كيف يهدد الحكم الفيدرالي استراتيجية ترامب في فرض الرسوم الجمركية؟
في تطور قضائي مهم يتعلق بالسياسات التجارية الأمريكية، قضت محكمة استئناف اتحادية بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يمتلك الحق القانوني لفرض الرسوم الجمركية على كل دولة تقريبًا حول العالم، ورغم ذلك أبقت المحكمة على الإجراءات التي اتخذها ترامب لبناء ما وصفه بـ”جدار حماية” حول الاقتصاد الأمريكي، مانحة إدارته مساحة زمنية للطعن أمام المحكمة العليا.
وأوضحت محكمة الاستئناف الأمريكية للدائرة الفيدرالية أن ترامب لم يكن مخولًا قانونيًا بإعلان حالات طوارئ وطنية تسمح له بفرض ضرائب ورسوم استيراد شاملة على معظم دول العالم، ويأتي هذا القرار مؤيدًا بدرجة كبيرة للحكم السابق الصادر عن محكمة تجارية اتحادية متخصصة في نيويورك في مايو.
وكتب القضاة في حيثيات الحكم: “يبدو من غير المرجح أن الكونغرس كان يقصد منح الرئيس سلطة غير محدودة لفرض رسوم جمركية”، لكن المحكمة لم تلغِ الرسوم الجمركية المفروضة بشكل فوري، وأرجأت التنفيذ حتى يتمكن البيت الأبيض من الطعن على القرار أمام المحكمة العليا، بحسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس.
رد ترامب على الحكم القضائي الأخير
علّق الرئيس ترامب على الحكم بحدة، متعهدًا بالتصعيد حتى النهاية، وقال عبر منصته “تروث سوشيال”: “إذا تم السماح بتأييد هذا القرار، فإنه سيؤدي حرفيًا إلى تدمير الولايات المتحدة الأمريكية“. وأكَّد أن الحكم الذي يقضي بعدم قانونية معظم الرسوم الجمركية “غير صحيح”، مشددًا على أن جميع الرسوم لا تزال سارية المفعول.
وأضاف: “اليوم قالت محكمة الاستئناف شديدة التحيز على نحو غير صحيح إن رسومنا الجمركية يجب أن تُلغى، لكنهم يعلمون أن الولايات المتحدة ستفوز في النهاية”.
يأتي هذا الحكم بالتزامن مع قرار جديد أصدره ترامب بزيادة الرسوم الجمركية على الواردات من الهند لتصل إلى 50%، وهو القرار الذي دخل حيز التنفيذ بالفعل، في خطوة وصفها مراقبون بأنها رسالة إصرار من الإدارة الأمريكية على المضي في سياسة الحماية التجارية رغم التحديات القضائية.
أبعاد قانونية لسياسة ترامب الجمركية
أكد الخبير الاقتصادي عمرو سلامة أن الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف الفيدرالية الأمريكية بعدم قانونية الرسوم الجمركية التي فرضها دونالد ترامب يمثل تطورًا محوريًا في مسار السياسة التجارية للولايات المتحدة، موضحًا أن هذا القرار قد يعيد رسم ملامح العلاقة بين السلطة التنفيذية والكونغرس، كما ستكون له انعكاسات واسعة على الأسواق العالمية.
وقال سلامة: “القرار يوضح أن الرئيس ترامب قد تجاوز صلاحياته القانونية بالاعتماد على قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية لفرض رسوم جمركية شاملة، في حين أن الاختصاص الأصيل بفرض الضرائب والرسوم الجمركية يعود حصريًا إلى الكونغرس الأمريكي”.
وأضاف: “ترامب بنى استراتيجيته التجارية على استغلال قانون صدر في السبعينيات كان مخصصًا في الأساس لفرض العقوبات الاقتصادية على الدول الأخرى، لكنه وسّع نطاق استخدامه لفرض رسوم جمركية على العشرات من الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، والحكم الأخير يضعف هذا الأساس القانوني بشكل كبير، وبالتالي يقوّض ركيزة أساسية من ركائز سياسة ترامب الاقتصادية”.
وأشار إلى أن الرسوم الجمركية ستظل سارية حتى منتصف أكتوبر المقبل، موعد نظر الطعن أمام المحكمة العليا، وهو ما يبقي الأسواق في حالة ترقب وانتظار لما ستسفر عنه المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضًا: كيف حوّل ترامب الرسوم الجمركية إلى سلاح سياسي؟
سيناريوهات الرسوم الجمركية بعد حكم المحكمة
وأوضح الخبير الاقتصادي أن هناك عدة سيناريوهات متوقعة لما بعد هذا الحكم:
أولًا: من المرجح أن تستأنف الإدارة الأمريكية الحكم أمام المحكمة العليا، التي قد تؤيد القرار أو تعدله جزئيًا، وإذا تم تأييده فإن معظم الرسوم ستلغى بشكل نهائي، مع بقاء بعضها مثل الرسوم المفروضة على الصلب والألومنيوم.
ثانيًا: إذا تم إلغاء الرسوم نهائيًا، فستكون الإدارة مضطرة إلى إعادة صياغة سياستها التجارية ضمن أطر قانونية أكثر تقييدًا، مثل قانون التجارة لعام 1974 الذي يحدد سقفًا للرسوم بنسبة 15% ولمدة 150 يومًا فقط دون موافقة الكونغرس.
تداعيات الحكم على مكانة أمريكا التجارية عالميًا
اقتصاديًا، سيؤدي الحكم إلى حالة من عدم اليقين في الأسواق الأمريكية والعالمية، حيث قد تتعطل بعض المفاوضات التجارية، كما قد تتردد الشركات في اتخاذ قرارات استيراد وتصدير لحين وضوح الرؤية، وهو ما قد يخلق ضغوطًا تضخمية مؤقتة نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد.
وقد أوضح سلامة أنّ هذا الحكم لا يتعلق فقط بالسياسة التجارية لترامب، بل ستكون له تداعيات على صورة السياسة الاقتصادية الأمريكية ككل، إذ إنه يحد من قدرة الرئيس على فرض الرسوم الجمركية بشكل منفرد، وهذا قد يغير من معادلة القوة داخل النظام السياسي الأمريكي، ويعيد للكونغرس دوره الأصيل في صياغة السياسات المالية والجمركية.
وشدد على أن الحكم يمثل أيضًا جرعة جديدة من عدم اليقين في النظام التجاري العالمي، إذ إنَّ الشركاء التجاريين للولايات المتحدة سيتعاملون بحذر أكبر مع واشنطن، خاصة وأن كثيرًا من الاتفاقيات التي أبرمتها إدارة ترامب كانت مبنية على التهديد بفرض رسوم جمركية واسعة.
وقال سلامة: “إذا أيدت المحكمة العليا هذا الحكم فإن العديد من الصفقات التجارية، مثل الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي الذي قدم تنازلات لتفادي رسوم أعلى، قد تتعرض للتعقيد، وهذا بدوره قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وشركائها”.
واختتم سلامة تصريحاته بالتأكيد على أنّ المشهد ما يزال غير محسوم حتى الآن، لكن المؤكد أن هذا الحكم سيترك أثرًا عميقًا على السياسات التجارية الأمريكية وعلى استقرار الأسواق العالمية، فنحن أمام لحظة فارقة قد تحدد مستقبل دور الولايات المتحدة في صياغة قواعد التجارة الدولية لسنوات مقبلة.
قد يهمّك أيضًا: ترامب في 6 أشهر.. قرارات تربك الأسواق وتعيد تشكيل الاقتصاد الأمريكي
