. وقال جاريد بيرنستين، رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض خلال إدارة بايدن، إن فكرة التضخم المؤقت كانت “خطأ تحليليًا واسع الانتشار”. وأضاف: “أعتقد أن باول كان أشبه بطيار جيد جدًا لطائرة ركاب تمر عبر اضطرابات جوية”.

اقرأ أيضًا: كيف تؤثر أسعار الفائدة على التضخم والاقتصاد العالمي

تفويض الاحتياطي الفيدرالي المزدوج تحت الاختبار

واجه باول خلال رئاسته ارتفاع البطالة والتضخم معًا، ما وضع التفويض المزدوج للاحتياطي الفيدرالي تحت ضغط شديد، وبمجرد مرور العاصفة أقر الاحتياطي الفيدرالي بالحاجة إلى مراجعة أساسية، فمراجعة السياسة الثانية في عهد باول ألغت معظم ما جاءت به المراجعة الأولى، وخرجت فكرة السماح بفترات تضخم أعلى من الهدف.

أما في سوق العمل، فقد كان إطار 2020، الذي دخل حيز التنفيذ وسط مراجعة وطنية لقضايا العنصرية بعد مقتل جورج فلويد في ذلك العام، يؤكد أهدافًا واسعة وشاملة، مع التركيز على من يحصل على الوظائف بالفعل بدلًا من عددها، لكن الإرشادات الجديدة في 2025 عادت إلى تفكير أكثر تقليدية، وحذفت كلمة “شاملة”.

وفي النهاية، وعلى عكس توقعات كثير من مراقبي الاحتياطي الفيدرالي، تراجع تضخم الجائحة دون القفزة في البطالة التي غالبًا ما ترافق الزيادات الحادة في الفائدة. ويصف بوسن ذلك بأنه “خفض تضخم بتكلفة محدودة نسبيًا”، ويعدّه “انتصارًا ضخمًا” لاحتياطي باول الفيدرالي.

ويفخر باول نفسه بأنه حقّق إلى حد كبير ما يُعرف بالهبوط الناعم، رغم إقراره بأن التضخم الذي لا يزال مرتفعًا أكثر من اللازم يترك على الاحتياطي الفيدرالي عملًا إضافيًا.

بعد أوائل 2021، لم يعد التضخم إلى هدف 2% في عهد باول، وهذا خطر دائم على مصداقية الاحتياطي الفيدرالي، فقد يبدأ الأمريكيون في التساؤل عما إذا كان البنك المركزي سيستعيد قبضته، خاصة مع وصول صدمات سعرية جديدة، مثل الرسوم الجمركية في 2025 وحرب الولايات المتحدة على إيران هذا العام.

كما غيّرت عودة التضخم السياسة الأمريكية، فبعد زيادة أسعار كثيرة في السكن والبقالة والسيارات المستعملة ساعد تعهد ترامب بمعالجة تكلفة المعيشة في ترجيح كفة انتخابات 2024 لصالحه.

وقال مايكل فولكندر، الذي شغل مناصب عليا في وزارة الخزانة خلال ولايتي ترامب، إن رؤساء الاحتياطي الفيدرالي يُقاسون عادة بسجلهم في التضخم، وأضاف أن باول “كان سيُذكر عادة بسجل ضعيف جدًا”، لكنه بدلًا من ذلك “سيحظى على الأرجح بتقدير التاريخ بسبب تصور الناس لدفاعه عن الاحتياطي الفيدرالي”.

أزمات مصرفية وفضائح أخلاقية

واجه باول عثرات أخرى، ففي أزمة البنوك الإقليمية عام 2023 انهار بنك سيليكون فالي وبنكان آخران، في بعض من أكبر حالات فشل البنوك في تاريخ الولايات المتحدة، وضمنت عملية إنقاذ الاحتياطي الفيدرالي عدم امتداد العدوى على نطاق أوسع، لكن الحلقة تركت محللين يتساءلون عما إذا كان المنظمون قادرين على فعل المزيد لمنع الانهيار من الأساس.

كما شهدت المؤسسة سلسلة من الفضائح الأخلاقية المحرجة، ما دفع منتقدين إلى المطالبة بمزيد من الشفافية والمساءلة في الاحتياطي الفيدرالي، ودفع باول إلى تطبيق قواعد أكثر صرامة في 2022 تحد من كيفية استثمار صناع السياسة في المؤسسة، ومع ذلك استمرت المتاعب، إذ استقالت المحافظة أدريانا كوجلر العام الماضي بعد انتهاك سياسات الاستثمار والتداول في الاحتياطي الفيدرالي.

وبعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، قلّص باول جهود التنوع والمساواة والشمول، وأعلن عن تخفيضات في عدد الموظفين تماشيًا مع حملة ترامب لتقليص القوة العاملة الفيدرالية، كما انسحب الاحتياطي الفيدرالي من تحالف عالمي للبنوك المركزية يدرس مخاطر المناخ كان قد انضم إليه بعد انتخاب بايدن مباشرة.

وقال باول إن مثل هذه التحولات، حين تعكس توجيهات إدارة جديدة في المواضع المناسبة، تتسق مع الممارسة الطويلة للاحتياطي الفيدرالي، لكن منتقدين من الحزبين استغلوا التغييرات؛ ففي جلسة استماع بالكونغرس أوائل العام الماضي انتقده الجمهوري تيم سكوت بسبب “تبدل مواقفه مع الرياح السياسية”، وبعد لحظات انتقدته الديمقراطية إليزابيث وارن واتهمته بـ”الغوص أكثر في السياسة” لإرضاء ترامب.

الكونغرس يمنح باول غطاءً سياسيًا

مقارنة بمعركة باول الحاسمة مع ترامب، تبدو كل هذه القضايا فرعية، وعندما أصبح الأمر حاسمًا فعلًا وقف أعضاء رئيسيون في الكونغرس من الحزبين إلى جانبه، وكان ذلك تصديقًا على نهج رئيس الاحتياطي الفيدرالي، الذي تعهد مبكرًا بأن “يبلي سجاد الكابيتول من كثرة المرور عليه”.

وكان الأبرز أن السيناتور الجمهوري توم تيليس تعهد بتعطيل ترشيح اختيار ترامب لخلافة باول، وهو المحافظ السابق في الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش، إلى أن تنهي وزارة العدل تحقيقها. وأثبت هذا التعهد تأثيره؛ فقد أعلنت المدعية الأمريكية جانين بيرو أن مكتبها سيغلق التحقيق ويترك الأمر للمفتش العام الداخلي في الاحتياطي الفيدرالي، لكن بيرو احتفظت بحق إعادة فتح الملف.

ويبدو أن باول غير مطمئن إلى أن التحقيق انتهى فعلًا، ويقول الآن إنه سيبقى في الاحتياطي الفيدرالي لفترة “تُحدد لاحقًا” في منصبه الأصلي كمحافظ، حيث تمتد ولايته حتى يناير 2028.

ومن غير المعتاد، بل المثير للجدل، أن يبقى رئيس للاحتياطي الفيدرالي بهذه الطريقة بعد انتهاء رئاسته، لكن باول يخشى أن الهجمات القانونية من ترامب تضع استقلال البنك المركزي في خطر، ولا تترك له خيارًا، وبذلك، يحرم ترامب من فرصة فورية لتعيين محافظ قد يكون أكثر استعدادًا لمجاراة مطالب الرئيس.

وارش أمام اختبار الاستقلال

قريبًا، ستنتقل مهمة حماية الاحتياطي الفيدرالي إلى كيفن وارش، وفي شهادته أمام مجلس الشيوخ الشهر الماضي، وسط أسئلة عن كيفية تعامله مع ضغوط رئاسية لخفض الفائدة، واتهامات ديمقراطية بأنه سيكون “دمية” لترامب، تعهد وارش بالتصرف باستقلالية.

وانتقد وارش جيروم باول بسبب فشله في كبح تضخم ما بعد كوفيد، واصفًا ذلك بأنه “خطأ سياسي قاتل”، ووعد بإصلاحات كبيرة في السياسة والتواصل.

وسيواجه وارش سريعا تحدياته الخاصة، فمن المرجح أن تصطدم توقعات ترامب باحتياطي فيدرالي يميل إلى إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير في الوقت الراهن، ويواجه مخاطر تضخم جديدة من حرب الولايات المتحدة على إيران.

اقرأ المزيد حول: ترشيح كيفين وارش للفيدرالي.. هل يملك مفتاح خفض الفائدة؟

نصائح أخيرة يقدمها باول لخليفته

قدّم باول نصائح لمن سيأتي بعده؛ وهي الابتعاد عن السياسة الانتخابية، والحفاظ على علاقات جيدة مع الكونغرس، والاعتراف بموهبة موظفي الاحتياطي الفيدرالي وجهدهم. وقال في مارس: “في النهاية، سيرغب كل منا في النظر إلى قوس حياته ومعرفة أن ما فعله كان الشيء الصحيح”.

وفي اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة المقبل في يونيو، من المقرر أن يحضر باول عضوًا عاديًا حول الطاولة، ويقول إنه لا يعتزم التصرف بوصفه “رئيس ظل” أو تقويض خليفته.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة