خطاب العرش 2025.. حراك ملكي لتعميم التنمية في المغرب

على امتداد أكثر من عقدين من الزمان، اعتاد المغاربة أن يحمل خطاب العرش في طياته إشارات استراتيجية أو رسائل سياسية موجهة إلى الداخل والخارج، لكنه هذه المرة تجاوز حدود التوجيه العام، وارتقى إلى مستوى “الميثاق الإنمائي”، كما وصفه عدد من المحللين السياسيين والاقتصاديين.

في الذكرى السادسة والعشرين لتوليه العرش، رسم الملك محمد السادس بخطابه خارطة طريق متكاملة للنهوض بالجهات والأقاليم المغربية، ووضع نقطة فاصلة بين مغرب الإنجازات القطاعية ومغرب العدالة المجالية، بين تنمية تُملى من المركز وأخرى تُبنى من الأطراف صعودًا؛ فلم يقتصر الملك على استعراض الإنجازات، بل تحدث عن فلسفة جديدة في الحكم تقوم على توزيع التنمية والفرص بعدالة على كل جهات المملكة، وعلى تجاوز الفوارق المجالية والتفاوتات الاجتماعية التي كانت تعيق حركة الصعود الجماعي.

بدا واضحًا من الخطاب أن العاهل المغربي يطمح إلى إعادة هندسة علاقة المواطن بالدولة، بحيث لا يشعر ابن الرباط أو الدار البيضاء أو طنجة بالامتياز مقارنة بابن ورزازات أو الحسيمة أو زاكورة، وإنما يتقاسم الجميع نفس الحق في البنية، والخدمة، والفرصة، والكرامة.

وهكذا، تحوّل خطاب العرش إلى ما يشبه بيان المرحلة القادمة في تطور الدولة المغربية، مرحلة الجهوية الفعلية، والتنمية الشاملة، والمصالحة مع المجال، وفتح صفحة جديدة عنوانها “لا لمغرب يسير بسرعتين”، و”لا للتفاوت كواقع أبدي”.

من التعافي إلى التموضع بين الدول الصاعدة

كان من أبرز ما ورد في خطاب العرش أن المغرب، رغم التحديات العالمية المتتالية التي ضربت الاقتصاد الدولي منذ أزمة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، ثم أزمة الطاقة العالمية والجفاف الحاد، استطاع أن يحافظ على مستوى مقبول من النمو، بل وحقق في بعض السنوات قفزات نوعية في مؤشرات الإنتاج والصادرات، دون أن يقع في مطب التضخم المفرط أو اختلالات خطيرة في الحسابات العمومية.

الملك محمد السادس أشار بوضوح إلى أنَّ هذا الأداء لم يكن صدفة أو نتيجة حظ سياسي، بل ثمرة اختيارات استراتيجية كبرى تم اتخاذها مبكرًا، منذ بداية الألفية، من خلال تحرير الاقتصاد، ودمج المغرب في سلاسل الإنتاج العالمية، وتنويع الشركاء التجاريين، والرهان على قطاعات المستقبل.

ويكفي التذكير أن الصادرات الصناعية تضاعفت منذ 2014، وأن المغرب أصبح فاعلًا أساسيًا في سلاسل التوريد الدولية في مجالات مثل صناعة السيارات والطائرات، والطاقة النظيفة، وتكنولوجيا المياه، والزراعة الذكية، والسياحة المستدامة.

الصناعة في المغرب

في السنوات الأخيرة، اعتمد المغرب سياسة صناعية قوامها “السيادة التنموية” بدل الاعتماد على استيراد التكنولوجيا فقط، فبفضل مشاريع تصنيع البطاريات الكهربائية، وتوطين شركات صناعة السيارات الكهربائية، ومشاريع الطاقة النظيفة والريحية العملاقة، بات المغرب يتبوأ موقعًا مركزيًا في التحول الأخضر العالمي، ووجهة مغرية للمستثمرين الأوروبيين الباحثين عن استقرار سياسي وقرب جغرافي وكفاءة بشرية.

وتتويجًا لذلك، وقّع المغرب اتفاقيات تجارة حرة مع أكثر من 50 دولة، تتيح له اليوم الوصول إلى أسواق تضم نحو 3 مليارات مستهلك، ما يعزز قدرته التنافسية ويدفع الشركات العالمية إلى اعتباره منصة صناعية وتصديرية بديلة عن آسيا في بعض القطاعات، خاصة في ظل موجة “إعادة توطين الصناعات” التي تعرفها أوروبا وأمريكا.

