حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طمأنة المواطنين في الولايات المتحدة بشأن التداعيات الاقتصادية المحتملة لانخراط بلاده في الحرب الجارية في الشرق الأوسط، مؤكدًا أن التأثيرات الاقتصادية لن تكون كبيرة إلى الدرجة التي يشعر بها المواطن الأمريكي بشكل مباشر، إلا أن العديد من التقارير والتقديرات الاقتصادية تشير إلى أن كلفة الحرب قد تكون مرتفعة للغاية.
ووفقًا لمسؤول في الكونغرس الأمريكي، بلغ التقدير الأولي الذي وضعه البنتاغون لتكلفة العمليات العسكرية في إيران نحو مليار دولار يوميًا، وهذا الرقم الكبير يمثل عبئًا ماليًا ضخمًا حتى بالنسبة لاقتصاد بحجم الاقتصاد الأمريكي.
الإنفاق العسكري يستنزف المالية العامة الأمريكية
قال الدكتور ياسر حسين، أستاذ الاقتصاد، إنّ الولايات المتحدة قد تكون قادرة على تحمل تكاليف العمليات العسكرية لفترة قصيرة، إلا أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يمثل تحديًا حقيقيًا للمالية العامة الأمريكية، موضحًا أن استمرار الإنفاق العسكري بهذا الحجم قد لا يكون محسوبًا بالكامل في تقديرات الإدارة الأمريكية أو وزارة الدفاع، خاصة إذا امتدت العمليات العسكرية لفترة طويلة.
وأضاف حسين أن بعض المؤشرات الاقتصادية بدأت تظهر بالفعل داخل الولايات المتحدة خلال الأيام الأخيرة، حيث لوحظ ارتفاع في أسعار الوقود، وارتفع سعر الجالون الواحد بنحو 20 سنتًا على الأقل، وهو ما يرتبط بشكل مباشر بالتوترات العسكرية في منطقة الخليج والحرب الجارية في الشرق الأوسط.
وأوضح أستاذ الاقتصاد أن ارتفاع أسعار الوقود بهذا الشكل يمثل عاملًا مؤثرًا في الاقتصاد الأمريكي، لأن زيادة تكاليف الطاقة تنعكس مباشرة على تكلفة النقل والإنتاج، وهو ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار العديد من السلع والخدمات، ولفت إلى أن ارتفاع أسعار البنزين قد يؤدي إلى زيادة أسعار المواد الغذائية والمشروبات والعديد من السلع الأخرى التي تدخل في دورة الاقتصاد اليومية التي تمس حياة المواطن الأمريكي.
قد يهمّك أيضًا: لماذا لم يقفز النفط إلى 100 دولار للبرميل؟
كيف تؤثر أعباء المعيشة على خيارات الناخب الأمريكي؟
أشار الدكتور ياسر حسين إلى أن هذه التطورات قد تخلق تحديات سياسية واقتصادية في الوقت نفسه، خاصة أن الناخب الأمريكي يهتم بدرجة كبيرة بالقضايا المعيشية اليومية مثل ارتفاع أسعار الوقود ومستوى المعيشة والتضخم، أكثر من اهتمامه بالقضايا الخارجية التي تقع خارج الأراضي الأمريكية.
وأكد أن الاقتصاد العالمي اليوم أصبح شديد الترابط، وبالتالي فإن الولايات المتحدة، رغم أنها لا تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والغاز من دول الخليج العربية، فإنها تتأثر بصورة واضحة بأي اضطرابات تحدث في أسواق الطاقة العالمية، وهذا التأثير يظهر بوضوح في ارتفاع أسعار الوقود في محطات تموين السيارات داخل الولايات المتحدة.
وأضاف أن أي تصعيد عسكري في منطقة الشرق الأوسط يمكن أن ينعكس بسرعة على الاقتصاد الأمريكي عبر ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة على المواطنين.
أمريكا أولاً يدعم إنهاء الحرب
أشار حسين إلى أن بعض التيارات السياسية داخل الولايات المتحدة ترى أن إنفاق نحو مليار دولار يوميًا على العمليات العسكرية يمثل استنزافًا كبيرًا للموارد الاقتصادية الأمريكية، وأوضح أن هذا الرأي يستند إلى أن الرئيس ترامب نفسه رجل أعمال في الأساس وليس سياسيًا تقليديًا، وكان قد تعهد خلال حملته الانتخابية بالعمل على تقليل الإنفاق على الحروب الخارجية.
وأضاف أن التيار المؤيد لشعار أمريكا أولًا، يرى أن هذه الأموال كان من الممكن توجيهها للاستثمار داخل الولايات المتحدة بدلًا من إنفاقها في صراعات خارجية قد لا تحقق بالضرورة مصالح مباشرة للمواطن الأمريكي، مشيرًا إلى أن هذه الموارد كان يمكن استغلالها لتحسين مستوى معيشة المواطنين ودعم الاقتصاد المحلي.
