شهدت أسواق الطاقة العالمية حالة من الاضطراب الحاد، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج وحصار هرمز، ما انعكس بشكل مباشر على حركة الإمدادات وأسعار النفط التي سجلت قفزات ملحوظة مع تزايد المخاوف من تعطل الملاحة ونقص المعروض العالمي.
وقد أكد الدكتور علي الريامي أن الحصار البحري المرتبط بمضيق هرمز أحدث صدمة فورية في أسواق النفط العالمية، مشيراً إلى أن الأسعار قفزت بالفعل إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، حيث سجل خام برنت أكثر من 100 دولار، بينما وصل الخام الأمريكي إلى نحو 102 دولار لتسليم مايو، بارتفاع يقارب 6%، في حين ظلت عقود يونيو عند مستويات أقل قرب 94 دولاراً، وهو ما يعكس حالة عدم اليقين في السوق.
وأوضح أن هذا الارتفاع السريع جاء نتيجة استعداد الولايات المتحدة لفرض حصار على الموانئ الإيرانية، وهي خطوة أعادت المخاطر الجيوسياسية بقوة إلى واجهة الأسواق، خاصة مع تصريحات الإدارة الأمريكية بملاحقة السفن المرتبطة بإيران، ما أدى إلى تراجع حركة الناقلات بشكل حاد دون مستوياتها الطبيعية، رغم استمرار بعض الشحنات.
كما أشار إلى أن الفارق بين أسعار التسليم الفوري والعقود المستقبلية يعد مؤشراً مهماً على ضيق السوق، حيث تعكس الأسعار الفورية نقصاً فعلياً في الإمدادات، في حين تتأثر العقود الآجلة بشكل أكبر بالأخبار والتطورات السياسية، وهو ما يجعل السوق حالياً يتحرك بوتيرة سريعة مع كل تصريح أو تطور جيوسياسي.
استقرار نسبي رغم التوترات
قال الريامي إنّ منظمة “أوبك” حافظت على توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط عند نحو 1.4 مليون برميل يومياً خلال العام الحالي، و1.3 مليون برميل في العام المقبل، كما أبقت توقعات نمو الإمدادات من خارج “أوبك بلس” عند 600 ألف برميل يومياً، مع توقع استمرار هذا المستوى في السنوات المقبلة بدعم من دول مثل البرازيل وقطر وكندا والأرجنتين.
وفيما يتعلق بالاقتصاد العالمي، أشار إلى أن “أوبك” ثبتت توقعات النمو عند 3.1% و3.2% للعامين الحالي والمقبل، ما يعكس استقراراً نسبياً في الطلب رغم التوترات.
وكشف الريامي أن تداعيات الأزمة بدأت تظهر في قرارات كبار المنتجين، حيث من المتوقع أن تخفض السعودية إمداداتها إلى الصين بنسبة تصل إلى 50% خلال مايو، لتتراجع من 40 مليون برميل في أبريل إلى نحو 20 مليون برميل، نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتوترات، بالتزامن مع رفع “أرامكو” أسعار البيع الرسمية إلى مستويات قياسية.
اقرأ أيضًا: كيف عززت أزمة هرمز صعود النقل البري في الخليج؟
الأهداف الأمريكية من حصار الموانئ الإيرانية
أشار الريامي إلى أن الموانئ الإيرانية المطلة على الخليج العربي، مثل بندر عباس وبندر الإمام الخميني وبوشهر وخرمشهر، تمثل مراكز حيوية لتصدير النفط والغاز والبتروكيماويات، وتعكس أهمية إيران في تجارة الطاقة العالمية، ما يجعل أي حصار عليها مؤثراً بشكل مباشر على السوق.
وأكد أن الهدف من الحصار يتمثل في زيادة الضغط على طهران سياسياً واقتصادياً، في ظل محاولات الولايات المتحدة فرض تنازلات، إلا أن هذه الإجراءات تؤدي في المقابل إلى شبه شلل في شحنات النفط والغاز داخل الخليج، مع مخاوف من تعرض السفن لهجمات، وفرض رسوم إيرانية على المرور، وهو ما ترفضه الدول المنتجة المجاورة.
وأضاف أن الصين، باعتبارها أكبر مستورد للنفط، ستكون من أكثر الدول تأثراً، نظراً لاعتمادها الكبير على إمدادات الخليج التي تصل إلى نحو 11 مليون برميل يومياً، ما يجعلها قلقة من أي قيود بحرية جديدة قد تعطل تدفق الطاقة إليها.
وأشار الريامي إلى أن تعطل الملاحة لا يقل تأثيراً عن نقص الإمدادات، إذ يؤدي إلى إرباك حركة السفن عالمياً، حيث أصبحت العديد من الناقلات عالقة داخل وخارج المضيق، ما يقلل من كفاءة النقل ويزيد من تكاليف الشحن، وبالتالي يدفع الأسعار إلى الارتفاع.
وأوضح أن الولايات المتحدة قد تستفيد من هذه الأزمة عبر زيادة صادراتها النفطية، مستفيدة من كونها أكبر منتج عالمي بنحو 14 مليون برميل يومياً، مع إمكانية ارتفاع صادراتها من 4 إلى نحو 6 ملايين برميل يومياً لتعويض النقص في إمدادات الخليج.
هل يصل النفط إلى 150 دولارًا؟
فيما يتعلق بتوقعات الأسعار، أكد الريامي أن السوق الفعلية تشير إلى إمكانية وصول الأسعار إلى مستويات مرتفعة قد تلامس 150 دولاراً للبرميل في ظل نقص الإمدادات، مشدداً على أن استمرار الأزمة سيُبقي الأسعار في نطاق الثلاثة أرقام، بينما ستظل العقود الآجلة شديدة التقلب تبعاً للأخبار والتطورات السياسية.
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن أسواق النفط أصبحت حالياً شديدة الحساسية للعوامل الجيوسياسية، وأن أي تطور في الأزمة سيؤدي إلى تحركات فورية في الأسعار، ما يتطلب مراقبة دقيقة لمؤشرات السوق الفعلية وليس العقود المستقبلية فقط.
اقرأ أيضًا: الثمن الذي تدفعه إسرائيل مقابل حروبها المفتوحة
مخاطر ركود تضخمي تهدد الاقتصاد العالمي
في هذا السياق، أكد الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن دخول الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية حيز التنفيذ يمثل ضغطاً اقتصادياً هائلاً على إيران، موضحاً أن طهران تعتمد على واردات يومية تقدر بنحو 159 مليون دولار من الخارج، في حين تفقد نحو 435 مليون دولار يومياً نتيجة تعطل الصادرات، وهو ما يشكل عبئاً اقتصادياً غير مسبوق.
وأشار إلى أن هذه التطورات ستنعكس بشكل مباشر على أسواق النفط العالمية، مع توقعات بارتفاع الأسعار مجدداً، ما قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى موجة تضخم مرتفعة، خاصة في ظل صعوبة إيجاد بدائل سريعة لتعويض الإمدادات المتأثرة.
وأوضح أن التوجه الأمريكي لفك الاختناقات في تدفقات الطاقة عبر مسارات بديلة يحتاج إلى وقت، ولن يكون حلاً فورياً، في حين تلوّح إيران بالرد عبر استهداف موانئ في دول الخليج، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة وزيادة الخسائر في قطاع الطاقة العالمي.
وأضاف عبد الهادي أن حجم النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز يقدر بنحو 20 مليون برميل يومياً، وهو رقم يفوق بكثير تقديرات سابقة، ما يعني أن أي تعطيل فعلي لهذه الكميات قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات تتراوح بين 130 و150 دولاراً للبرميل.
وأكد أن الاقتصاد العالمي لن يكون قادراً على تحمل هذه الارتفاعات القياسية في الأسعار، خاصة في حال استمرار التصعيد، مشيراً إلى أن الأزمة الحالية قد تكون مؤقتة إذا تم احتواؤها سريعاً، لكنها قد تتحول إلى أزمة عميقة في حال توقف الإمدادات بشكل كامل.
وأوضح أن الدول الكبرى المستوردة للنفط، مثل الصين والهند وباكستان، ستكون الأكثر تضرراً، نظراً لاعتمادها على نحو 9 ملايين برميل يومياً تمر عبر مضيق هرمز، وهو ما يصعب تعويضه حتى باستخدام الاحتياطيات الاستراتيجية. وأشار إلى أن الصين، باعتبارها “مصنع العالم”، ستواجه تحديات كبيرة إذا تعطلت إمدادات الطاقة، ما قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الصناعي ودخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود تضخمي حاد.
وشدد عبد الهادي على أن الحلول النقدية، مثل رفع أسعار الفائدة أو طباعة المزيد من الأموال، لن تكون كافية لمعالجة الأزمة، مؤكداً أن الحل الحقيقي يكمن في إنهاء التصعيد واحتواء الصراع في أقرب وقت ممكن لتجنب تداعيات اقتصادية خطيرة على مستوى العالم.
قد يهمّك أيضًا: بين الحصار البحري وإغلاق هرمز.. المنطقة على فوهة بركان