لكن الأهم من كل هذا، أن المغرب حرص على أن يكون هذا النمو شاملًا ومستدامًا، لا يقوم فقط على البناء أو الريع، بل على الابتكار والمنتج التصديري والخدمة الحديثة، وقد شكل النموذج التنموي الجديد الذي اعتمد سنة 2021 حجر الزاوية في هذا التوجه، وذلك من خلال تحديده لمحاور رئيسية تشمل: الاقتصاد المنتج، ورأس المال البشري، والرقمنة، والعدالة الاجتماعية.

قد يهمّك أيضًا: المغرب في مقدمة الدول من حيث امتلاك احتياطي الفوسفات

البنية التحتية والتنمية المتكاملة

في الفصل الثاني من الخطاب، فتح الملك محمد السادس النقاش حول مفهوم البنية التحتية، ولكن برؤية غير تقليدية، إذ اعتبر أن البنية لم تعد تعني فقط الطرق والقناطر والموانئ، بل أضحت تشمل كل ما من شأنه أن يربط المواطن بالمجال، والخدمة بالكرامة، والاقتصاد بالسيادة.

ولهذا، جاءت الإشارة إلى تمديد مشروع القطار فائق السرعة “البراق” ليشمل مراكش، باعتباره مشروعًا استراتيجيًا يعيد وصل شمال المغرب بجنوبه، ويرسخ الوحدة المجالية، ويفتح آفاقًا اقتصادية جديدة أمام مدن الداخل، التي عانت لعقود من العزلة التنموية.

كما لم يغفل خطاب العرش المشاريع الضخمة التي أُطلقت في مجالات المياه والطاقة والغذاء، حيث أكد الملك على أهمية تعزيز الأمن المائي في ظل التغير المناخي، وتمكين الفلاحة من التكنولوجيا الحديثة في السقي والتدبير. كما تمَّ في هذا السياق الإعلان عن عدة مشاريع لتحلية مياه البحر، وتحديث شبكات الري، وتوسيع محطات الطاقة الشمسية والريحية، إلى جانب استثمارات كبرى في البنية الصحية والتعليمية، ما يبرز أن الدولة المغربية لم تعد تستثمر فقط في البنية المادية، بل أيضا في البنية البشرية.

اقرأ أيضًا: المغرب يُطلق مناقصة دولية لتشغيل أكبر حوض لبناء وصيانة السفن في إفريقيا

المغرب.. نموذج تنمية قائم على السيادة

المغرب يتجه فعليا نحو نموذج للتنمية قائم على الاستقلال الاستراتيجي، حيث لا تبقى السيادة مجرد مفهوم سياسي، بل تتحول إلى “سيادة غذائية”، و”سيادة طاقية”، و”سيادة رقمية” قادرة على تأمين مصالح الدولة والمواطن أمام أي اضطراب عالمي.

وفي واحدة من أقوى الفقرات تأثيرًا في الخطاب الملكي، شدَّد الملك محمد السادس على أنَّ المغرب لا يمكنه أن يتقدم إذا استمرت الفجوة بين جهاته، ولا يمكن لأي بنية اقتصادية أن تُبنى على أرضية غير عادلة، وهنا تتضح ملامح التحول الفلسفي في النموذج التنموي المغربي، من دولة تنجز المشاريع إلى دولة تُوزّع التنمية بعدالة. وهذا لا يعني فقط تحسين نسب النمو في المراكز الحضرية الكبرى، بل يستدعي تأهيلًا عميقًا للأقاليم النائية والمهمشة التي عانت طويلًا من التفاوت.

طموحات عملية تتجه لتقليل الفقر

الخطاب تحدَّث بلغة رقمية واضحة مبيِّنًا أنَّ نسبة الفقر متعدد الأبعاد انخفضت من 11.9% سنة 2014 إلى 6.8% سنة 2024، واعتبر أنّ هذا التراجع جاء نتيجة لمنظومة اجتماعية متكاملة تضم تعميم التأمين الإجباري عن المرض، وتوسيع الدعم المباشر للأسر، وتنزيل مشروع السجل الاجتماعي الموحد، وإعادة هيكلة منظومة الدعم.