وأوضح أستاذ الاقتصاد أن بعض التقديرات تشير إلى أن نحو 15% من الأمريكيين، أي أكثر من 40 مليون مواطن، لا يحصلون على تغطية كافية من برامج التأمين الصحي، كما يعاني عدد كبير من المواطنين من ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم خلال العامين الماضيين.
واختتم الدكتور ياسر حسين تصريحاته بالتأكيد على أن تيار ماغا أو أمريكا أولًا يستند إلى هذه الأرقام في انتقاد قرار الانخراط في الحرب، إذ يرى أن الرئيس ترامب كان قد تعهد خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة بعدم إدخال الولايات المتحدة في حروب جديدة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط.
لكنّه أوضح في الوقت ذاته أنّ غالبية الجمهوريين ما زالوا يدعمون قرار المشاركة في العمليات العسكرية، رغم عدم وضوح الأهداف النهائية للحرب أو الإطار الزمني المتوقع لاستمرارها.
اقرأ أيضًا: الحرب على إيران تثير قلق الأسواق العالمية
هل تدخل الولايات المتحدة دوامة الركود التضخمي؟
من جهته، قال الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، إن التطورات الجيوسياسية والتوترات العسكرية الجارية تحمل تداعيات اقتصادية معقدة على الاقتصاد الأمريكي، محذرًا من أن الخطر الأكبر يتمثل في احتمال دخول الولايات المتحدة في مرحلة ما يُعرف بالركود التضخمي، وهي الحالة التي يشهد فيها الاقتصاد ارتفاعًا في معدلات التضخم بالتزامن مع تباطؤ أو ضعف في النمو الاقتصادي.
وأوضح الجرم أن هذا السيناريو قد يصبح أكثر احتمالًا في حال استمرار ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، خاصة النفط والغاز، لفترة طويلة نتيجة اضطرابات الإمدادات أو اتساع نطاق الصراع في المنطقة. وأضاف أن استمرار أسعار النفط والغاز عند مستوياتها المرتفعة الحالية قد يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم في الولايات المتحدة بما يتراوح بين 0.3% و0.9%.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أنه في حال وصول سعر برميل النفط إلى نحو 120 دولارًا، فقد ترتفع معدلات التضخم في الولايات المتحدة لتصل إلى قرابة 4%، وهو مستوى قد يزيد من الضغوط على الاقتصاد الأمريكي ويعقّد قرارات السياسة النقدية.
كما لفت الجرم إلى أن الضغوط الاقتصادية بدأت تظهر بالفعل على المستهلك الأمريكي، خاصة في ما يتعلق بتكاليف الطاقة والنقل، وذكر أن سعر جالون البنزين في الولايات المتحدة يبلغ حاليًا نحو 3.35 دولار، وهو مستوى يثير بالفعل قلق الأسواق والمستهلكين.
الوقود يفاقم الأعباء الاقتصادية على الأسر الأمريكية
حذر الجرم من أنّ أي ارتفاع إضافي في أسعار الوقود قد يفاقم الأعباء الاقتصادية على الأسر الأمريكية، مشيرًا إلى أنه إذا ارتفع سعر جالون البنزين ليتراوح بين 3.50 و4 دولارات، فإن ذلك سيشكل عبئًا اقتصاديًا مباشرًا على المواطنين، وقد يتحول أيضًا إلى تحدٍ سياسي، خاصة بالنسبة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل الانتخابات النصفية المقبلة.
وأضاف الجرم أن ارتفاع تكاليف الطاقة ينعكس بشكل مباشر على تكلفة النقل والإنتاج، وهو ما يؤدي في النهاية إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، الأمر الذي يضغط على القوة الشرائية للمستهلكين ويؤثر في مستويات الطلب داخل الاقتصاد الأمريكي.
واختتم الدكتور رمزي الجرم تصريحاته بالتأكيد على أن العامل الحاسم في تحديد حجم التأثيرات الاقتصادية المستقبلية سيظل مرتبطًا بمدة الحرب ومدى اتساع نطاقها، ورجح أن تتحول المواجهة إلى حرب طويلة ذات طابع استنزافي، وهو ما قد يضع البنوك المركزية العالمية، وعلى رأسها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، أمام اختبار صعب في إدارة السياسة النقدية.
وأشار إلى أن هذا التحدي يزداد تعقيدًا في ظل استمرار قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات الأمريكية، وهو ما قد يحد من قدرة البنوك المركزية على تحقيق التوازن بين السيطرة على التضخم ودعم النمو الاقتصادي في الفترة المقبلة.
اقرأ أيضًا: الحرب في الشرق الأوسط.. مخاوف من اتساع عجز الموازنات