حصاد منتدى الاستثمار السوري السعودي.. 47 اتفاقية بـ 6.4 مليار دولار
في حدث وُصف بأنه بداية لمرحلة اقتصادية جديدة في المنطقة، انطلقت أعمال منتدى الاستثمار السوري السعودي في العاصمة دمشق، بحضور الرئيس السوري أحمد الشرع، وعدد من كبار المسؤولين السوريين والسعوديين، يتقدمهم وزير الاستثمار السعودي خالد بن عبد العزيز الفالح، وأكثر من 160 رجل أعمال سعودي يمثلون كبرى الشركات والمؤسسات الاقتصادية في المملكة، إلى جانب أكثر من 100 شركة سورية و20 جهة حكومية من الطرفين.
47 مشروعًا واستثمارًا يفوق 6.4 مليارات دولار
أعلن الوزير السعودي خلال المنتدى عن توقيع 47 اتفاقية ومذكرة تفاهم بين الجانبين بقيمة إجمالية تقارب 24 مليار ريال سعودي (ما يعادل 6.4 مليار دولار)، تشمل قطاعات متعددة من البنية التحتية والاتصالات إلى الطاقة والعقارات والصناعة والخدمات المالية.
وأكد خالد الفالح أن الاتفاقيات لا تقتصر على النوايا أو التصريحات الإعلامية، بل ترتكز على خطط تنفيذية وجداول زمنية محددة، مشيرًا إلى أن من بين أبرز المشاريع المعلنة إنشاء ثلاثة مصانع جديدة للأسمنت، واستثمارات ضخمة بقيمة 4 مليارات ريال سعودي (مليار دولار) لتطوير قطاع الاتصالات والبنية التحتية الرقمية في سوريا، وذلك عبر شراكات بين وزارة الاتصالات السورية وشركات الاتصالات السعودية، إلى جانب تعاون في الأمن السيبراني.
وفي قطاع الخدمات المالية، تمَّ توقيع مذكرة تفاهم بين مجموعة تداول السعودية وسوق دمشق للأوراق المالية، لتعزيز التعاون في مجال التقنيات المالية والبورصة، كما تم الإعلان عن مشروع سكني تجاري ضخم في مدينة حمص تنفذه شركة “بيت الإباء” السعودية، وستخصص عوائده لدعم البرامج الاجتماعية في سوريا.
وأشاد الوزير السعودي بما وصفه بـ”الاحتفاء السوري الكبير بالوفد السعودي”، مؤكدًا أن هذه الشراكة الجديدة تعبّر عن التزام القيادة السعودية، وعلى رأسها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بدعم استقرار سوريا وتنميتها اقتصاديًا، مشيرًا إلى توجيهات مباشرة من سمو ولي العهد بتأسيس مجلس أعمال سعودي سوري لتنسيق التعاون بين القطاعين الخاصين في البلدين.
مدن طبية وثقافية وترفيهية في دمشق
كشف منتدى الاستثمار السوري السعودي عن مجموعة مشاريع كبرى تتضمن بناء ناطحات سحاب في منطقة البرامكة بدمشق بتكلفة 400 مليون دولار، ومدينة طبية في قدسيا بـ900 مليون دولار، ومدينة ثقافية بـ300 مليون دولار، ومدينة ترفيهية في منطقة العدوي بـ500 مليون دولار، ضمن خطة إعادة الإعمار التي تستهدف المناطق المتضررة والمنظمة والجاهزة للبناء.
وأعلن مصعب المهيدب، عضو مجلس إدارة مجموعة المهيدب السعودية، عن إطلاق استثمارات جديدة في مجال الصناعات الثقيلة بقيمة 200 مليون دولار، مؤكدًا التزام القطاع الخاص السعودي بتقديم شراكات نوعية للنهوض بالقطاع الصناعي السوري.
كما تحدث أيمن المطلق، مدير مؤسسة الإسكان السورية، عن مناطق مدمرة ومشاريع متعثرة يمكن تحويلها إلى فرص استثمارية حقيقية عبر شراكات عادلة مع المستثمرين السعوديين، من أجل إنشاء مجتمعات عمرانية مستدامة تراعي الإنسان قبل البُنيان.
قراءة اقتصادية: “المعجزة السورية” بدفع سعودي
أكَّدت الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية، أن هذه الاتفاقيات تمثل نقطة تحول تاريخية في مسار الاقتصاد السوري، وتُعد إيذانًا بانطلاق ما وصفته بـ”المعجزة الاقتصادية السورية”، بدفع مباشر من المملكة العربية السعودية.
وقالت إنَّ حجم الاستثمارات وطبيعة القطاعات المستهدفة يعكسان رؤية تنموية سعودية استراتيجية تعتمد على تحويل النوايا السياسية إلى أدوات اقتصادية عملية، موضحة أن الاتفاقيات تمتد إلى قطاعات حيوية عدة مما يجعل التنفيذ متوازيًا ومترابطًا، لا يخضع لمراحل متتابعة أو مشروطة.
كما شددت الخبيرة على أن السعودية، من خلال هذا التحرك، لا تمارس فقط دور المستثمر، بل تتحرك كضامن إقليمي للاستقرار، إذ توجه رسالة واضحة إلى الداخل السوري والمجتمع الدولي مفادها أن الرياض تراهن على سوريا جديدة، فاعلة وآمنة، وتركز على تمكينها اقتصاديًا وإدماجها في النظام الإقليمي كفاعل مستقر ومؤثر.
وأضافت أنَّ هذا التوجه يأتي ضمن رؤية أشمل تقودها المملكة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط اقتصاديًا واستراتيجيًا، بحيث تتحول الاستثمارات إلى أدوات لبناء السلام، وتفعيل قوى السوق والتنمية في مواجهة الانهيار والفراغ الذي خلفته سنوات الحرب.
تهيئة البنية القانونية والمالية لجذب الاستثمار
أشارت الشافعي إلى أنَّ دمشق بدأت فعليًا في تهيئة المناخ الاستثماري من خلال إصدار قانون الاستثمار رقم 114، وتعديلات على قانون الضرائب، إلى جانب الإعلان عن تأسيس مصرف تعاون سعودي-سوري لتوفير الضمانات اللازمة للمستثمرين، وأضافت أن هناك اتفاقات لتوليد 100 ميجاواط من الطاقة المتجددة، ومشاريع في قطاع المياه، والإسمنت، والعقارات، ما يعكس التوجه نحو إعادة إعمار شاملة على أسس حديثة وبشراكات دولية طويلة الأمد.
وفي ختام حديثها، رأت الشافعي أن المشهد العربي يتجه تدريجيًا نحو قبول التطورات السورية، مشيرة إلى دعم كامل من الدائرة الخليجية لهذا المسار، بينما تتباين مواقف بعض العواصم العربية الأخرى. وأكّدت الخبيرة أن السعودية لا تكتفي بالوقوف بجانب سوريا سياسيًا، بل تضع نفسها كشريك وراعٍ اقتصادي حقيقي في إعادة بناء سوريا، ضمن مشروع إقليمي متكامل يقوده ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
السعودية تأتي بثقل مالي غير مسبوق
قال الدكتور أحمد عناني، خبير العلاقات السياسية، إن منتدى الاستثمار السوري السعودي وما أسفر عنه من توقيع عدة اتفاقيات يمثل نقلة نوعية غير مسبوقة في تاريخ الاقتصاد السوري الحديث، واصفًا هذه الخطوة بأنها أشبه بـ”خطة مارشال مصغّرة”، لكن بفارق جوهري يتمثل في أنها قائمة على شراكات استراتيجية بعيدة المدى وليست مجرد مساعدات طارئة.
وأوضح عناني أن الوفد السعودي جاء بثقل مالي ضخم يتجاوز الميزانية السنوية التي كانت متاحة لسوريا قبل اندلاع الحرب بـ10 إلى 15 مرة بحسب تعبيره، مشيرًا إلى أن كل ريال سعودي سيتم استثماره في الداخل السوري سيكون له أثر اقتصادي مضاعف، وسينعكس سريعًا على مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وأضاف: “نحن لا نتحدث فقط عن ضخ رؤوس أموال، بل عن توجه متكامل لإعادة تشكيل بيئة الاقتصاد السوري، بدءًا من البنية التحتية، مرورًا بالقوانين والتشريعات، وصولًا إلى تطوير القطاع المالي والمصرفي، وتعزيز الاستقرار الأمني الذي يشكّل حجر الزاوية في أي خطة تنموية”.
