كيف تؤثر الحرب التجارية على الاقتصاد العالمي والأسواق المالية؟
تقرير: باسل محمود
في ظل تصاعد التوترات التجارية العالمية، تتجه الأنظار نحو واشنطن؛ حيث تشهد الأسواق اضطرابًا غير مسبوق بفعل سياسات الإدارة الأمريكية التي وسّعت نطاق الرسوم الجمركية العقابية على الشركاء التجاريين الرئيسيين، مما دفع وكالات التصنيف الائتماني إلى خفض توقُّعات النمو العالمي، وزاد من حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الاقتصاد الأمريكي، بحسب وول ستريت جورنال.
وكالة فيتش للتصنيف الائتماني كانت أحدث المنضمين إلى قائمة المؤسسات التي عدّلت توقعاتها الاقتصادية، فقد حذّرت من أن التصعيد التجاري قد يقود إلى تباطؤ كبير في النمو، وارتفاع في معدلات التضخم، وتأخير خفض الفائدة من قِبل الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما يضع الأسواق أمام سيناريوهات غير مطمئنة.
تراجع نمو الاقتصاد العالمي وزيادة الضغوط
لم يكن خفض فيتش لتوقُّعات نمو الاقتصاد العالمي مفاجئًا، لكنَّه أضاف بعدًا جديدًا للأزمة، حيث توقعت الوكالة أن ينخفض النمو العالمي إلى 2.3% في عام 2025، بعد أن كان 2.9% في 2024، مع استمرار التباطؤ في 2026 ليصل إلى 2.2%.
أما بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، فقد خفّضت فيتش توقُّعاتها لنمو 2025 إلى 1.7% بدلًا من 2.1%، بينما ستتراجع وتيرة النمو في 2026 إلى 1.5% فقط، وتعد هذه النسب الأدنى منذ سنوات، ما يعكس حالة التباطؤ الحادة التي يشهدها الاقتصاد الأكبر في العالم.
في أوروبا، لا تبدو الصورة أفضل، فقد توقَّعت الوكالة أن يبقى نمو منطقة اليورو ضعيفًا، فيما ستعاني كندا والمكسيك من ركود تقني نتيجة الاعتماد الكبير على التجارة مع الولايات المتحدة.
الرسوم الجمركية تفجر الفوضى في الأسواق
السياسات التجارية الأمريكية أصبحت المحرِّك الرئيسي للاضطراب الحالي، إذ قامت الإدارة الأمريكية بتوسيع نطاق الرسوم الجمركية على واردات الصين وكندا والمكسيك وأوروبا، إلى جانب فرض رسوم إضافية على الصُلب والألمنيوم المستورد، مما أدى إلى حالة من التوتر في الأسواق المالية، انعكست في تراجع مؤشرات الأسهم بشكل حاد.
“الإدارة الأمريكية الجديدة بدأت حربًا تجارية عالمية ستؤدي إلى تباطؤ النمو، وارتفاع التضخم، وتأجيل خفض أسعار الفائدة”، جاء في تقرير فيتش الأخير.
وفي مؤشر على تصاعد حدة الأزمة، ارتفع متوسط المعدل الفعلي للرسوم الجمركية الأمريكية من 2.3% في عام 2024 إلى 8.5% حاليًا، ومن المتوقع أن يصل إلى 18% بنهاية العام، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ 90 عامًا، وفقًا لتقديرات فيتش.
اقرأ أيضًا: خسائر حادة في “وول ستريت” وسط مخاوف الركود والرسوم الجمركية
هل الركود الاقتصادي أصبح أمرًا حتميًا؟
مع تزايد المخاوف من أن تؤدي السياسات التجارية المتشددة إلى انكماش الاقتصاد الأمريكي، ارتفعت توقعات دخول الولايات المتحدة في حالة ركود خلال الأشهر المقبلة، ويبدو أنَّ تأثير هذه الأزمة قد يمتد إلى قطاعات واسعة، من التصنيع إلى التكنولوجيا، مما يزيد من هشاشة الأسواق.
وفي هذا السياق، تقول فيتش: “هُناك حالة كبيرة من عدم اليقين بشأن المدى الذي ستصل إليه السياسة التجارية الأمريكية”. وتُضيف: “قد تكون توقعاتنا أكثر تشددًا من الواقع، لكن هناك أيضًا مخاطر تصعيدية قد تؤدي إلى حرب تجارية شاملة”.
التضخم يرتفع.. والاحتياطي الفيدرالي في مأزق
إحدى أكبر المخاوف الناجمة عن تصاعد الرسوم الجمركية هي زيادة الضغوط التضخمية، حيث أشارت فيتش إلى أنَّ التعريفات الجديدة ستضيف نقطة مئوية كاملة إلى معدل التضخم الأمريكي، مما يجعل من الصعب على الاحتياطي الفيدرالي خفض أسعار الفائدة في وقت قريب.
في ظل هذا السيناريو، فإن الاحتياطي الفيدرالي سيكون أمام خيارين أحلاهما مر: إما خفض الفائدة لإنقاذ الاقتصاد من الركود والمخاطرة بتأجيج التضخم، أو إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، مما قد يفاقم التباطؤ الاقتصادي.
“تصاعد حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي سيؤثر على قرارات الشركات الاستثمارية، وقد يدفع العديد منها إلى تأجيل التوسع أو تخفيض الإنفاق الرأسمالي”، تضيف فيتش.
الأسواق المالية تتهاوى
تسببت التطورات الجديدة في اضطراب حاد في أسواق المال، حيث شهدت مؤشرات الأسهم الأمريكية تراجعات قوية خلال الأسابيع الأخيرة، وسط عمليات بيع مكثفة للأسهم ذات المخاطر العالية.
أدى هذا إلى انخفاض مؤشر ناسداك 100 بنسبة 11% عن أعلى مستوى له في فبراير، بينما كان أداء أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، التي قادت السوق في السنوات الأخيرة، مخيبًا للآمال؛ فقد سجَّل سهم أبل أسوأ أسبوع له منذ أكثر من عامين، في حين تراجعت أسهم شركات مثل أمازون ومايكروسوفت وإنفيديا بوتيرة سريعة.
لماذا ينسحب المستثمرون الأمريكيون من صناديق الأسهم؟ اقرأ التفاصيل في التقرير!
هل الأسواق أمام فرصة شراء أم بداية أزمة جديدة
لطالما كانت فترات التراجع في الأسواق فرصة للمستثمرين الذين يتمتعون بنظرة طويلة الأجل، لكن هذه المرة يبدو أن السوق يواجه مخاطر هيكلية أعمق، تجعل مسألة التعافي السريع موضع شك. وبحسب أحد المحللين في وول ستريت: “في السابق، كان شراء أسهم التكنولوجيا الكبرى عند الانخفاض قرارًا مربحًا، لكن الآن هناك مخاوف من أنَّ هذه الشركات قد تواجه تحديات نمو لم تشهدها من قبل”.
ومما يجدر ذكره في هذا السياق أنّ تباطؤ الأرباح المستقبلية يُعد من بين المؤشرات التي تثير القلق، حيث خفَّض محللو وول ستريت توقُّعاتهم لنمو أرباح مجموعة الأسهم السبع الكبار لعام 2025، وتراجعت التوقُّعات من 24% إلى 22%، وهو ما يعكس نظرة أكثر تحفُّظًا بشأن أداء هذه الشركات.
كما أنَّ تقييمات الأسهم لا تزال مرتفعة رغم التراجعات الأخيرة؛ فحتى بعد موجة البيع، تبقى أسهم التكنولوجيا عند مستويات تفوق المعايير التاريخية، مما يزيد من احتمالية حدوث تصحيح إضافي في المستقبل.
هل ستستمر الأزمة؟ تبدو الأسواق العالمية في حالة عدم يقين غير مسبوقة، حيث تؤدي القرارات السياسية إلى تغييرات جوهرية في ديناميكيات الاقتصاد العالمي.
وفي حال استمرت الحرب التجارية وتصاعدت الضغوط التضخمية، فقد يصبح الركود الأمريكي أمرًا حتميًا، مما سينعكس سلبًا على الأسواق العالمية، أما في حال تراجع التوترات ونجاح الشركات في التكيف مع السياسات الجديدة، فقد يشكل ذلك فرصة للاستثمار عند مستويات منخفضة، استعدادًا لموجة انتعاش محتملة.
اقرأ أحدث مستجدات أسهم التكنولوجيا الكبرى.. هل انتهى عصر الارتفاعات القياسية؟