خطة شاملة لإعادة بناء النظام المصرفي السوري

كشف عبد القادر حصرية، حاكم مصرف سوريا المركزي، عن ملامح خطة إصلاحية شاملة تستهدف إعادة بناء الثقة بالنظام المصرفي السوري، بما يفتح المجال أمام استثمارات محلية ودولية جديدة تدعم جهود إعادة الإعمار بعد التحولات السياسية الأخيرة في البلاد.

وأوضح حصرية أن الخطة تتضمن إعادة هيكلة المصارف المحلية وفق المعايير المصرفية العالمية، ومنح تراخيص لعشرات البنوك المحلية والأجنبية، لتعزيز التنافسية وتطوير الخدمات المصرفية، وأكد أن فتح الباب أمام المؤسسات المالية الدولية يمثل خطوة جوهرية نحو استعادة ثقة المستثمرين، وتهيئة بيئة مصرفية حديثة قادرة على لعب دور محوري في النمو الاقتصادي.

وأشار حصرية إلى أن المصرف يسعى جديًا للانضمام إلى نظام التحويلات المالية العالمية “سويفت”، مؤكدًا أن هذه الخطوة ستتيح انفتاحًا أكبر على النظام المالي الدولي، وتسهل حركة التحويلات المالية والاستثمارات الأجنبية المباشرة، واعتبر أن هذه الخطوة تعكس طموح سوريا للاندماج من جديد مع الأسواق العالمية، بعد سنوات من العزلة.

مؤشرات تعافٍ اقتصادي وإصلاحات نقدية

تطرق حصرية إلى الأثر المباشر لرفع العقوبات عن القطاع المصرفي السوري، مؤكدًا أنه انعكس إيجابيًا على الاقتصاد المحلي، حيث انخفض معدل التضخم بشكل ملموس، وتحسنت قيمة الليرة السورية بنسبة 35% منذ سقوط النظام السابق، واعتبر أن هذه التطورات تمثل بداية مسار تعافٍ اقتصادي تدريجي، لكنها تحتاج إلى تعزيز عبر إصلاحات أوسع.

وأضاف حصرية أن المصرف المركزي بدأ خطوات عملية نحو تطوير الخدمات المالية الرقمية، بما يشمل الدفع الإلكتروني وتوسيع قنوات المعاملات عبر الوسائط الحديثة، وأوضح أن هذا التوجه يهدف إلى رفع كفاءة النظام المالي، وزيادة الشفافية، وتقليل الاعتماد على النقد الورقي التقليدي، بما يواكب التوجهات العالمية.

وفي خطوة إصلاحية بارزة، أعلن حصرية عن إطلاق عملة سورية جديدة بتصميم يعكس تطلعات السوريين نحو الاستقرار، لتكون جزءًا من حزمة السياسات النقدية الرامية لتحقيق التوازن المالي، كما كشف عن خطة لحذف صفرين من العملة السورية، موضحًا أن هذه الخطوة ستسهم في تعزيز ثقة المواطنين وتسهيل التعاملات اليومية، باعتبارها إحدى ركائز الإصلاح النقدي.

وختم حصرية تصريحاته بالتأكيد على أن النظام المصرفي سيكون رافعة أساسية لدعم الاستثمارات في المرحلة المقبلة، عبر توفير بيئة مصرفية آمنة وشفافة، وابتكار منتجات وخدمات مالية حديثة تلبي احتياجات المستثمرين، بما يعزز من مكانة سوريا كوجهة استثمارية واعدة.

قراءة تحليلية وتحديات أمام الإصلاحات

من جانبه، يرى الدكتور ياسر حسين، أستاذ الاقتصاد الدولي، أن خطة مصرف سوريا المركزي، تمثل محاولة جادة لإعادة بناء الثقة في الاقتصاد السوري، لكنها تظل رهينة لعوامل داخلية وخارجية متشابكة.

وأوضح أن الانضمام إلى نظام “سويفت” سيكون خطوة استراتيجية لربط القطاع المصرفي السوري بالنظام المالي الدولي بعد سنوات من العزلة، لكنه شدد على أن الأمر يتطلب توافقًا سياسيًا واسعًا وإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية العالمية التي ما زالت متحفظة تجاه السوق السورية، وقال: “سويفت قد يفتح الأبواب للتحويلات والاستثمارات، لكن نجاحه يتوقف على الإرادة الدولية في دعم عودة سوريا إلى المنظومة المالية العالمية”.

وأشار حسين إلى أن رفع العقوبات عن القطاع المصرفي ساهم في تراجع التضخم وتحسن الليرة، لكنه اعتبر أن هذه المؤشرات الأولية لا تكفي وحدها؛ حيث إنّ “القيمة الحقيقية لأي تحسن اقتصادي لا تقاس فقط باستقرار العملة، بل بقدرة النظام المالي على استقطاب رؤوس الأموال وتحويلها إلى استثمارات إنتاجية مستدامة”.

اقرأ أيضًا: سوريا تطلق أضخم خطة استثمارية بـ14 مليار دولار

الإصلاحات المصرفية وجذب الاستثمارات

حول إعلان المصرف إطلاق عملة جديدة وحذف صفرين من الليرة، رأى حسين أن لهذه الخطوة أبعادًا رمزية واقتصادية، فهي تهدف إلى تسهيل المعاملات اليومية وبناء ثقة نفسية بالعملة، لكنه حذّر من أن أثرها سيكون مؤقتًا إذا لم يقترن بإصلاحات مالية حقيقية، وأضاف: “تجارب دول مثل تركيا والبرازيل أظهرت أن حذف الأصفار ينجح فقط إذا ترافق مع ضبط مالي ونقدي صارم، أما إذا كان معزولًا فسيفقد أثره سريعًا”.

أكَّد حسين أن فتح الباب أمام البنوك الأجنبية ومنح تراخيص جديدة سيطور الخدمات المصرفية ويعزز التنافسية، لكنه شدد على أن المستثمر الأجنبي يحتاج إلى ضمانات سياسية وقانونية قبل المغامرة بالدخول إلى السوق السورية، وقال: “النظام المصرفي هو البوابة لأي استثمار، وإذا نجحت السلطات في توفير بيئة آمنة وشفافة، فقد نشهد تدفقًا تدريجيًا لرؤوس الأموال، خصوصًا من دول الجوار ذات المصالح الاقتصادية المباشرة مع سوريا”.

التحديات الداخلية والخارجية

رغم التفاؤل الحذر، حذّر حسين من التحديات الكبيرة التي تواجه الإصلاحات:

  • داخليًا: تحتاج البنوك إلى إعادة رسملة شاملة، وتطوير بنيتها التكنولوجية، وتبني أنظمة صارمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
  • خارجيًا: يبقى الانفتاح على الأسواق العالمية مرهونًا بمدى استجابة المؤسسات المالية الغربية والدولية، مثل صندوق النقد والبنك الدولي، وهو ما يتطلب توافقات سياسية عابرة للحدود.

وفي نهاية تصريحاته قال حسين: “خطة المصرف المركزي تعكس طموحًا لإعادة بناء النظام المصرفي من الصفر تقريبًا، لكن نجاحها يتوقف على بيئة سياسية مستقرة وشراكات مالية دولية قوية، والسنوات الثلاث المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الاقتصاد السوري قادرًا على النهوض مجددًا أم سيظل رهين الضغوط الدولية والتحديات الداخلية”.

قد يهمّك أيضًا: عودة سوريا إلى نظام سويفت.. بداية جديدة للنظام المالي والاستثماري

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة