مع دخول حرب غزة يومها الـ 129، بدأت الملامح القاتمة للفاتورة المالية تتكشف بوضوح، متجاوزة حدود الميدان العسكري لتضرب عمق الاستقرار الاقتصادي في المنطقة. وبينما تشير تقديرات وزارة المالية الإسرائيلية إلى احتمال وصول التكلفة الإجمالية لـ 56 مليار دولار، يواجه الاقتصاد الإسرائيلي سابقة تاريخية بخفض تصنيفه الائتماني من قبل وكالة “موديز”.
هذا النزيف المالي لم يتوقف عند أطراف النزاع المباشرة، بل امتد ليعصف بحركة التجارة العالمية في البحر الأحمر وقناة السويس، مهدداً ممرات الطاقة الحيوية ومسجلاً خسائر سياحية إقليمية فادحة.
دلالات خفض التصنيف الائتماني لإسرائيل إلى A2
الخسائر الفادحة لإسرائيل دفعت وكالة موديز إلى خفض التصنيف الائتماني لها درجة واحدة إلى A2 مع نظرة مستقبلية سلبية، وذلك للمرة الأولى في تاريخها، في خطوة تحمل رسائل واضحة حول عمق الأزمة التي يعصف بها الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة الحرب على قطاع غزة، والتوقعات باتساع العجز التراكمي في الموازنة العامة وارتفاع أعباء الدين.
ويعكس خفض التصنيف الائتماني زيادة المخاطر الاجتماعية والسياسية المرتبطة بالصراع الدائر على الجبهتين الجنوبية والشمالية، إلى جانب هشاشة الوضع الأمني داخل إسرائيل، فضلًا عن اعتبارات حكومة نتنياهو المتعلقة باستمرار القتال وغموض موقفها بشأن “اليوم التالي” للحرب.
اقرأ أيضًا: لماذا خفضت وكالات التصنيف الائتماني الاقتصاد الإسرائيلي؟
كيف تتأثر الأسر والشركات الإسرائيلية بقرار خفض التصنيف؟
بحسب التقديرات، فإنَّ آثار حرب غزة على الوضع الائتماني لإسرائيل ستمتد لفترة طويلة، وربما إلى ما هو أبعد من فترة القتال الفعلي، وقد يتبين أنَّ التأثير السلبي على المؤسسات الإسرائيلية والتمويل العام أكثر خطورة من ذلك بكثير. ومن المتوقع أن يكون للتصنيف العديد من التبعات الاقتصادية، من أبرزها:
- زيادة سعر الفائدة على القروض التي تضطر إسرائيل إلى الحصول عليها بسبب الحرب المستمرة على الجبهة الجنوبية، وعدم الاستقرار الأمني على الجبهة الشمالية.
- أسعار الفائدة على التمويل ستُصبح أكثر تكلفة على الشركات والأسر الإسرائيلية.
- انخفاض أسعار الأسهم في بورصة تل أبيب، ولو بشكل مؤقت.
- تراجع صرف “الشيكل” مقابل العملات الأجنبية في المستقبل القريب.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد الإسرائيلي.. كارثة اقتصادية والمركزي يتحرك
خسائر سياحية بمليارات الدولارات في مصر والأردن ولبنان
كان لحرب غزة بصمة واضحة على دول الجوار، حيث تجاوزت خسائر القطاع السياحي في الأردن ومصر ولبنان 14 مليار دولار بحسب تقديرات ستاندرد آند بورز، كما ألقت الحرب بظلالها على قناة السويس التي تعد شريانًا مهمًا للنقل البحري العالمي، وموردًا مهمًا للإيرادات الدولارية لمصر.
وبحسب تصريحات لرئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع، فإن معدل مرور السفن من قناة السويس انخفض في يناير الماضي بنسبة 36% على أساس سنوي، فيما تراجعت الإيرادات بنسبة 46% إلى 428 مليون دولار، حيث تأثرت القناة بشكل مباشر بالأحداث الجارية في المنطقة وبهجمات الحوثيين في البحر الأحمر.
علمًا أنّ البحر الأحمر يمثل نقطة عبور لنحو 13% من التجارة العالمية، أي ما يعادل تريليون دولار، ويمر منه نحو 23 ألف ناقلة سنويًا، وهو ما يساوي 30% من حركة الحاويات العالمية، و40% من التبادل التجاري بين آسيا وأوروبا.
مخاوف إغلاق مضيق هرمز
ومع شن الولايات المتحدة وحلفائها سلسلة من الهجمات على الحوثيين وفي العراق وسوريا، والتهديد بتوجيه ضربات لأهداف إيرانية، تزداد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة لتشمل مضيق هرمز المسؤول عن مرور حوالي 20% من تجارة النفط العالمية، وأكثر من 10% من تجارة الغاز الطبيعي العالمي، كما يمر عبره كميات كبيرة من السلع والبضائع الأخرى، مثل المعادن والمواد الغذائية والمنتجات الصناعية.
تتجاوز آثار حرب غزة الحدود الجغرافية للقطاع لتشكل أزمة اقتصادية هيكلية عابرة للحدود؛ فبين انكماش الموارد المالية في إسرائيل وتراجع إيرادات الممرات المائية الحيوية وخسائر القطاعات السياحية الإقليمية، يواجه الاقتصاد العالمي اختباراً صعباً. واستمرار المواجهة واتساع رقعتها نحو مضائق استراتيجية أخرى كمضيق هرمز، قد يضع أمن الطاقة والتجارة الدولية أمام سيناريوهات قاتمة تتطلب حلولاً سياسية عاجلة لاحتواء النزيف المالي المستمر.
ما تداعيات استهداف حزب الله لحقول الغاز الإسرائيلية؟ اقرأ التفاصيل في التقرير الكامل!