حريق سنترال رمسيس يُشعل أزمة رقمية غير مسبوقة في مصر

دخلت مصر في حالة من الشلل الرقمي الواسع، إثر اندلاع حريق هائل في مبنى سنترال رمسيس، أحد أهم مراكز الاتصالات والبنية التحتية الرقمية في البلاد، ما أدى إلى توقف شبه كلي في الخدمات الإلكترونية بمختلف أشكالها.

خلال دقائق معدودة، انهارت منظومات الاتصال الأرضي والمحمول، وتوقفت خدمات الإنترنت في مناطق واسعة، وعجزت أنظمة الدفع الإلكتروني والتحويلات البنكية عن العمل، الأمر الذي انعكس على قطاعات حساسة مثل المرور، والسجل المدني، والمستشفيات، التي فقدت قدرتها على الوصول إلى قواعد البيانات، إلى جانب تعطل منصات الحجز الإلكتروني للقطارات والطيران، وتوقف أنظمة الكاشير في المتاجر.

ولم تتوقف تداعيات الحادث عند الخدمات العامة، إذ أعلنت البورصة المصرية تعليق جلسات التداول بشكل كامل، بعد تعطل أنظمة التداول نتيجة الخلل الفني الناجم عن الحريق، وأوضحت إدارة البورصة في بيان رسمي أن القرار جاء حفاظًا على كفاءة التواصل الرقمي بين شركات الوساطة وأطراف منظومة السوق، ولضمان الشفافية وتكافؤ الفرص بين المتعاملين.

تحركات عاجلة لاحتواء انهيار الاتصالات في مصر

أمام هذه التطورات المتسارعة، تحركت الجهات التشريعية بشكل فوري، حيث صرّح النائب أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، أن اللجنة تتابع تطورات الأزمة عن قرب، واعتبر أن ما جرى كشف عن ثغرات عميقة في إدارة البنية الرقمية الوطنية، مشيرًا إلى أن تأثير الحريق امتد إلى قطاعات اقتصادية وخدمية جوهرية تتطلب معالجة عاجلة وإعادة هيكلة شاملة.

واقترح بدوي عقد اجتماع عاجل مع مسؤولي الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لبحث أسباب الحادث، وتقييم الإجراءات التي تم اتخاذها حتى الآن لإعادة تشغيل الخدمات، مشيرًا إلى أن الاجتماع سيتضمن مراجعة شاملة لخطط الطوارئ والجاهزية الفنية لمراكز الاتصالات الرئيسية، مع التأكيد على ضرورة وجود أنظمة احتياطية فعالة تضمن استمرارية الخدمات عند حدوث أزمات مشابهة.

وأكد رئيس اللجنة أن جهود إعادة التشغيل بدأت تؤتي ثمارها تدريجيًا، بعد تحويل حركة الإنترنت الثابت إلى مراكز بديلة، على رأسها مركز الروضة، بالتعاون بين الشركة المصرية للاتصالات وشركات المحمول الثلاث، وأوضح أن خدمات الطوارئ عادت للعمل، ويجري استعادة خدمات الصوت تدريجيًا.

ورغم الجهود المبذولة، أشار بدوي إلى أن هذه الأزمة تستوجب مراجعة شاملة لمنظومة التأمين والسلامة داخل المنشآت الرقمية، كما أعلن أن اللجنة ستطالب بتعويضات فورية وعادلة لجميع المتضررين من انقطاع الخدمات، إلى جانب تقرير فني تفصيلي من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، يتناول أسباب الحريق، ومدى التزام المركز باشتراطات الحماية، والخطة الفنية لمنع تكرار الكارثة.

الحريق كشف هشاشة التحول الرقمي المصري

بدوره، قال الدكتور أحمد عبد الفتاح، الخبير الاقتصادي، إن ما حدث لا يجب التعامل معه كحادث فني عابر، بل هو ناقوس خطر ينبّه إلى ضعف الهيكل الرقمي المصري، والذي يعتمد بشكل مفرط على مركز وحيد لتسيير معظم خدمات الدولة.

وأكد أنَّ الحريق عرّى البنية الرقمية من الداخل، وكشف افتقارها إلى التوزيع الجغرافي المتوازن، سواء من حيث الكوادر أو مراكز البيانات الاحتياطية أو حتى خطوط الربط البديلة عبر الأقمار الصناعية أو الفايبر المستقل.

وأضاف أن تعطّل كافة أشكال الدفع الإلكتروني والتحويلات البنكية، وتوقف خدمات مثل “إنستاباي” وأجهزة الـATM، يمثل انتكاسة حقيقية في مسار التحول الرقمي، ويطرح تساؤلات حول جاهزية الدولة فعليًا للانتقال إلى مجتمع رقمي متكامل.

وأشار إلى أن ما حدث يعكس اعتمادًا مفرطًا على بنية تكنولوجية مركزية غير مؤمنة بشكل كافٍ، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى أزمات أكثر تعقيدًا في المستقبل.

وفي هذا السياق، دعا عبد الفتاح إلى ضرورة اعتبار مراكز الاتصالات الكبرى منشآت سيادية ضمن منظومة الأمن القومي، شأنها شأن محطات الكهرباء والمطارات والسد العالي، باعتبار أن انهيارها يؤدي إلى شلل مباشر في مفاصل الدولة الحديثة.

كما لفت إلى أنَّ إعادة هيكلة المنظومة الرقمية يجب أن تنطلق فورًا، عبر إنشاء مراكز بيانات بديلة ومحمية، وربطها بشبكات مستقلة، إلى جانب تدريب كوادر بشرية على سيناريوهات الطوارئ والكوارث الرقمية.

اقرأ أيضًا: صندوق النقد الدولي يمنح مصر مهلة جديدة للإصلاح

تقصير مؤسسي في إدارة المخاطر والبنية الرقمية

من جانبه، أكَّد الدكتور رمزي الجرم، الخبير الاقتصادي، أن حادث سنترال رمسيس يكشف عن غياب ثقافة إدارة المخاطر داخل المؤسسات الحيوية، مشيرًا إلى أنّ السبب لا يكمن فقط في الحريق، بل في غياب الأنظمة الفعالة للتعامل معه منذ اللحظة الأولى، وعلى رأسها أنظمة الإطفاء الذاتي، التي كان من المفترض أن تحد من انتشار الحريق قبل أن يصل إلى مرحلة التأثير الواسع.

كما لفت الخبير إلى أنَّ التعامل الأمني مع المرافق الرقمية ما زال غير مواكب لحجم التحديات، فغياب منظومة تأمين شاملة، سواء في البنية المادية أو الرقمية، يجعل المراكز الحيوية عرضة لأي تهديد.

وشدد على أن ما نراه اليوم هو نموذج لإدارة مخاطر يركّز على الشكل والمظهر، دون تطبيق فعلي على أرض الواقع، وأوضح أن خطط الطوارئ غالبًا ما تبقى حبيسة الأدراج أو تُطرح في دورات تدريبية دون اختبار ميداني حقيقي.

وأضاف الجرم أن الدولة بحاجة إلى تحوّل نوعي في فهمها للمخاطر، بحيث تنتقل من منهج “رد الفعل” إلى نموذج “الاستعداد الاستباقي”، عبر بناء شبكة احتياطية متكاملة تشمل مراكز بيانات جاهزة للعمل الفوري في حال توقف المركز الرئيسي، كما طالب بإعادة صياغة السياسات المؤسسية التي تتعامل مع التكنولوجيا كخدمة، في حين أنها أصبحت ركيزة من ركائز الأمن القومي والاقتصاد الوطني.

وفي ختام تصريحاته، أكد الجرم أن ما جرى يجب أن لا يُنسى بانتهاء الأزمة، بل يجب أن يكون بداية لتحديث شامل في بنية الدولة الرقمية، يكون فيه لكل قطاع خطة طوارئ واضحة، وفريق جاهز للتدخل، وبدائل تشغيلية مستقلة، تمنع تكرار مثل هذا الشلل على مستوى الجمهورية.

مطالب برلمانية بإعادة هيكلة قطاع الاتصالات في مصر

على خلفية الحريق، تقدّمت النائبة الدكتورة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي، بسؤال برلماني موجّه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وأشارت إلى أن الحادث كشف عن اعتماد كارثي على نقطة مركزية وحيدة هي سنترال رمسيس، دون وجود بنية احتياطية بديلة أو مراكز تعافٍ من الكوارث تعمل بشكل تلقائي عند الطوارئ.

واعتبرت أن غياب مثل هذه البنية يعد تقصيرًا جسيمًا في التخطيط الهندسي لشبكة الاتصالات، ما يهدد كفاءة الخدمات الرقمية والأمن السيبراني للدولة ككل، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على الرقمنة ضمن رؤية مصر 2030.

وفي السياق ذاته، تساءلت النائبة عن مدى الجاهزية الفعلية لمراكز الاتصالات في مواجهة الطوارئ، مطالبة بالكشف عن نتائج اختبارات التعافي من الكوارث، وإن كانت قد أُجريت بالفعل فما أسباب فشلها في احتواء آثار الحريق؟ كما طالبت بالكشف عن مدى صلاحية مبنى سنترال رمسيس للقيام بوظائف مركز بيانات بهذا الحجم، في ظل ضعف البنية التحتية وسوء الموقع الجغرافي.

واختتمت عبد الناصر بتأكيد أنَّ ما حدث لا يمكن اعتباره حادثًا عرضيًا، بل هو مؤشر خطر يستدعي إعادة هيكلة شاملة لمنظومة الاتصالات، على أسس تضمن التوزيع الجغرافي وتعدد البدائل وتوفر أعلى درجات الأمان الرقمي.

قد يهمّك أيضًا: حرائق اللاذقية تمتد وتكشف هشاشة المناخ والاقتصاد في سوريا

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة