حرب غزة.. ضربة قاسية للعلامات التجارية العالمية

خرجت حرب غزة عن المألوف، بسبب ما ألحقته من قتل بمعدلات لم تشهدها أي حرب سابقة خلال فترة قصيرة، وما خلّفته من دمار هائل في قطاع غزة، حيث فقد القطاع كامل بنيته التحتية، وتدمّر نحو 75% من وحداته السكنية في شماله ووسطه وجنوبه.

وفي إسرائيل، تسبّبت الحرب حتى اليوم، 27 يناير 2024، بخسائر تُقدّر بنحو 30 مليار دولار، ويُتوقع أن تتخطى التكلفة 60 مليار دولار، في حال امتدت الحرب حتى يونيو القادم، بحسب أحدث تقديرات البنك المركزي الإسرائيلي.

كما امتدت تداعيات الحرب لتطال دول الجوار، فتسبّبت بتراجع حجوزات السياحة في مصر والأردن ولبنان بأكثر من 50%، وبلغت الخسائر الإجمالية نحو 16 مليار دولار.

هذه الخسائر يُضاف إليها ما تُعانيه شركات الشحن في البحر الأحمر، بسبب الهجمات المستمرة من الحوثيين على السفن التي يتهمونها بنقل البضائع من وإلى إسرائيل. ومع تصاعد هذه الهجمات، أعلنت عشرات الشركات وقف إرسال شحناتها عبر البحر الأحمر وحوّلت طريقها نحو رأس الرجاء الصالح، ما رفع تكلفة الشحن وأسعار العديد من السلع المنقولة بحراً؛ فالبحر الأحمر ممرٌّ مائي حيوي، ينقل نحو 12% من التجارة العالمية المنقولة بحراً، وهو مسؤول عن نقل 7% من إمدادات النفط ونحو 4% من إمدادات الغاز المسال.

حرب غزة تضر العلامات التجارية العالمية

أخطر ما تسبّبت به الحرب، إلى جانب الضحايا البشرية، الحملة التي أطلقها أنصار القضية الفلسطينية ضد عدد كبير من الشركات العالمية التي وُجّهت إليها أصابع الاتهام بأنها داعم رئيسي لإسرائيل، سواء بدعم مادي أو معنوي. ومن أبرز هذه الشركات “ستاربكس” و”ماكدونالدز”، اللتان دفعتا ثمناً باهظاً بسبب الحرب التي دخلت يومها الـ 112.

منذ نشوب الحرب، ظهرت سلسلة متاجر القهوة الأمريكية “ستاربكس” في العديد من قوائم حملات المقاطعة التي يتداولها المستهلكون على وسائل التواصل الاجتماعي في عدة دول عربية وغربية، حيث يتجنّب كثير من المتسوّقين في المنطقة، وكذلك الدول الإسلامية، العلامات التجارية الأجنبية الكبرى، ما قلّص من مبيعات بعضها وأدّى إلى مشكلات في العلاقات العامة للبعض الآخر.

في مصر على سبيل المثال، أصبحت عشرات متاجر “ستاربكس” و”ماكدونالدز” فارغة تماماً، وفي الوقت نفسه أعلنت شركة مُصنّعة لعلامة تجارية مصرية للمشروبات الغازية تضاعف مبيعاتها ثلاث مرات منذ بدء الحرب، نتيجة تجنّب المستهلكين شرب “كوكا كولا” و”بيبسي”.
وفي منتصف يناير الجاري، حذّر الرئيس التنفيذي لشركة “ماكدونالدز”، كريس كيمبكزينسكي، من أن شركته تشهد “تأثيراً تجارياً ملموساً” في الشرق الأوسط بسبب انتشار معلومات غير دقيقة بشأنها.

كما انخفضت أسهم شركة “أمريكانا للمطاعم”، صاحبة امتيازات مطاعم “كنتاكي” و”بيتزا هت” و”كريسبي كريم” و”هارديز” في الشرق الأوسط، بنسبة 27% في البورصة السعودية منذ بدء الحرب على غزة.

