حتى البطاريق لم تسلم.. ترامب يفرض الرسوم على الجزر النائية

تقرير: باسل محمود

في خطوة أثارت موجة من الدهشة والسخرية على الساحة الدولية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن حزمة جديدة من التعريفات الجمركية شملت هذه المرة جزرًا غير مأهولة قرب القارة القطبية الجنوبية، في تصعيد غير مسبوق في مسار سياساته الحمائية.

بينما كانت الحرب التجارية السابقة تستهدف الصين وأوروبا، يبدو أن إدارة ترامب -أو ما تبقى من نهجها الاقتصادي- قد وجّهت سهامها إلى أماكن لا يسكنها سوى البطاريق والأنهار الجليدية، بحسب صحيفة الجارديان.

الجزر التي شملتها الرسوم -وعلى رأسها هيرد وماكدونالد، وهي أراضٍ بركانية قاحلة تابعة لأستراليا، لا يمكن الوصول إليها إلا بعد رحلة بحرية تستغرق أسبوعين- ظهرت بشكل مفاجئ ضمن قائمة أصدرتها البيت الأبيض بعنوان “دول خاضعة لتعريفات جمركية جديدة” بنسبة 10%، والشيء الذي أثار مزيدًا من الدهشة هو أن هذه الجزر لا تصدّر شيئًا يُذكر للولايات المتحدة، ولا تسكنها حتى أي جماعة بشرية.

تصعيد بلا حدود.. حتى أقاصي الأرض

قد يكون الغموض هو السمة الوحيدة التي جمعت بين السياسة الاقتصادية الجديدة والخرائط الجغرافية التي اعتمدت عليها، إذ شملت الرسوم أيضًا أقاليم نائية تابعة لأستراليا، منها جزيرة نورفولك التي طالتها رسوم بنسبة 29%، رغم أن عدد سكانها لا يتجاوز 2188 نسمة، ولا تُعدّ بأي حال منافسًا تجاريًا للولايات المتحدة.

رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي لم يُخفِ استغرابه، إذ قال في تعليق ساخر: “لا مكان آمن على وجه الأرض وحتى البطاريق لم تسلم من ترامب”، وأضاف: “هذه الخطوة تُظهر أن لا أحد في مأمن من هذه السياسات الجمركية الانتقائية”.

نورفولك… ضحية السياسات المرتبكة

تُعد جزيرة نورفولك نموذجًا مصغرًا لارتباك السياسات التجارية الأمريكية في عهد ترامب؛ فالجزيرة الواقعة شمال شرق سيدني، والتي ترتبط تجاريًا وإداريًا بأستراليا، فوجئت بفرض تعريفات مرتفعة على صادراتها التي لا تتجاوز 655 ألف دولار في 2023، معظمها أحذية جلدية بقيمة 413 ألف دولار، وفقًا لبيانات (OEC).

لكن جورج بلانت، المسؤول الإداري في الجزيرة، شكّك في دقة هذه البيانات، مشيرًا إلى أنه “لا توجد صادرات تُذكر من الجزيرة إلى الولايات المتحدة“، متسائلًا: “هل نحن حقًا الهدف؟ أم أن هناك خطأ في التصنيف أو الخريطة؟”.

جُزر البطاريق تحت المقصلة

المفارقة الكبرى كانت استهداف هيرد وماكدونالد، وهما جُزر غير مأهولة تقع في قلب المحيط الجنوبي، وتُغطّيها الثلوج طوال العام، ولا تضم أي بنية تحتية أو سكان أو حتى صادرات فعلية.

رغم ذلك، أشارت بيانات البنك الدولي إلى أن الولايات المتحدة استوردت منها في عام 2022 ما قيمته 1.4 مليون دولار من فئة “الآلات والمعدات الكهربائية”، وهي بيانات يُحيط بها كثير من الغموض.

وفي السنوات الخمس التي سبقت 2022، تراوحت صادرات الجُزر إلى أمريكا بين 15 ألفًا و325 ألف دولار سنويًا، ما يُثير شكوكًا حول حقيقة هذه الصادرات، وما إذا كانت هناك شركات مسجلة قانونيًا في الجزر تُستخدم كواجهات ضريبية أو موانئ شحن افتراضية.

لكنّ الرسالة السياسية واضحة: “ترامب لا يستثني أحدًا من تعريفاته، حتى لو كان جزيرة مهجورة يقطنها فقط طائر البطريق الملك”.

ما وراء هذه الرسوم.. دوافع أعمق من الاقتصاد

يرى مراقبون أنَّ هذا التصعيد لم يأتِ بدافع اقتصادي بحت، بل يرتبط بشكل أكبر برغبة ترامب في ترسيخ صورته كرئيس لا يتردد في “معاقبة الخصوم الاقتصاديين” أو من يتحدّاه، حتى وإن كان الهدف رمزيًا أو عديم التأثير الفعلي على الميزان التجاري.

وفي هذا السياق، يقول خبير التجارة الدولية في جامعة نيو ساوث ويلز، الدكتور جيمس كرافورد: “هذه القرارات لا تنسجم مع المنطق التجاري، بل تُعبّر عن رغبة في السيطرة الرمزية، وترامب لا يعترف بالحسابات الصغيرة، بل يُريد إثبات أن قبضته تمتد حتى إلى المحيط الجنوبي”.