وأكد الدكتور عناني أن سوريا بدأت بالفعل في اتخاذ خطوات تشريعية مهمة لتكون جاهزة لاستقبال هذا النوع من الاستثمارات، مثل تحديث قانون الاستثمار، وإطلاق قانون خاص بالمدن الصناعية، إلى جانب العمل على تأسيس مجلس أعمال سوري سعودي لتنسيق الجهود بين رجال الأعمال في البلدين وتوجيه الاستثمارات إلى القطاعات ذات الأولوية.
وأشار إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الاتفاقيات يركز على إعادة تأهيل وتحديث البنية التحتية، موضحًا أن هناك شقين رئيسيين في عملية الإعمار؛ الأول يختص بإعادة تأهيل المرافق المتضررة، مثل الكهرباء والمياه وشبكات النقل، والثاني يتمثل في إنشاء مشروعات جديدة من الصفر، مثل تحويل مطار المزة العسكري إلى مطار مدني قادر على استيعاب نحو 30 مليون مسافر سنويًا.
إصلاح الجهاز الإداري وتفعيل الحوكمة
لفت عناني إلى أن هناك حاجة ملحة لتطوير النظام الإداري السوري، باعتباره عاملًا حاسمًا في نجاح أي خطة استثمارية، مؤكدًا أن البيئة التشريعية لا تكتمل إلا بإدارة فعالة قادرة على تنفيذ المشاريع وضمان الشفافية والرقابة وتيسير الإجراءات أمام المستثمرين.
وأوضح أن الانخراط السعودي بهذا الحجم سيُشجّع بطبيعة الحال على تدفق استثمارات من دول أخرى، حتى وإن كانت أقل حجمًا في البداية، ما يعني أن المنتدى يشكّل منصة انطلاق نحو تدويل الاستثمار في سوريا إذا نجحت التجربة السعودية.
اقرأ أيضًا: الحوكمة الاقتصادية.. ركائزها وأثرها على التنمية المستدامة
الملف الأمني.. التحدي الأبرز
شدَّد الدكتور أحمد عناني على أن تحقيق الاستقرار الأمني هو العامل الأهم لتحويل سوريا إلى بيئة جاذبة للاستثمار، مشيرًا إلى أن الأحداث الأمنية التي شهدتها بعض المناطق مثل الساحل في مارس الماضي والسويداء مؤخرًا، تُظهر الحاجة الماسّة إلى ضبط المشهد الأمني ووضعه بالكامل تحت سيطرة الدولة.
وأكد أن المطلوب اليوم هو إعادة تأهيل وزارة الدفاع والأجهزة الأمنية، وتفكيك أو دمج كل الكيانات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة، بحيث تصبح السلطة الأمنية والضبطية في يد الحكومة وحدها، وأضاف: “لا يمكن جذب استثمارات سعودية أو دولية في ظل وجود جماعات مسلحة غير منضبطة أو مناطق خارجة عن السيطرة، فالمستثمر يريد ضمانات حقيقية، وهذه تبدأ من الأمن”.
رسالة إقليمية ودولية
في ختام تصريحاته، قال عناني إن ما قامت به السعودية في هذا المنتدى يتجاوز البعد الثنائي، ليشكل رسالة موجهة إلى المجتمع الدولي، بأن هناك رهانًا عربيًا جادًا على مستقبل سوريا، وأن إعادة الإعمار لا تحتاج فقط إلى قرارات سياسية، بل إلى أدوات استثمارية قادرة على خلق التحول الحقيقي في حياة الناس.
كما شدد على أن الفرصة لا تزال سانحة أمام سوريا لاستعادة مكانتها الاقتصادية، شريطة تسريع الإصلاحات الإدارية والأمنية والتشريعية، مؤكدًا أن السعودية فتحت الباب، وعلى دمشق أن تبني عليه نهجًا مستدامًا لجذب رؤوس الأموال من الشرق والغرب.
اقرأ أيضًا: تسوية الديون السورية ورفع العقوبات.. خطوة نحو إعادة الإعمار