يعكس ردّ الفعل العنيف هذا حقبة جديدة من إدارة الأزمات لأكبر العلامات التجارية الاستهلاكية في العالم، وخاصةً العلامات الأمريكية، حيث يربط المتسوّقون أعمال الشركات بسياسات حكوماتها، رغم أن عدداً كبيراً من هذه الشركات أصدر بيانات عامة لتأكيد حيادها السياسي، لكن حركة المقاطعة اكتسبت زخماً متصاعداً خلال الأشهر الثلاثة التالية لنشوب الحرب، مع استمرار دعوات المقاطعة.

اقرأ أيضًا: تركيا وإسرائيل.. العداء غير المرغوب

السوشال ميديا تشعل الحرب

في ظل الاضطرابات الجيوسياسية المتصاعدة، تواجه العلامات التجارية العالمية حملات غير مسبوقة بسبب انتشار دعوات المقاطعة التي اجتاحت عدداً واسعاً من دول العالم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وسط حملات شعبية بعضها ممنهج والآخر عفوي؛ فقد أصبح العالم بفضل وسائل التواصل الاجتماعي قرية صغيرة، وبات مستقبل الشركات رهناً للحملات التي تجتاح أوساط رواد هذه المنصات.

على سبيل المثال، عندما قدّمت “زارا” إعلاناً مستوحى من الحرب، فسّره كثير من رواد وسائل التواصل الاجتماعي بأن صانعة الملابس الفاخرة الإسبانية تسخر من ضحايا الحرب في غزة، ما عرّضها لحملة مقاطعة واسعة في عدد من دول الشرق الأوسط وأوروبا.

الشرق الأوسط سوق ضخم

يحتضن الشرق الأوسط عشرات الملايين من المستهلكين الشباب، ما يُعزّز نمو العلامات التجارية في وقت تتشبّع فيه الأسواق الغربية، ومع ذلك تواجه المنطقة تعقيدات سياسية وتشغيلية عميقة بشكل خاص.

في الأردن، لا تزال العديد من متاجر “ستاربكس” و”ماكدونالدز” فارغة إلى حدٍّ كبير رغم بدء حملة المقاطعة في أكتوبر، حيث يرى المارّة عادةً مقاعد ومقصورات فارغة لا يشغلها سوى العاملين، كما تضع محلات السوبر ماركت لافتات على عدد كبير من العلامات التجارية الأجنبية توضّح أنها “سلع مقاطعة”.

أما في المملكة العربية السعودية، التي تُعدّ الاقتصاد الأكبر في الشرق الأوسط، فكان من الصعب تقييم الآثار، خاصةً مع قلة دعوات المقاطعة على وسائل التواصل الاجتماعي في البلاد، حيث تحاول الحكومة، بحسب “بلومبرغ”، السيطرة على معظم أشكال النشاط السياسي، ومع ذلك ظلّت العديد من منافذ البيع لسلاسل الطعام الأمريكية خالية من العملاء إلى حدٍّ كبير.

وفي الكويت، شهدت فروع “ستاربكس” في المناطق المزدحمة تراجعاً في تدفق العملاء منذ أوائل أكتوبر، ما عزّز مبيعات المقاهي المحلية.

اقرأ أيضًا: هل يحتمل الشرق الأوسط تداعيات حرب شاملة؟

الشركات المحلية تستفيد من المقاطعة

في الوقت نفسه، أكدت العديد من الشركات المحلية في الشرق الأوسط استفادتها من مقاطعة العلامات التجارية الأجنبية؛ ففي مصر مثلًا شهدت شركة “سبيرو سباتس”، وهي علامة تجارية محلية للمشروبات الغازية عمرها 100 عام كانت تكافح لإحياء شعبيتها المتضائلة، ارتفاعاً كبيراً في مبيعاتها خلال الأشهر الثلاثة الماضية، بحسب “بلومبرغ”.

ووفقاً للوكالة، تلقّت الشركة بشكل مفاجئ طلبات من محلات السوبر ماركت والمطاعم، وباتت تبذل أقصى جهودها لتلبية الطلب المتزايد.

وتُعدّ مصر الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في المنطقة، حيث يتجاوز عدد سكانها 105 ملايين نسمة، 60% منهم تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً، وتتعامل العلامات التجارية الأجنبية هناك مع حماسة المستهلكين الذين غيّروا عاداتهم الاستهلاكية بالكامل منذ بدء الحرب.

اقرأ أيضًا: غزة تتحول إلى 42 مليون طن من الركام.. ماذا يتطلب إعادة البناء؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة