خطة جديدة لإدارة الدين العام في مصر.. صكوك وسندات بـ4 مليارات دولار
أعلنت القاهرة عن خطوات جديدة لإدارة الدين العام في مصر، أبرزها التوجه نحو طرح إصدارات من الصكوك والسندات الدولية بقيمة تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار خلال العام المالي الجاري، بجانب إصدار أول صكوك محلية قبل نهاية عام 2025. وقد أوضح أحمد كجوك، وزير المالية المصري، أنَّ الطروحات الدولية المقبلة ستتم عبر 3 إلى 4 إصدارات متتالية، وأنها ستغطي نحو 40% من الفجوة التمويلية، على أن يتم سد الباقي عبر تمويلات ميسرة.
نجاحات سابقة في سوق الدين الدولي
هذا الإعلان يأتي بعد نجاح مصر في يناير 2025 في إصدار سندات دولية بقيمة ملياري دولار على شريحتين: الأولى 1.25 مليار دولار لأجل 5 سنوات بعائد 8.625%، والثانية 750 مليون دولار لأجل 8 سنوات بعائد 9.45%، وقد حظي الطرح بتغطية استثنائية بلغت خمسة أضعاف، حيث استقبلت مصر طلبات شراء قاربت 10 مليارات دولار.
وفي يونيو الماضي، طرحت الحكومة الإصدار الثاني من الصكوك السيادية بقيمة مليار دولار في صورة طرح خاص، مما أكد على استمرار توجه الدولة نحو تنويع أدواتها التمويلية، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على السندات التقليدية.
ويرى الوزير، أن هذه النجاحات تعكس أن الثقة في الاقتصاد المصري لا تزال قائمة لدى المستثمرين الدوليين، رغم الظروف العالمية الصعبة من ارتفاع أسعار الفائدة وتشديد السياسات النقدية في الأسواق المتقدمة.
خفض الدين الخارجي وإطلاق استراتيجية جديدة حتى 2030
أكَّد وزير المالية أن مصر تستهدف خفض الدين الخارجي بمقدار ملياري دولار بنهاية العام المالي الجاري، بعد أن نجحت بالفعل في تقليصه بنحو 4 مليارات دولار خلال العامين الماضيين، منها مليار دولار في العام المالي الأخير، وبحسب أحدث البيانات الرسمية، بلغ الدين الخارجي لمصر نحو 157 مليار دولار.
كما كشف وزير المالية عن قرب الإعلان عن استراتيجية جديدة لإدارة الدين العام حتى عام 2030، على أن يتم إطلاقها قبل نهاية العام الجاري، فالاستراتيجية المنتظرة ستتضمن أدوات وآليات تمويل مبتكرة، مع التركيز على استخدام أي إيرادات استثنائية في سد عجز الموازنة.
إصلاحات ضريبية ومحفزات لسوق المال
تدرس وزارة المالية حاليًا حزمة من التسهيلات الضريبية التي ستُعلن عنها قريبًا، بالتزامن مع مباحثات مع هيئة الرقابة المالية لإطلاق محفزات جديدة تهدف إلى تشجيع الشركات على الإدراج في البورصة المصرية، بما يسهم في تعزيز ثقة المستثمرين وتوسيع قاعدة السوق المالية المحلية.
اقرأ أيضًا: بعد خفض الفائدة في مصر .. هل ينجح المركزي في كبح التضخم؟
ضخ استثمارات ضخمة لدعم قطاع الطاقة
أعلن وزير المالية أن وزارته خصصت 440 مليار جنيه للتعامل مع مشكلات قطاع الطاقة وسداد مستحقات الشركاء الأجانب، ما انعكس في انتظام توليد الكهرباء وتوفير مصادر الطاقة للأنشطة الإنتاجية.
وأوضح أن الوزارة ضخت 260 مليار جنيه للهيئة العامة للبترول خلال العام الماضي عبر الاقتراض، من بينها ضمانة بقيمة 100 مليار جنيه، بالإضافة إلى تسديد مستحقات قطاع الكهرباء بشكل معجل، وقد أضافت هذه الإجراءات 140 مليار جنيه كأعباء جديدة على الخزانة العامة.
تحليل اقتصادي: تنويع أدوات التمويل ضرورة ملحّة
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي الدكتور سيد قاسم: “إعلان وزارة المالية عن خطة لإصدار صكوك وسندات دولية يمثل خطوة مهمة في سياسة الحكومة لتنويع أدوات التمويل، وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للدين، فالاعتماد على الصكوك الإسلامية تحديدًا يمنح مصر فرصة لجذب مستثمرين من أسواق الخليج وآسيا، حيث يتزايد الطلب على هذا النوع من الأدوات”.
وأضاف: “النجاح في تغطية سندات يناير الماضي خمس مرات رغم الظروف العالمية يؤكد أن الثقة لا تزال موجودة في الاقتصاد المصري، وهذه ورقة يجب أن تستثمرها الحكومة بحكمة”.
وحول خفض الدين الخارجي، أوضح قاسم: “خفض ملياري دولار ليس رقمًا ضخمًا لكنَّه إشارة إيجابية على الأقل، والأهم هو أن تتمكن الدولة من بناء موارد مستدامة من النقد الأجنبي حتى لا يبقى خفض الدين مجرد رقم مؤقت سرعان ما يضيع مع أي صدمة خارجية”.
وتابع قائلًا: “الاستراتيجية الجديدة لإدارة الدين العام حتى 2030 ستكون اختبارًا حقيقيًا لمصداقية الحكومة، ففي حال تضمنت أدوات متنوعة وتوازنًا في آجال الدين فستكون قادرة على طمأنة الأسواق، أما إذا ظلت معتمدة على أدوات قصيرة الأجل ذات تكاليف مرتفعة فستظل الضغوط قائمة”.
وفيما يخص الإصلاحات الضريبية والبورصة، أوضح قاسم أنّ “الإصلاحات الضريبية يمكن أن تدعم القطاع الخاص إذا كانت عادلة وشفافة، أما البورصة المصرية فهي بحاجة لطروحات كبرى مثل صفقة بنك القاهرة لإعادة الثقة للمستثمرين”.
وعن قطاع الطاقة، علّق قاسم: “ضخ 440 مليار جنيه لسداد التزامات البترول والكهرباء كان ضرورة لا مفر منها لضمان استقرار الطاقة، لكن أضاف ذلك 140 مليار جنيه كأعباء جديدة على الخزانة، وهذا يعكس التحدي الكبير بين الاستقرار قصير الأجل والانضباط المالي طويل الأجل”.
واختتم قاسم تحليله بالإشارة إلى أنّ مصر أمام معادلة دقيقة، فالتمويل قصير الأجل عبر الصكوك والسندات ضروري، لكنه لا يغني عن بناء اقتصاد إنتاجي يولد قيمة مضافة وعملة صعبة، ونجاح الحكومة في هذه المعادلة سيحدد مستقبل الاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة.
قد يهمّك أيضًا: مصر تحتفظ بلقب عاصمة الأثرياء في شمال أفريقيا بـ 14.8 ألف مليونير