حرب ترامب التجارية.. “الألم للأمريكيين” قد يسبق المكاسب

تقرير: باسل محمود

في مشهد يعكس توترات اقتصادية متصاعدة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن عزمه فرض تعرِفات جمركية جديدة على واردات من كندا والمكسيك والصين، في خطوة وصفها بأنَّها “حتمية” لحماية الاقتصاد الأمريكي، وفق وكالة “أسوشيتد بريس”.

ورغم تأكيده أنَّ الأمريكيين قد يشعرون بـ”بعض الألم”، إلَّا أنَّه شدَّد على أنَّ ذلك سيكون ثمناً ضرورياً لجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، لكن يبقى السؤال: من سيدفع الثمن الحقيقي؟

ترامب يطلق شرارة الحرب التجارية

بينما كان ترامب يتحدث للصحفيين، من منتجعه في بالم بيتش، كانت الأسواق والمستثمرون في حالة من الذعر؛ إذ يخشى كثيرون أن تُؤدي تعرِفاته الجمركية إلى تمزيق شراكات تجارية استمرَّت لعقود، خاصة مع كندا والمكسيك، الشريكَين الرئيسَين للولايات المتحدة في اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا).

لم يكتفِ ترامب بفرض رسوم على الواردات الكندية والمكسيكية، بل هدَّد بفرض تعرِفات مماثلة على الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، ما ينذر بحرب تجارية قد تمتد لتشمل الاقتصاد العالمي بأكمله.

اقرأ أيضًا: الاتحاد الأوروبي يواجه تحديات الاقتصاد العالمي بخطة جديدة

كندا.. حليف بالأمس خصم ترامب اليوم

لم يَكُن ردّ فعل كندا على إجراءات ترامب هادئاً، إذ سارعت أوتاوا إلى فرض تعرِفات انتقامية بنسبة 25% على مجموعة واسعة من المنتجات الأمريكية، في خطوة تهدف إلى معاقبة الولايات المتحدة على الإجراءات الجديدة.

بالإضافة إلى ذلك، اعتبر رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو أنَّ قرارات ترامب ستؤدي إلى “ألم” اقتصادي ليس فقط في كندا، بل في جميع أنحاء أمريكا الشمالية.

تبدو كندا، التي تعتمد على الولايات المتحدة في تصريف 75% من صادراتها، في موقف لا تحسد عليه؛ حيث تجد نفسها مُضطرَّة للرد على أكبر شريك تجاري لها، ما يعكس خطورة التصعيد الاقتصادي بين الجارتين.

المكسيك ترد بالمثل على ترامب

لم تَقِف المكسيك مكتوفة الأيدي؛ حيث أعلنت رئيسة البلاد كلوديا شينباوم عن فرض تعرِفات جديدة على المنتجات الأمريكية، مؤكدةً أنَّ بلادها لن تخضع للضغوط الأمريكية بسهولة.

كما دَعَت الولايات المتحدة إلى التركيز على معالجة أزماتها الداخلية، مثل تفشي الإدمان على المخدرات، بدلاً من محاولة تحميل شركائها التجاريين مسؤولية مشاكلها الاقتصادية.

تُشير هذه التطورات إلى أنَّ التوتر بين الولايات المتحدة والمكسيك قد يتجاوز حدود التجارة ليشمل قضايا سياسية وأمنية أكثر تعقيداً.

الصين: الصبر ينفد والتصعيد قادم

لم تَكُن الصين بعيدةً عن مرمى نيران ترامب، حيث أكَّد الأخير أنَّ بكين استغلَّت الاقتصاد الأمريكي لعقود، لكنَّ الصين لم تتأخر في الرد، فقد أعلنت عن استعدادها لاتخاذ خطوات لحماية مصالحها التجارية، من بينها تقديم شكوى رسمية أمام منظمة التجارة العالمية.

يرى خُبراء أنَّ استهداف الصين قد يكون له تبعات أخطر من مجرد حرب تجارية، إذ يمكن أن يُؤدي إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، وربما يدفع الشركات الأمريكية إلى البحث عن أسواق بديلة، ما قد يضر بالاقتصاد الأمريكي أكثر مما يفيده.

كيف ستنعكس رسوم ترامب الجمركية على الدول العربية؟ تفاصيل مهمة تجدها في التقرير!

التضخم.. المفاجأة غير السارة للأمريكيين

رغم أنَّ ترامب وعد ناخبيه بخفض التضخم خلال حملته الانتخابية، إلَّا أنَّ خبراء الاقتصاد يحذرون من أنَّ تعرِفاته الجمركية قد تؤدي إلى العكس تماماً؛ فمع ارتفاع تكلفة الاستيراد، يُتوقع أن ترتفع أسعار السلع الاستهلاكية داخل الولايات المتحدة، ما سيُؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للأسر الأمريكية.

تُشير تقديرات وحدة Budget Lab في جامعة ييل إلى أنَّ الأسرة الأمريكية المتوسطة قد تخسر ما يصل إلى 1,245 دولاراً سنوياً نتيجة للسياسات التجارية الجديدة، ما يعادل زيادة ضريبية إجمالية تفوق 1.4 تريليون دولار خلال العقد القادم.

ترامب يربك الأسواق العالمية

وسط هذا التصعيد، تتفاعل الأسواق المالية بحذر، حيث حذَّر بنك جولدمان ساكس من أنَّ التعرِفات الجمركية الجديدة قد تُؤدي إلى اضطرابات في سلاسل التوريد وارتفاع في أسعار السلع الأساسية، ما قد يحد من النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة.

ويرى محللون أنَّ المستثمرين أصبحوا أكثر قلقاً من قدرة الإدارة الأمريكية على إدارة هذه الحرب التجارية دون الإضرار بالاقتصاد المحلي، خاصةً وأنَّ التصعيد قد يؤدي إلى فقدان الوظائف وإبطاء الاستثمارات.

الضغط السياسي.. هل يتراجع ترامب؟

مع تصاعد التحذيرات من التداعيات السلبية لهذه السياسات، يتساءل كثيرون: هل يمكن أن يتراجع ترامب عن هذه الخطوة؟

يرى البعض أنَّ الرئيس الأمريكي، المعروف بميله إلى اتِّخاذ قرارات جريئة ثم التراجع عنها جزئياً بعد ضغوط داخلية، قد يضطر إلى تعديل نهجه إذا واجه معارضة شديدة من الكونغرس أو من قاعدته الانتخابية.

في حال استمرار التضخم في الارتفاع وتضرّر الطبقة الوسطى، فقد تصبح هذه القضية نقطة ضعف سياسية قد يستغلها خصومه في الانتخابات المقبلة.

وبينما يروج الرئيس الأمريكي لفكرة أنَّ “بعض الألم” الآن سيؤدي إلى مكاسب طويلة الأجل، يبقى التساؤل مفتوحاً: هل سيدرك الأمريكيون قريباً أنَّ الثمن الذي يدفعونه قد يكون أعلى مما تصوروا؟

تبدو الحرب التجارية التي يخوضها ترامب محفوفة بالمخاطر، حيث تتجاوز آثارها الجانب الاقتصادي لتشمل العلاقات الدولية والتوازنات السياسية العالمية.

قد يهمّك أيضًا: الرسوم الجمركية تهدد النمو الآسيوي.. أزمة عالمية تلوح في الأفق

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة