9 ملايين لاجئ في مصر.. تحديات اقتصادية وحلول دولية مطلوبة
تمثل استضافة اللاجئين في مصر تحديًا اقتصاديًا متزايدًا، حيث تتحمل الدولة أعباء مالية كبيرة نتيجة تقديم الخدمات الأساسية لهذه الفئات، ومع تجاوز عدد اللاجئين والوافدين 9 ملايين شخص، أصبح لهذا الملف تأثير مباشر على الموازنة العامة، ما يستدعي ضرورة البحث عن حلول مستدامة لتخفيف الضغط الاقتصادي.
ويؤكِّد الخبراء أنَّ تقدير التكلفة الحقيقية لاستضافة اللاجئين يعد خطوة أساسية نحو تحقيق إدارة أكثر كفاءة للموارد، بالإضافة إلى تعزيز فرص مصر في الحصول على دعم دولي يتناسب مع الأعباء التي تتحملها، كما أنّه يبرز دور الحكومة المصرية في تبني استراتيجيات تنظيمية تعتمد على الرقمنة، وتحليل البيانات، واستغلال وجود اللاجئين في مشروعات اقتصادية تساهم في تحقيق التنمية المستدامة، بدلاً من أن يكون هذا الملف عبئًا إضافيًا على الاقتصاد الوطني.
أعداد اللاجئين في مصر
أكَّد الدكتور أحمد شوقي، الخبير المصرفي، أنَّ الاقتصاد المصري يواجه أعباءً إضافية نتيجة استضافة أكثر من 9 ملايين لاجئ ووافد من 133 دولة، يمثلون نحو 9% من إجمالي السكان، وهو ما يشكل ضغطًا كبيرًا على المرافق والخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصحة والبنية التحتية.
وأضاف أنَّ هذه الأعباء تنعكس مباشرة على الموازنة العامة؛ حيث تصل تكلفة شراء السلع والخدمات إلى 166 مليار جنيه، بينما يبلغ إجمالي الدعم 636 مليار جنيه، يستحوذ دعم المواد الغذائية على 21.1% منه، في حين يمثل دعم المواد البترولية والكهرباء 24.3%، مما يؤكد التأثير الكبير لملف اللاجئين على الإنفاق العام.
كما أوضح شوقي أنَّ التكلفة الاقتصادية لاستضافة اللاجئين تتجاوز 10 مليارات دولار سنويًا، ما يستوجب تفعيل آليات الدعم الدولي بشكل أكثر كفاءة، خاصةً أنَّ مصر لا تحصل إلا على 21% فقط من المساعدات الموجهة لهذا الملف من الجهات المانحة، وفقًا لبيانات مفوضية شؤون اللاجئين في القاهرة.
وأشار إلى أنَّ عمليات الحصر الدقيقة لأعداد اللاجئين تُعد ضرورة ملحة لمساعدة الحكومة في اتخاذ قرارات مدروسة بشأن التعامل مع الوافدين، وتحديد تأثيرهم على الاقتصاد والمجتمع والبيئة. كما شدَّد على أهمية استخدام هذه البيانات في التفاوض مع الجهات المانحة للحصول على التمويلات اللازمة لتخفيف العبء عن الاقتصاد المصري.
اقرأ المزيد في هذا التقرير: اللاجئون في مصر إضافة للاقتصاد أم عبء ثقيل؟
كيف يمكن لمصر الاستفادة من اللاجئين في دعم الاقتصاد؟
أكَّد شوقي أن مصر بحاجة إلى استغلال وجود اللاجئين بشكل إيجابي عبر توفير فرص عمل مناسبة لهم، من خلال مشروعات اقتصادية تستوعب هذه الأعداد الكبيرة، مما يسهم في تقليل الضغط على الموازنة العامة وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة.
ودعا إلى الإسراع في رقمنة الخدمات الحكومية وتأسيس قواعد بيانات رقمية متكاملة تشمل المهاجرين والوافدين، بحيث تتضمن معلومات دقيقة عن الفئات العمرية والجنسيات والمهن، ما يساعد في اتخاذ قرارات أكثر كفاءة بخصوص هذا الملف الحيوي.
ومن جهته، أكَّد الدكتور ناصر عبد المهيمن، الخبير الاقتصادي، أنَّ اللاجئين الفارين قسراً يحتاجون إلى مجموعة من المساعدات الأساسية المنقذة للحياة، نظراً لظروفهم الصعبة واحتياجاتهم العاجلة في مختلف المجالات مثل التعليم، والصحة، والإسكان، والأمن، والطاقة والمواصلات. كما أشار إلى أنَّ العديد من هؤلاء اللاجئين لديهم رغبة كبيرة في تنفيذ مشاريع مجتمعية تسهم في تحسين سبل معيشتهم، وهو ما يستدعي دعماً دولياً فعالاً لضمان اندماجهم في المجتمعات المضيفة.
10 مليارات دولار تكلفة استضافة اللاجئين في مصر
أوضح عبد المهيمن أنَّ للهجرة تأثيرات متعددة، منها الإيجابي ومنها السلبي، لذلك تعمل الحكومة المصرية بالتنسيق مع الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المعنية على تحديد التكلفة الاقتصادية الحقيقية لاستضافة اللاجئين والوافدين في مصر، مُشيرًا إلى أنَّ هذا الجهد يهدف إلى وضع معايير واضحة لحساب ما تتحمله الوزارات والجهات الحكومية من نفقات مقابل تقديم الخدمات الأساسية لهذه الفئات.
كما لفت الخبير الاقتصادي إلى أنَّ الاقتصاد المصري لا يمكنه وحده تحمل كافة التكاليف الاقتصادية المرتبطة باستضافة اللاجئين، خاصة أنَّ مصر كانت حائط الصدّ الأول أمام موجات الهجرة غير الشرعية التي كانت ستتجه إلى أوروبا، مما جنَّب الدول الأوروبية أزمة لجوء كبرى.
وأوضح أن الدولة المصرية اتخذت خطوات استباقية لمواجهة هذه التحديات، حيث أطلقت في عام 2016 أول استراتيجية وطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية، تبعها صدور قانون رقم 82 لعام 2016، الذي فرض عقوبات رادعة على تهريب المهاجرين، وجرّم جميع أشكال التلاعب بملف الهجرة.
أكَّد عبد المهيمن أن تحديد التكلفة الفعلية لاستضافة اللاجئين سيُمَكِّن الدولة من اتخاذ قرارات اقتصادية دقيقة، كما سيُساعد في التفاوض مع الجهات الدولية المانحة للحصول على الدعم المالي اللازم، مشيراً إلى أنَّ هذه التكاليف تؤثر بشكل مباشر على ميزانية الدولة وخططها التنموية.
وبيّن أنَّ التقديرات الرسمية تُشير إلى أنَّ التكلفة الاقتصادية لاستضافة اللاجئين في مصر تجاوزت 10 مليارات دولار سنوياً، حيث تستضيف مصر أكثر من 9 ملايين لاجئ من 133 جنسية مختلفة، وهو ما يمثل حوالي 8.7% من إجمالي السكان. وأضاف أنَّ هذا العدد الكبير يفرض ضغوطاً إضافية على الموازنة العامة للدولة، ما يستدعي تفعيل آليات الدعم الدولي لتخفيف الأعباء المالية على الحكومة المصرية.
ارتفاع أسعار العقارات وضغوط على سوق الإسكان
أوضح الدكتور ناصر عبد المهيمن أنَّ زيادة أعداد اللاجئين أدَّت إلى ارتفاع الاستهلاك المحلي، ما ساهم في زيادة معدَّلات التضخم بشكل يفوق المستويات الطبيعية. وأشار إلى أنَّ الطلب المتزايد على السلع والخدمات، إلى جانب الأزمات العالمية مثل الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات في البحر الأحمر، ساهم في تفاقم الأزمة.
وذكر أنَّ معدل التضخم في مصر وصل إلى 32.5% في أبريل 2024، مقارنة بـ 13.2% عام 2022، لكنَّه لا يزال أقل من بعض الدول الأخرى المستضيفة للاجئين مثل الأردن ولبنان، حيث تجاوزت معدلات التضخم 70% في بعض الأشهر.
كما تطرَّق عبد المهيمن إلى تأثير اللاجئين على قطاع العقارات في مصر، مشيراً إلى أنَّ تدفق أعداد كبيرة منهم تسبَّبَ في ارتفاع أسعار الوحدات السكنية بشكل غير مسبوق مع نهاية عام 2023، موضحًا أنَّ بعض اللاجئين يمتلكون سيولة نقدية كبيرة، ما دفعهم لدفع مبالغ أعلى من المواطنين المحليين، سواء في الإيجار أو التملك، مما أدى إلى تفاقم أزمة السكن وارتفاع أسعار الإيجارات، خاصة في المناطق الأكثر طلبًا.
وبيّن الخبير أنَّ هذا الارتفاع أثَّر سلباً على الأسر المصرية متوسطة ومنخفضة الدخل، في ظل التحديات الاقتصادية العامَّة التي تواجهها الدولة، مُشيرًا إلى أنَّ رفع الدعم عن الطاقة زاد الأعباء المالية على المواطنين.
اقرأ مستجدات الاقتصاد المصري: تراجع التضخم في مصر إلى 12.8%.. تحسن مستدام أم تأثير مؤقت؟
زيادة عجز الموازنة العامة ونقص التمويل الدولي
أكَّد الخبير الاقتصادي أنَّ عجز الموازنة العامة في مصر تفاقم نتيجة الإنفاق المتزايد على اللاجئين، مشيراً إلى أنَّ الحكومة المصرية تُنفق أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً على الخدمات المقدمة لهم، وهذا يتجاوز معدل نمو الإيرادات. وأوضح أنَّ نقص التمويل الدولي يعد أحد أكبر التحديات التي تواجه مصر، حيث تراجع دعم الجهات المانحة بشكل كبير في السنوات الأخيرة.
ووفقاً للمراجعة الاستراتيجية الإقليمية لعام 2024، تحتاج مصر والدول المضيفة الأخرى إلى 4.9 مليار دولار أمريكي لتغطية الاحتياجات الأساسية للاجئين، لكن نسبة التمويل الفعلي انخفضت بشكل حاد، حيث لم يتم تأمين سوى 30% من المبلغ المطلوب العام الماضي.
وبحسب الخبير، المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أكَّدت أنَّ مكتبها في القاهرة لم يحصل إلا على 21% من الدعم المطلوب؛ حيث طلبت المفوضية 138 مليون دولار لكنَّها تلقت 29 مليون دولار فقط، مما أدى إلى تقليص الخدمات المقدمة للاجئين.
قد يهمّك أيضًا: مصر تحصل على 1.2 مليار دولار من قرض صندوق النقد
تنظيم ملف اللاجئين في مصر
أوضح عبد المهيمن أنَّ الحكومة المصرية تعمل حالياً على صياغة تقديرات دقيقة لأعداد الوافدين وتكلفة استضافتهم، ضمن إجراءات تطبيق قانون “لجوء الأجانب” الجديد. وأكَّد أنّ التشريع الجديد ينص على تولي الحكومة المصرية مسؤولية تسجيل اللاجئين بدلاً من المفوضية، وهو ما يسهم في تعزيز إدارة هذا الملف وضمان وصول الدعم الدولي المناسب.
وأشار إلى أنَّ عدد اللاجئين في مصر يفوق عدد سكان بعض الدول الأفريقية والشرق أوسطية، حيث يعيش في مصر حوالي 4 ملايين سوداني، 1.5 مليون سوري، مليون ليبي، والبقية من جنسيات أخرى. وأكَّد أنَّ الدولة المصرية تتعامل مع هؤلاء المهاجرين واللاجئين باعتبارهم “ضيوفاً”؛ حيث توفر لهم الخدمات الأساسية التي يحصل عليها المواطن المصري، وهو ما يعكس التزام مصر بالمبادئ الإنسانية رغم التحديات الاقتصادية.
وفي ختام تصريحاته، شدَّد عبد المهيمن على أنَّ الهجرة إذا تمت بشكل نظامي ومنظم يُمكن أن تكون عاملاً مساعداً في تحقيق التنمية المستدامة في دول المصدر والعبور والمقصد، مضيفًا أنَّ هناك حاجة إلى تعزيز إطار “حوكمة الهجرة” الذي يهدف إلى تسهيل حركة المهاجرين بطريقة آمنة ومنظمة، بما يحقق التوازن بين مصالح الدول المستضيفة وحقوق المهاجرين.
وأوضح أنَّ المبادئ الأساسية لحوكمة الهجرة تتضمن إدارة فعالة للتدفقات السكانية، وضمان توفير الخدمات الأساسية للمهاجرين، وتحقيق تكامل اقتصادي واجتماعي يحقق المنفعة للجميع. وأكَّد أنَّ تطبيق هذه المبادئ يساهم في تحقيق استقرار اقتصادي للدول المستضيفة، ويُقلل التحديات المرتبطة بالهجرة غير الشرعية.
وأخيرًا، شدَّد على أنَّ مصر، رغم الضغوط الاقتصادية، تواصل التعامل مع ملف اللاجئين بمسؤولية وإنسانية، لكنَّها بحاجة إلى دعم دولي مستدام لضمان استمرار تقديم الخدمات لهم دون التأثير على خططها التنموية.
توجيهات رسمية بحصر تكلفة اللاجئين
سبق والتقى الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بالدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، لمناقشة تفاصيل التكلفة الاقتصادية التي تتحملها الدولة المصرية نتيجة استضافة اللاجئين والوافدين المقيمين على أراضيها.
كما صرَّح المستشار محمد الحمصاني، المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، أنَّ اللقاء ركَّز على استعراض تقديرات التكلفة الإجمالية التي تتحملها الدولة لرعاية اللاجئين والوافدين من مختلف الجنسيات، مشيرًا إلى أنَّ المناقشات تناولت الخدمات المقدّمة لهم في مختلف القطاعات، خاصة الرعاية الصحية، ودعم البنية التحتية الصحية اللازمة لضمان حصولهم على الخدمات الطبية المطلوبة، إلى جانب مناقشة تأثير ذلك على الموارد الوطنية المختلفة.
وخلال الاجتماع، أكَّدت وزيرة التضامن الاجتماعي أنَّ الحكومة تولي ملف اللاجئين والوافدين والمهاجرين اهتمامًا بالغًا نظرًا لتأثيره الواضح على العديد من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، مشيرةً إلى أنَّ تقدير تكاليف استضافة هؤلاء الأفراد يمثل أداة مهمة لصناع القرار، حيث يساعد في توجيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ويتيح فهمًا دقيقًا لتأثير تزايد أعداد اللاجئين والوافدين على الاقتصاد الوطني، والبيئة، والمؤشرات التنموية لمصر.
كما أوضحت الوزيرة أنَّ عملية التقدير المالي لهذه التكاليف تساهم في تطوير السياسات العامة، وأنّها تعد مرجعًا أساسيًا في تخصيص وتوجيه الدعم المناسب للجهود التي تبذلها مصر لاستضافة اللاجئين والمهاجرين.
وأضافت أنَّ هناك تعاونًا وثيقًا مع منظمات الأمم المتحدة لإجراء تقييم دقيق وشامل للتكلفة الاقتصادية لاستضافة اللاجئين والمهاجرين في مصر، مشيرةً إلى أنَّ هناك توافقًا بين جميع الوزارات والجهات الحكومية على المعايير التي يتم استخدامها في عملية حساب هذه التكاليف، بهدف تقديم صورة دقيقة للمجتمع الدولي حول الأعباء التي تتحملها الدولة المصرية في هذا الإطار.
اقرأ أيضًا: هل تنجح حزمة الإجراءات الضريبية الجديدة في إنقاذ الاقتصاد المصري؟