لكن الملك لم يقف عند الأرقام، بل أقر بأنَّ الفوارق لا تزال قائمة، وخاصة في المناطق القروية والجبلية، فالأمر يتجاوز تقديم المساعدات إلى ضرورة تمكين هذه المناطق من مقومات التنمية المستقلة، بدءًا من البنية الأساسية كالماء والكهرباء، وصولا إلى التعليم والتكوين والتشغيل.

لذلك كانت الدعوة إلى إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية، يقوم على أربع ركائز محورية: دعم التشغيل المحلي، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتدبير الموارد المائية، والتأهيل الترابي المندمج في إطار المشاريع الوطنية الكبرى.

هنا نلاحظ كيف ينتقل خطاب العرش من منطق المركزية إلى منطق التمكين المحلي، ومن السياسات العمودية إلى المقاربة التشاركية، وهو ما يُشكل تطورًا جوهريًا في تصور الدولة لأدوارها ووظائفها، فالدولة لا تكتفي بتحديد الأولويات من الرباط، بل تسند جزءًا من القرار التنموي إلى الجهات، مع ما يتطلبه ذلك من تعزيز الكفاءات المحلية، وتدعيم ميزانيات الجماعات الترابية، وتكريس مبدأ التضامن بين الجهات.

وهكذا، تصبح العدالة ليست فقط أداة لتقليص الفقر، بل أساسًا لضمان الاستقرار، ومصدرا لتجديد العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، خاصة في ظل ما يشهده العالم من تصاعد لنزعات الانكفاء واحتجاجات الهامش.

اقرأ أيضًا: مصر والمغرب تقودان الاستثمارات الأجنبية المباشرة في 2025

الجهوية المتقدمة.. رؤية ملكية تتبلور على الأرض

منذ إطلاق ورش الجهوية المتقدمة سنة 2011، لم يكن هذا المشروع مجرَّد إصلاح إداري أو تقني، بل تعبير عن إرادة سياسية واضحة لنقل مركز الثقل من الرباط إلى الجهات، ومع خطاب العرش لسنة 2025، يبدو أن اللحظة السياسية أصبحت ناضجة لتفعيل هذا الورش بشكل كامل، وربطه بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى التي يشهدها المغرب؛ فالجهوية في الرؤية الملكية ليست شكلًا للحكم المحلي فحسب، وإنّما وسيلة لإعادة توزيع التنمية، وتكريس خصوصيات كل جهة، وتحويل الهوية المجالية إلى رافعة اقتصادية.

والمطلوب اليوم -كما أشار الخطاب- هو التنزيل العملي لجيل جديد من البرامج الترابية، تنطلق من تشخيص دقيق للموارد والاحتياجات، وتُصاغ بشراكة بين الفاعلين العموميين والخواص، وتحظى بآليات للتمويل والحوكمة والمتابعة والتقييم.

وهذا التوجه يفرض على الإدارة المغربية تجديد أساليب عملها، من خلال اعتماد الرقمنة والشفافية، وتمكين الجماعات من الموارد البشرية المؤهلة، وتجاوز البيروقراطية التي طالما كانت أحد عوائق الاستثمار المحلي، كما يتطلب من الفاعلين السياسيين تطوير خطابهم وممارساتهم، حتى تصبح الجهة فضاءً حقيقيًا للتنافس التنموي، لا مجرد امتداد للسلطة المركزية.

وفي هذا السياق، فإن تحويل المجالس الجهوية إلى مؤسسات ذات اختصاصات فعلية وميزانيات معتبرة، سيجعل من الجهوية إطارًا لتكريس المساواة بين المواطنين، وردم الفجوات بين المدن والقرى، وتحقيق ما سماه الملك “التنمية المجالية المندمجة”.

الاستحقاقات الانتخابية.. الديمقراطية كشرط للتنمية

بلهجة صريحة، أكَّد الملك محمد السادس أنَّ الانتخابات التشريعية المقبلة ستُجرى في موعدها الدستوري، مشيرًا إلى ضرورة إعداد المنظومة القانونية والمؤسساتية المؤطرة لها قبل نهاية السنة الجارية، وقد اعتبر مراقبون أنَّ هذه الإشارة ليست تفصيلًا عابرًا، بل تأكيدًا على التزام المغرب بالخيار الديمقراطي، ورفضه لأي مساس بإيقاع الحياة السياسية والمؤسساتية، رغم الظروف الصعبة التي يمر بها العالم.

فالملك -وإن كان في خطاب تنموي بامتياز لم يغفل الجانب السياسي- بل أرسى مبدأ التكامل بين التنمية والمؤسسات؛ فلا تنمية بدون استقرار سياسي، ولا استقرار حقيقي بدون تداول سلمي على السلطة، ومشاركة واسعة في صنع القرار، لهذا فإنَّ الانتخابات المقبلة ستكون اختبارًا لنضج الطبقة السياسية، وقدرتها على الانخراط في الورش التنموية برؤية وطنية، لا بمنطق المحاصصة الحزبية أو الاستقطاب الانتخابي الضيق.

كما أنها ستكون مناسبة لإعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة، وتعزيز مشاركة الشباب والنساء، وتجديد النخب المحلية، وإعادة الاعتبار للوظيفة التمثيلية في بعدها التنموي، لا الخطابي فقط.

العلاقات المغربية الجزائرية.. اليد الممدودة لا تزال ممدودة

مرة أخرى، كرَّر الملك محمد السادس دعوته إلى الحوار مع الجزائر، مؤكدًا أن يده ما تزال ممدودة، وأن الشعب الجزائري شعب شقيق يجمعه بالشعب المغربي تاريخ عريق وأواصر إنسانية وثقافية وجغرافية ودينية مشتركة.

ورغم غياب التفاعل الرسمي من الجانب الجزائري حتى اليوم، فإنَّ المغرب يواصل إرسال الإشارات الإيجابية، ويؤكد أن استقرار المنطقة المغاربية يمر عبر مصالحة تاريخية بين أكبر قوتين فيها، المغرب والجزائر.

هذه الدعوة تتجاوز السياق الثنائي، وتعكس التزامًا استراتيجيًا بالمشروع المغاربي الذي ظل معطلاً منذ عقود، وفي ظل ما تعرفه مناطق الساحل والصحراء من اضطرابات تتزايد الحاجة إلى تعاون أمني وتنموي بين الجارين، بدلًا من حالة الانغلاق والتوتر التي تعطل عجلة التكامل وتستنزف مقدرات الشعوب.

كما أنَّ الرسالة التي حملها الخطاب كانت مزدوجة؛ ففي داخلها تأكيد على أن المغرب لا ينجرّ إلى التصعيد، ويحافظ على استقراره ووحدته، وفي خارجها تأكيد على أن المملكة شريك موثوق يدعو إلى الحلول السلمية والاحترام المتبادل، وهو ما يعزز صورتها الدولية، ويدعم جهودها الدبلوماسية في المحافل الإقليمية والأممية.

دعم الحكم الذاتي للصحراء المغربية

أبرز الملك في خطاب العرش أنَّ دعم المجتمع الدولي لمبادرة الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية يتزايد عامًا بعد عام، مشيرًا إلى موقف كل من المملكة المتحدة وجمهورية البرتغال، اللتين أكدتا دعمهما الصريح للمقترح المغربي كحل واقعي وجاد وذي مصداقية، وهذه المواقف تنضاف إلى سلسلة من الاعترافات المتتالية من دول إفريقية وأوروبية وأمريكية، بما فيها الولايات المتحدة.

هذا الزخم يعكس نجاح الدبلوماسية المغربية في نقل ملف الصحراء من مربع النزاع المفتعل إلى مجال الحل السياسي الواقعي، ويُظهر أن المغرب أصبح يتحرك على الصعيد الدولي بثقة متزايدة، معتمدًا على مصداقية موقفه، وشرعية سيادته، ووضوح مشروعه التنموي في الأقاليم الجنوبية، التي تعرف اليوم دينامية عمرانية واستثمارية غير مسبوقة.

كما أنَّ التشديد على “حل لا غالب فيه ولا مغلوب” يعكس عقلانية الموقف المغربي، واستعداده للبحث عن مخرج يضمن الكرامة لجميع الأطراف، في إطار سيادة المغرب ووحدته.

في ختام خطاب العرش لعام 2025، لم يترك الملك محمد السادس أي غموض حول طبيعة المرحلة القادمة، فالمغرب لم يعد في مرحلة التأسيس أو الإصلاح، بل انتقل إلى مرحلة التفعيل، حيث تُقاس السياسات بمدى أثرها في حياة الناس، لا بحجم الإنفاق أو عدد المشاريع.

موضوع ذو صلة: المغرب يُحقق إنجازاً تاريخياً في السياحة: 1.2 مليون سائح في يناير 2025

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة