حرائق اللاذقية تمتد وتكشف هشاشة المناخ والاقتصاد في سوريا

تواصل فرق الأمم المتحدة جهودها الميدانية على الساحل السوري في ظل استمرار حرائق الغابات المشتعلة لليوم الرابع على التوالي، وسط ظروف مناخية صعبة وامتداد واسع للنيران التي أتت على مناطق واسعة من محافظة اللاذقية شمال غرب البلاد.

وصرح المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في سوريا، آدم عبد المولى، في بيان رسمي أن الحرائق تنتشر بسرعة كبيرة، ما أدى إلى نزوح مئات العائلات من منازلها، إضافة إلى تدمير مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، والبنية التحتية الحيوية في المنطقة. وأوضح أنَّ فرق الأمم المتحدة على الأرض تعمل حاليًا على إجراء تقييمات عاجلة لقياس حجم الكارثة وتحديد الاحتياجات الإنسانية الأكثر إلحاحًا لتقديم المساعدة الفورية.

وكانت فرق إطفاء من كل من تركيا والأردن قد انضمت مؤخرًا إلى جهود فرق الدفاع المدني السوري، حيث قدمت دعماً جويًا باستخدام المروحيات في محاولة للحد من توسع رقعة النيران. وأكدت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” أن أطقم الطوارئ تبذل جهودًا كبيرة لمنع اقتراب الحرائق من محمية الفرنلق الطبيعية، المعروفة بغاباتها الكثيفة والمتشابكة التي تمثل أحد أكبر الأنظمة البيئية الحرجية في المنطقة.

تدمير الغطاء النباتي في اللاذقية

وصف وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري، رائد الصالح، الوضع بأنه مأساوي للغاية، وقال في بيان نشره عبر منصة التواصل الاجتماعي “إكس” إن الحرائق دمرت مئات الآلاف من الأشجار على مساحة تقدر بعشرة آلاف هكتار، ما يعادل نحو 38.6 ميلًا مربعًا، وأضاف الصالح: “نأسف ونحزن على كل شجرة احترقت، فقد كانت مصدرًا لهوائنا النقي”.

وعلى الرغم من أنّ حرائق الصيف تُعد ظاهرة متكررة في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، إلا أن شدّتها في السنوات الأخيرة زادت بسبب التغيرات المناخية، ويحذر الخبراء من أن ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع كميات الأمطار، وزيادة فترات الجفاف، ستُؤدي إلى تفاقم ظروف الحرائق وتوسع نطاقها.

يُذكر أن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة كانت قد حذرت في يونيو الماضي من أن سوريا تمر بظروف مناخية استثنائية لم تشهدها منذ أكثر من ستين عاماً، وأكدت المنظمة أن موجة الجفاف الحالية تهدد أكثر من 16 مليون شخص في سوريا بانعدام الأمن الغذائي.

جهود الإطفاء مستمرة وسط ظروف مناخية معقدة

وسط هذه التحديات، لا تزال جهود فرق الإطفاء تتواصل في محاولة للسيطرة على النيران والحفاظ على ما تبقى من الغطاء النباتي، في وقت تتعالى فيه الدعوات إلى تكثيف الدعم الدولي للحد من تداعيات الكارثة البيئية والإنسانية على السكان والمجتمع المحلي.

من جهته صرّح الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، أن الحرائق الواسعة التي اجتاحت محافظة اللاذقية في سوريا تُعد كارثة بيئية واقتصادية بكل المقاييس، كما أنّها تمثل ضربة موجعة لاقتصاد محلي يعاني أساسًا من هشاشة متراكمة نتيجة الحرب والعقوبات الدولية والتغيرات المناخية. وقال إن “الأضرار المباشرة على القطاع الزراعي ستكون عميقة، لا سيما أنَّ محافظة اللاذقية تُعد من أهم المناطق الزراعية في سوريا،

وأوضح سلامة أن احتراق أكثر من عشرة آلاف هكتار من الغابات والأراضي الزراعية يعني فقدان مئات الآلاف من الأشجار، وهو ما سيؤدي حتمًا لتدمير الثروة الحرجية الوطنية، بالإضافة إلى التخوف من حوادث معقدة بسبب تلوث الألغام المتبقّية من النزاع السوري، مما يزيد من صعوبة عمليات الإخلاء والإطفاء.

اقرأ أيضًا: “سوريا” نهاية 46 عامًا من العزلة.. فماذا يعني ذلك

الحرائق تكشف هشاشة الاقتصاد السوري وبنيته الزراعية

أوضح سلامة أنّ ما حدث في اللاذقية سيؤثر على الصناعات الزراعية والغذائية التي تعتمد على المحاصيل المحلية كمصدر رئيسي للمواد الخام، وهو ما سيزيد من صعوبة استمرار بعض خطوط الإنتاج، ويهدد بارتفاع معدلات البطالة في المناطق الريفية.

وأشار سلامة إلى أن الأثر لا يقتصر على الخسائر المباشرة، بل يمتد إلى تدمير أجزاء من البنية التحتية الحيوية في القرى والبلدات، مثل شبكات الكهرباء والمياه والطرق، وهي عناصر تحتاج إلى تمويل ضخم لإعادة بنائها، في وقت لا تتوفر فيه الموارد المالية الكافية لدى الدولة.

وفي هذا السياق، حذر الخبير الاقتصادي من أنَّ الحكومة السورية قد تجد نفسها مضطرة لإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، ما قد ينعكس سلبًا على قطاعات مهمة مثل الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، خاصة في ظل الضغوط المالية الحالية والعجز المزمن في الميزانية.

وفيما يتعلق بالسياحة، لفت الخبير الاقتصادي إلى أن تضرر محمية الفرنلق الطبيعية وغابات اللاذقية سيضعف من جاذبية المنطقة كوجهة سياحية بيئية، رغم ما تمتلكه من مقومات طبيعية فريدة، مشددًا على ضرورة إطلاق برامج تأهيل بيئي وسياحي في أقرب وقت ممكن.

تأثير الحرائق على الاستيراد وتهديد الأمن الغذائي

أكَّد الدكتور سلامة أن الكارثة ستؤثر أيضًا على ميزان الاستيراد، حيث سيضطر التجار والدولة إلى استيراد بعض السلع الغذائية لتغطية النقص المحلي، وهو ما سيرفع من الضغط على العملات الأجنبية، ويؤدي إلى زيادة في الأسعار المحلية.

كما أشار إلى أن الأمن الغذائي في سوريا على المحك، خاصة في ظل تحذيرات سابقة من الأمم المتحدة بأن أكثر من 16 مليون سوري معرضون لانعدام الأمن الغذائي، وهو ما يجعل أي تدهور إضافي في الزراعة المحلية كارثيًا من الناحية الإنسانية والاقتصادية.

واختتم الدكتور عمرو سلامة تصريحاته بالتأكيد على أن سوريا بحاجة إلى تدخل دولي عاجل لدعم جهود الإغاثة، ومساعدة الحكومة في إعادة تأهيل المناطق المنكوبة، مطالبًا بتوفير تمويل مباشر للقطاعات الإنتاجية لإعادة دوران عجلة الاقتصاد المحلي، مع ضرورة توجيه دعم خاص للفلاحين والمزارعين الذين فقدوا مصادر دخلهم.

قد يهمّك أيضًا: الوضع الإنساني في سوريا..أزمات أمنية وإنسانية متفاقمة

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة