تتصاعد التوقعات باندلاع حرب تجارية عالمية جديدة مع فوز دونالد ترامب بولاية رئاسية أخرى، ووفقًا لتقرير أصدره بنك “غولدمان ساكس” فإن عودة ترامب قد تُجدد التوجهات الحمائية التي تبناها سابقًا، ويُتوقع أن تشمل هذه المرة فرض تعرِفات جمركية قاسية ليس على الصين فحسب، وإنّما على عدد من الدول الآسيوية التي تربطها بالولايات المتحدة فوائض تجارية.
ويترقب المحللون تأثير هذه السياسات المحتملة على الاستقرار التجاري العالمي، لا سيما أن التركيز على إعادة هيكلة سلاسل التوريد سيضع الشركات الأمريكية أمام تحديات اقتصادية كبرى.
توقعات بنك غولدمان ساكس
جاء تقرير “غولدمان ساكس” ضمن دراسة حديثة للبنك، حيث ذكر أنَّ الصين، رغم كونها الهدف الأساسي للتعرِفات الأمريكية في السنوات الأخيرة، إلا أنَّ دولًا آسيوية أخرى ذات فوائض تجارية كبيرة مع الولايات المتحدة قد تواجه تدقيقًا شديدًا في ظل سياسات ترامب التجارية.
وأشار التحليل إلى أن اقتصادات مثل كوريا الجنوبية وتايوان وفيِتنام قد تكون الأكثر تعرضًا للخطر بسبب نمو عملياتها التجارية مع الولايات المتحدة؛ ففي عام 2023 سجلت كوريا الجنوبية فائضًا تجاريًا مع الولايات المتحدة بلغ 44.4 مليار دولار، وكانت صادرات السيارات أحد العوامل الرئيسية لهذا الفائض.
من جهة أخرى، حققت تايوان ارتفاعًا في صادراتها إلى الولايات المتحدة بنسبة 57.9% خلال الربع الأول من عام 2024، بفضل نمو قطاعات تكنولوجيا المعلومات وأشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية. أما فيتنام، فقد تراكم لديها فائض تجاري بلغ 90 مليار دولار مع الولايات المتحدة، من يناير إلى سبتمبر 2024، بسبب إعادة توجيه التجارة بعيدًا عن الصين.
اقرأ التفاصيل الشاملة حول الحرب التجارية التي قد يُشعلها دونالد ترامب بعد فوزه بالرئاسة؟
تأثير التعرِفات الجمركية على الصين
كان لسياسة التعريفات الجمركية تأثير واضح على تقليل العجز التجاري الأمريكي مع الصين، إذ انخفض هذا العجز من 346.8 مليار دولار في عام 2016 إلى 279.1 مليار دولار في عام 2023، حيث تعد هذه الاستراتيجية جزءًا من سياسات ترامب الرامية إلى الحد من الاعتماد الأمريكي على السلع الصينية.
وقد توقع “غولدمان ساكس” أن تزداد الضغوط على الشركات الأمريكية لتنويع سلاسل التوريد الخاصة بها بعيدًا عن الصين، ويشمل ذلك التوجه إلى دول بديلة مثل دول جنوب شرق آسيا، والهند، والمكسيك، بهدف تقليل التبعية الاقتصادية للصين وتفادي التعرض لاضطرابات التجارة مع أكبر اقتصاد في العالم.
ومما يجدر ذكره في هذا السياق أنّ ترامب، ضمن وعوده الانتخابية، روّج لفرض تعرِفات جمركية تتراوح بين 10% و20% على جميع الواردات، مع احتمالية فرض تعرِفات محددة على المنتجات الصينية تصل إلى 60% أو حتى 100%. وبحسب توقعات “غولدمان ساكس”، قد تفرض الولايات المتحدة تعرِفات إضافية بمتوسط 20% على المنتجات الصينية بحلول النصف الأول من عام 2025.
التداعيات على السوق الأمريكية
أشار البنك إلى احتمالية زيادة الأسعار بالنسبة للشركات والمستهلكين الأمريكيين الذين سيتحملون تكاليف الرسوم الجمركية المباشرة على السلع المستوردة في حال قام ترامب بفرض “الموجة الحمائية” المرتقبة، الأمر الذي قد يؤثر على الإنفاق الاستهلاكي، ويزيد من تعقيد الاقتصاد الأمريكي في ظل السياسات التجارية المشددة المتوقعة.
وفي هذا السياق، سلطت الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية، الضوء على المخاوف المتزايدة بشأن احتمالية اندلاع حرب تجارية عالمية بعد فوز دونالد ترامب بالرئاسة مرة أخرى، مشيرةً إلى أن “عودة ترامب قد تعيدنا إلى عصر من السياسات الحمائية التي تؤثر على التجارة العالمية وتضع الاقتصاد الدولي أمام تحديات جديدة”.
اقرأ أيضًا: الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية.. هل تسبب حربًا تجارية؟
التوترات التجارية تجتاح الولايات المتحدة
أوضحت الشافعي في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” أن السياسات التي انتهجها ترامب خلال ولايته الأولى، مثل فرض تعرِفات جمركية على العديد من السلع المستوردة، أسفرت عن توترات مع قوى اقتصادية كبرى، مثل الصين والاتحاد الأوروبي، وأثرت بشكل مباشر على الأسواق العالمية. حيث قالت: “أثرت سياسات ترامب على النمو الاقتصادي العالمي وزادت من التضخم، مما دفع العديد من الدول إلى اتخاذ إجراءات مضادة لحماية مصالحها الاقتصادية.”
التوترات مع الصين
أوضحت الدكتورة مروة الشافعي أن “الصراع التجاري بين الولايات المتحدة والصين لا يتعلق بالسلع والخدمات وحسب، بل يمتد إلى التكنولوجيا والنفوذ الاقتصادي، الأمر الذي يجعل هذه المنافسة أشد تعقيدًا وخطورة”، وأضافت أن “أيَّ تصعيد جديد في الحرب التجارية بين البلدين قد يؤدي إلى اضطرابات شديدة في سلاسل التوريد العالمية، مما قد ينعكس سلبًا على الأسعار والاستقرار الاقتصادي”.
وتشير الشافعي إلى أن الاقتصاد العالمي ما زال في مرحلة تعافٍ هشة بعد جائحة كورونا، وأنَّ أيَّ تصعيد تجاري جديد قد يُضعف الانتعاش الاقتصادي، وعلقت قائلة: “الصين والولايات المتحدة من أكبر الاقتصادات العالمية، وأي توترات بينهما يمكن أن تؤدي إلى آثار تضخمية تصيب اقتصادات الدول النامية وتؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع”.
التوترات مع الاتحاد الأوروبي
تحدثت الدكتورة الشافعي أيضًا عن العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين في ضوء عودة ترامب، مشيرة إلى أن “الاتحاد الأوروبي قد يجد نفسه في مواجهة جديدة مع الولايات المتحدة إذا استأنف ترامب سياساته الحمائية، خاصة في قطاعات حيوية مثل السيارات والطيران”، وأضافت أن فرض الرسوم الجمركية بين الشركاء الاقتصاديين سيزيد من تكاليف الإنتاج ويدفع الأطراف إلى اتخاذ تدابير انتقامية، وهذا يُهدد استقرار الاقتصاد الأوروبي والأمريكي على حد سواء.
قد يهمّك أيضًا: هل سيحافظ الفيدرالي الأمريكي على استقلاليته بعد فوز ترامب؟
التأثيرات العالمية المحتملة لحرب تجارية جديدة
وعن الآثار الاقتصادية المحتملة، تقول الشافعي: “غالبًا ما تؤدي الحروب التجارية إلى زيادات في الأسعار وتكاليف الإنتاج، مما يضر بالمستهلكين والشركات على حد سواء”، وأشارت إلى أنّ ارتفاع الأسعار الناجم عن الرسوم الجمركية يؤثر بشكل خاص على الأسر ذات الدخل المحدود في مختلف دول العالم.
كما تطرّقت الشافعي إلى بيان تأثير التوترات التجارية بين القوى الاقتصادية الكبرى في تراجع التجارة العالمية، مما يضر بالدول النامية التي تعتمد على التصدير، لكنّها ترى أن ترامب قد يكون أقل حدة في سياساته التجارية هذه المرة، خاصة مع الخبرة التي اكتسبها خلال ولايته الأولى، وتقول: “قد يدرك ترامب أن التوجه نحو فرض تعرِفات جمركية واسعة قد يضر بالمستهلك الأمريكي ويزيد من تكاليف السلع في ظل الأزمات الاقتصادية الحالية، خاصة مع ضغوط التضخم”.
وفي ختام تصريحاتها، أكدت الدكتورة مروة الشافعي أن “التجارة العالمية أمام منعطف جديد، وأيّ خطوات تصعيدية قد تدخل العالم في موجة من الحروب التجارية التي تهدد النمو الاقتصادي والاستقرار الدولي”.