الرسوم كأداة سياسية لا اقتصادية

ما يُثير القلق ليس فقط طبيعة القرارات، بل سلوك السلطة الاقتصادية العالمية التي تتصرف بمعزل عن المؤسسات الدولية، ودون أي التزامات باتفاقيات التجارة الحرة أو التزامات منظمة التجارة العالمية؛ ففرض رسوم على مناطق نائية لا تربطها فعليًا علاقة اقتصادية مع الولايات المتحدة يُفرغ السياسات التجارية من معناها الحقيقي، ويجعل منها أدوات لفرض الهيمنة بدلًا من دعم التوازن الاقتصادي.

الأمر ذاته أثار حفيظة الشركاء الأوروبيين؛ حيث أعرب مسؤول في الاتحاد الأوروبي -فضَّل عدم ذكر اسمه- عن خشيته من أن تكون هذه السياسة “مقدمة لمزيد من الإجراءات الانتقائية، واستهداف دول أو أقاليم لأسباب سياسية مغلّفة بقوالب اقتصادية”.

حين تتجاوز التعريفات الجمركية حجم التجارة

في حالات مثل جزيرة نورفولك التي يبلغ إجمالي صادراتها ما يعادل متوسط دخل نادٍ رياضي محلي في نيويورك، فإن فرض رسوم بنسبة 29% يُثير تساؤلات جوهرية حول منطق القرار؛ فمن غير المنطقي اقتصاديًا أنَّ تُفرض تعريفات جمركية على صادرات بالكاد تُذكر، ما لم يكن هناك دافع سياسي أو بيروقراطي أو رمزي يقف وراء القرار.

تعليقًا على ذلك، كتب أحد المحللين في صحيفة سيدني مورنينغ هيرالد: “ترامب أعاد تعريف الجغرافيا، فمن الآن فصاعدًا، كل شبر على الكوكب مأهول أو مهجور قد يُدرج على لائحة الرسوم الجمركية”.

قد يهمّك أيضًا: رسوم جمركية جديدة تهدد تجارة الغاز والنفط الفنزويلي

عندما تصبح الخريطة أهم من الميزان التجاري

في كثير من الحالات، يبدو أنَّ التصنيفات الجمركية الحديثة أصبحت تعتمد على الخرائط والسيادة القانونية أكثر من البيانات التجارية الفعلية. بمعنى آخر؛ أي إقليم يُسجّل رسميًا كـ”منطقة مستقلة” أو “أرض خارجية” قد يجد نفسه فجأة مدرجًا ضمن قوائم تعريفات ترامب، حتى وإن كان مجرد سلسلة من الصخور الجليدية في أقاصي المحيطات.

هذا التوجه قد يُفتح الباب أمام ممارسات تجارية جديدة تتلاعب بالتصنيفات الإدارية لتجنب الرسوم، أو على العكس، قد تُستخدم لتعزيز الضغط السياسي في ملفات أخرى، بما يشبه “دبلوماسية التعريفات”.

بعيدًا عن الجزر والمفارقات الجغرافية، فإن الرسالة الكبرى التي يحملها هذا القرار هي أن السياسة الحمائية قد تصل إلى أقصى مدى، وأن معايير العدل والإنصاف في التجارة باتت محل شك، ما دامت القرارات تصدر بشكل منفرد وتطبَّق بمعزل عن المؤسسات متعددة الأطراف.

الدول الصغيرة، والأقاليم النائية، وحتى الكيانات التي لا تُصدر شيئًا، باتت تحت رحمة قرارات سياسية لا تخضع لتقييم تكاليف وفوائد، وهذا، برأي بعض الخبراء، هو ما يجعل هذه الجولة من الحرب التجارية أخطر من سابقاتها.

منطق ترامب: سياسة خارج الصندوق أم خارج الخريطة؟

تبدو سياسات ترامب التجارية كأنها تُعيد تعريف العلاقات الدولية لا على أساس المصالح الاقتصادية، بل على أساس الولاء، الانصياع، أو حتى الصمت؛ فقد تحوّلت الأداة الاقتصادية إلى وسيلة تأديب سياسي، تطال حتى من لا علاقة لهم بالتجارة.

فهل نحن بصدد دخول عصرٍ جديد تُدار فيه التجارة الدولية بالخرائط السياسية لا بالأرقام الاقتصادية؟ وهل ستردّ الدول الكبرى بحزم، أم أن الرسالة الرمزية ستمرّ مرور الكرام، كما حدث مع كثير من قرارات ترامب المثيرة للجدل سابقًا؟

الشيء المؤكد الوحيد هو أن السياسة التجارية الأمريكية لم تعد تخضع لأي خطوط حمراء، لا سياسية، ولا جغرافية، ولا حتى مناخية، فمن الآن فصاعدًا، حتى البطاريق قد تطالها تعريفات جمركية.

اقرأ أحدث مستجدات رسوم ترامب.. كيف تُهدد الصادرات العربية وتُربك الأسواق

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة