تقرير: باسل محمود
حقول الغاز الإسرائيلية تحت مرمى نيران حزب الله وإذا حدث تصعيد في شمال إسرائيل، وقامت إيران بالرد عسكريًا على إسرائيل، فمن المحتمل أن يتم استهداف الحقول بشكل مباشر، إلا أنّ سيناريو إيقاف جميع المنصات الخمسة في إسرائيل، هو أمر صعب ولكنه ممكن، ويمكن للفحم والديزل، تغطية جزء من النقص ولكنه لن يكون كافياً.
تمتلك إسرائيل خمس حقول أبرزها “كاريش – ليفياثان – تمار”؛ حيث تقوم شركة إنرجيان بتشغيل منصة كاريش، بينما تقوم شركة شيفرون بتشغيل منصتي ليفياثان وتمار، وهما تزودان معظم الغاز الطبيعي للسوق الإسرائيلي، في حين أن “ليفياثان” يزود فقط 10%منه، ويتم تصدير 44 بالمئة من الإنتاج إلى أوروبا ومصر والأردن.
حساسية قطاع الطاقة في إسرائيل
الطائرة بدون طيار التي أطلقها حزب الله ضد منصة إسرائيلية في حقل “كاريش” هي تذكير بحساسية قطاع الطاقة تجاه الانقطاعات في إمدادات الغاز الطبيعي.
والسبب الرئيسي، هو اعتماد إسرائيل شبه الكامل على إمدادات الغاز الطبيعي المنتظمة، حيث يتم توليد نحو 70% من الكهرباء في إسرائيل من الغاز الطبيعي، المزود من المنصات الثلاث في البحر الأبيض المتوسط، في حين يتم توليد الباقي من الطاقة الشمسية والفحم.
يمكن لإسرائيل زيادة استخدامها للفحم، ولكن ليس بطريقة تلبي جميع احتياجاتها؛ حيث ستضطر محطات الطاقة للتحول إلى الديزل، وبالإضافة إلى سعره المرتفع، فإن ذلك سيؤدي إلى عدد من التحديات الأخرى، بما في ذلك الحفاظ على مخزون كافٍ وزيادة التآكل في توربينات المحطات.
في النهاية، فإن حرباً شاملة في الشمال، ستؤدي على الأرجح إلى انقطاعات كهربائية مبرمجة ومجدولة لإدارة قطاع الطاقة في إسرائيل لعدة أسابيع.
خطة طوارئ لتحويل إنتاج الكهرباء
تقول مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لوري هايتيان، في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia“، إنه في ظل التوترات الحالية، تتزايد المخاوف بشأن استهداف منصات وحقول الغاز الإسرائيلية، ما قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية وجيوسياسية خطيرة.
أوضحت هايتيان، أنه في حال استهداف منصات أو حقول الغاز الإسرائيلية، فإن الحكومة الإسرائيلية لديها خطة طوارئ جاهزة تشمل إغلاق جميع المحطات والحقول والمنصات الغازية، وتحويل إنتاج الكهرباء من الغاز إلى الفحم أو الديزل، كما أعدت إسرائيل مولدات احتياطية لتجنب انقطاع الكهرباء في حال تعرضت محطات الكهرباء للاستهداف، أو لم تكن المحطات المحولة إلى الفحم أو الديزل قادرة على تلبية احتياجات المواطنين.
تعويضات لشركات الغاز الطبيعي
من المرجح أن يكون الضرر غير المباشر أكبر، حيث ستطالب شركات الغاز الطبيعي بتعويض عن الأضرار المالية التي لحقت بها، وفي حالة الطوارئ، يمكن لوزير الطاقة الإسرائيلي، أن يأمر بوقف صادرات الغاز الطبيعي، مما يعطي الأولوية للسوق المحلي.
حدث هذا في أكتوبر 2023، عندما تم إغلاق منصة “تمار” لمدة شهر بسبب مخاوف من هجوم صاروخي من قبل الفصائل الفلسطينية المسلحة، وقامت منصة ليفياثان بملء الفجوة ولم تكن هناك مشاكل كبيرة في سوق الطاقة الإسرائيلي.
“إذا تم استهداف منصات الحقول القريبة من الحدود اللبنانية، مثل منصة كاريش العائمة أو البنية التحتية لحقل ليفياثان، فقد تتعرض لأضرار جسيمة تؤثر على عودتها للعمل بعد انتهاء المعركة أو الحرب”.. بحسب هايتيان.
أضافت: “هذا يتطلب وقتًا طويلاً لإعادة بناء البنى التحتية المتضررة، مما يسبب خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة لانخفاض إنتاج الغاز وتأثيره على قطاع الطاقة في إسرائيل، وكذلك على موازنة الدولة نتيجة انخفاض عائدات الضرائب المتحصل عليها من إنتاج الغاز”.
وأشارت مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى أن الشركات قد تتكبد خسائر مالية تعيق تنفيذ خططها لتوسيع وتطوير حقول الغاز وزيادة الإنتاج.
كما قد يحدث ارتفاع بسيط في الأسعار العالمية نتيجة لتداعيات محتملة على الإنتاج الإيراني، إذا كان هناك استهداف للحقول وتدخل إيراني كرد فعل.
وأوضحت أن الأردن ومصر، قد تواجهان صعوبات نتيجة لتوقف إمدادات الغاز الإسرائيلي، مما قد يؤثر على إنتاج الكهرباء في كلا البلدين.
ولتفادي هذه المشكلة، قامت الأردن بشراء غاز مسال من الأسواق العالمية، بينما اشترت مصر كميات أكبر من الغاز المسال لتلبية احتياجاتها الداخلية خلال فصل الصيف.
اقرأ أيضًا: حرب غزة تنهك اقتصاد إسرائيل
حماية حقول الغاز الإسرائيلية
المنصات محمية بشكل جيد نسبيًا، حيث تم استثمار أكثر من 3 مليارات شيكل في الدفاع عنها، منها 1.7 مليار شيكل (455 مليون دولار) لشراء أربع سفن بحرية، و1.5 مليار شيكل لشراء صواريخ اعتراضية، وأنظمة أخرى. لكن كما اخترقت طائرة حوثية بدون طيار مؤخرًا قلب تل أبيب، من الواضح الآن أن لا نظام دفاعي يمكنه تقديم حماية بنسبة 100%.
لفهم حجم ذلك الضرر، يمكن فحص استهلاك الكهرباء في إسرائيل خلال يوم عادي في شهر يوليو. على سبيل المثال، في آخر يوم من الأسبوع الأخير في شهر يوليو، استهلكت إسرائيل نحو 14.7 غيغاواط من الكهرباء؛ 9.1 غيغاواط منها تقريبًا تم توليدها من الغاز الطبيعي، والباقي من الطاقة المتجددة (3.8 غيغاواط) والفحم (1.5 غيغاواط)، ورغم أن ذلك يعتبر استهلاكًا عاليًا نسبيًا، لم يكن ذلك ذروة إنتاج الغاز الطبيعي في ذلك اليوم.
في مساء ذلك اليوم، أنتجت محطات الطاقة التي تعمل بالغاز الطبيعي 10.2 غيغاواط من 13 غيغاواط تم استهلاكها، في حين أن الفحم أنتج نحو 2 غيغاواط.
بعبارة أخرى، على الرغم من أن الاستهلاك كان أقل في المساء، كان إنتاج الغاز الطبيعي والفحم أعلى بسبب نقص الطاقة الشمسية بعد غروب الشمس.
خسائر استهداف حقول الغاز الإسرائيلية
من جانبه، أشار خبير النفط العالمي، الدكتور ممدوح سلامة، إلى أنه من الممكن أن يستهدف حزب الله وإيران حقول الغاز في المياه الإسرائيلية.
“إذا نجح حزب الله في تعطيل أو تدمير هذه المنشآت، ستكون هناك خسارة ضخمة على الاقتصاد الإسرائيلي الذي حقق عبر منشآت الغاز واحتياطيات الغاز في المياه الإقليمية اكتفاء ذاتيًا وقدرة على التصدير”.. بحسب سلامة.
أضاف في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia”، أن الخسارة ستكون مزدوجة: الشق الأول هو أن إسرائيل ستضطر إلى استيراد الغاز لتلبية احتياجاتها الداخلية حتى يتم إعادة إصلاح هذه المنشآت، والشق الثاني هو أنها ستخسر الكميات التي تصدرها إلى الاتحاد الأوروبي على شكل غاز مسال، والتي تصل إلى ما يقرب من 7 إلى 8 ملايين طن من الغاز المسال.
اقرأ أيضًا: إسرائيل تغرق في مستنقع الديون بسبب الحرب
لبنان في قلب الصراع
وأوضح سلامة، أن مضاعفات ذلك ستكون ضخمة على لبنان، حيث ستقدم إسرائيل على تدمير البنية التحتية للبنان بشكل كامل أكثر مما فعلته في عام 2006.
“هذا سيحطم لبنان ويحطم اقتصاده ويضع اللبنانيين في وضع خطير جدًا، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمرون بها حاليًا”.. قال سلامة.
أضاف أنه بالمثل، قد يقوم حزب الله بضرب منشآت أخرى داخل إسرائيل، مما سيرتقي إلى مستوى حرب واسعة في الشرق الأوسط.
“بالطبع، إيران سترد بقوة على أي تصعيد، ونحن الآن على شفا الهاوية، وإذا حصل ذلك، فإن التداعيات ستكون أكبر من ضرب منشآت الغاز الإسرائيلية، إذ ستؤدي إلى حرب شرق أوسطية تقوم إيران بموجبها بإغلاق مضيق هرمز في وجه 20 مليون برميل من النفط التي تمر يوميًا إلى منطقة حوض المحيط الهادئ وعبر قناة السويس إلى الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى كميات من الغاز المسال المصدرة من قطر”.. بحسب سلامة.
اختتم سلامة تصريحاته، بأن التدمير سيكون كبيرًا جدًا وتأثيره على الاقتصاد العالمي سيكون هائلًا، وإذا طال تعطيل الإمدادات عبر مضيق هرمز، فمن المتوقع أن يصل سعر خام برنت إلى 110 دولارات إن لم يكن أكثر، مما سيؤدي إلى خلق ركود اقتصادي عالمي.
تكلفة باهظة لإنتاج الطاقة من الفحم
وفقًا لشركة الكهرباء الإسرائيلية، فإن تكلفة إنتاج الطاقة من الفحم، هي ضعف تكلفة إنتاجها من الغاز الطبيعي، لكنّ تكلفة إنتاج الطاقة من الديزل هي 16 مرة أعلى من تكلفة الغاز الطبيعي، ومجملًا، يمكن لمحطات الطاقة التي تعمل بالفحم توليد ما يصل إلى 4.85 غيغاواط.
أحد الحلول المحتملة، تحويل جميع محطات الطاقة التي تستخدم الغاز الطبيعي إلى استخدام الديزل، لكن في حالة الطوارئ، ليس هذا بالأمر الهين، حيث يزيد الديزل من تآكل توربينات المحطة، وسيحاول منتجو الطاقة تجنبه، علاوة على ذلك، فإن الديزل باهظ الثمن.
ولكن التحول إلى الديزل هو حل معقول لبضع ساعات بدون الغاز الطبيعي، أو حتى لبضعة أيام، ومع ذلك، إذا استمر النقص لأسبوع أو أكثر، ستكون التكاليف عالية، ولكن بمجرد استخدام الديزل، سترتفع أسعار الكهرباء فورًا في إسرائيل بنحو 5%.