دفعة واحدة تحولت غرينلاند من ملف سيادي إلى محفز مالي يضغط على شهية المخاطرة عالميًا، بعدما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتجاه “صفقة للشراء الكامل والكلي” للجزيرة، وقرن ذلك بتهديدات جمركية ضد دول أوروبية، فكانت النتيجة تراجعات حادة في الأسهم على جانبي الأطلسي، وانعطافة سريعة نحو الملاذات الآمنة، ثم صعود فكرة أكثر تطرفًا: هل يمكن أن ترد أوروبا بسلاح حيازاتها الضخمة من الأصول الأمريكية، التي تتجاوز 10 تريليونات دولار داخل الاتحاد الأوروبي وحده؟
هذه ليست مجرد فرضية نظرية، ومجرد تداولها على ألسنة كبار الاستراتيجيين يعكس أن سوق 2026 لم يعد يقيس المخاطر بالاقتصاد فقط، بل بات يخصم السياسة الجيوسياسية مباشرة في الأسعار.
يوم بيع قاس على وول ستريت.. وأخف في أوروبا
جلسة الثلاثاء الماضي كانت أول اختبار كامل لوول ستريت بعد عطلة الاثنين، وقد جاءت على وقع تهديد ترامب بفرض رسوم جديدة على ثماني دول أوروبية، واتسعت عمليات البيع في نيويورك، حتى انتهت المؤشرات الأمريكية الرئيسية على انخفاضات لافتة؛ حيث أغلق مؤشر S&P 500 منخفضًا 2.1%، وتراجع مؤشر داو جونز الصناعي 1.8%، فيما هبط مؤشر ناسداك 2.4%، وسهم أمازون 2.9%، وأسهم تسلا وإنفيديا بأكثر من 3% لكل منهما، أما الدولار الأمريكي فقد تراجع 0.9% أمام سلة عملات.
في أوروبا كانت الخسائر أقل حدة لكنها متزامنة، ما يشير إلى أن التوتر ليس محليًا بل عابر للأطلسي؛ فقد تراجع فوتسي 100 البريطاني 0.7%، وكاك 40 الفرنسي 0.6%، أما داكس الألماني فتراجع 1%، وفوتسي إم آي بي الإيطالي 1.1%.
قراءة السوق هنا واضحة، فالرسالة السياسية تحولت إلى تكلفة رأسمالية، والمستثمر لا يحتاج لمعرفة الشكل النهائي للتعرفة كي يبيع، يكفيه أن تتسع مساحة عدم اليقين الاقتصادي.
الرسوم كأداة “حوار”.. لكن السوق يسمع كلمة “حرب”
اللافت أن الإدارة الأمريكية حاولت في دافوس تقديم التهديدات باعتبارها تكتيكًا تفاوضيًا، وفي هذا السياق دافع وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك عن الرسوم بنبرة متفائلة، قائلًا إن “العولمة فشلت في خدمة الغرب والولايات المتحدة” وإن ترامب يستخدم الرسوم “كوسيلة لفتح باب الحوار”، متوقعًا صمود الاتفاقات التجارية مع أوروبا والمملكة المتحدة وأن المسار المرجح هو الدبلوماسية لا التصعيد.
لكنّ السوق لا يشتري العبارات المطمئنة عندما تكون المواعيد والأرقام محددة، فقد تحدث ترامب عن رسوم تبدأ عند 10% في 1 فبراير وترتفع إلى 25% في 1 يونيو على دول أوروبية، وهدَّد أيضًا برسوم 200% على النبيذ والشمبانيا الفرنسيين، ولم تكن كلماته مجرّد “تلميحات”، بل جداول زمنية ترفع علاوة المخاطر على الأصول.
من الجانب الأوروبي ظهرت لغة مختلفة؛ حيث تحدّثت وزيرة الخزانة البريطانية رايتشل ريفز عن “الأمن الاقتصادي” وذكرت واشنطن بتحالفاتها، ودعت لخفض التصعيد مؤكدة أن “مستقبل غرينلاند يقرره شعبها”. وفي الوقت نفسه، كان صوت بروكسل أشد صرامة، إذ حذّرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين من أن رد الاتحاد سيكون “حازمًا، موحدًا”، مضيفة: “الصفقة تبقى صفقة”.
اقرأ أيضًا: السيطرة على غرينلاند تشعل المواجهة بين واشنطن وأوروبا
ملاذات آمنة في لحظة واحدة.. الذهب فوق 4800 دولار
حين تتعقد السياسة تختصر الأسواق ردَّها في إجابة واحدة، وهي التحوط ضد المخاطر، فمع موجة التراجع اتجه المستثمرون إلى الملاذات الآمنة، وبلغ الذهب والفضة مستويات قياسية.
الجدير بالذكر أنّ الذهب قفز بالفعل فوق 4800 دولار للأونصة للمرة الأولى، أما الفضة فقد سجَّلت 95.52 دولارًا للأونصة، وهذا يعني أن السوق لم يتعامل مع أزمة غرينلاند كضوضاء عابرة، بل كحدث قادر على إطالة أمد الضبابية، وعندما يصعد الذهب بهذا الشكل فهو لا يقرأ الرسوم فقط، بل يقرأ احتمالات التصعيد وسيناريوهات كسر الثقة بين الحلفاء.
اتفاق الصيف الماضي.. 750 مليار طاقة و600 مليار استثمارات
في خلفية هذا كله، يوجد اتفاق تجاري بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تم التوصل إليه في الصيف الماضي، كان أحد أعمدة التهدئة التي تهددها الرسوم الجديدة، ويتضمن عناصر كبيرة الحجم؛ هي مشتريات طاقة أمريكية بقيمة 750 مليار دولار، واستثمارات أوروبية في الولايات المتحدة بقيمة 600 مليار دولار، بالإضافة إلى خفض للرسوم على واردات أوروبية بمليارات الدولارات.
وعندما يلوح شريك برسوم جديدة فوق هذا الإطار، فهو لا يضغط على ميزان التجارة فقط، بل يفتح بابًا للتشكيك في معنى الصفقة ذاته، لذلك جاءت عبارة فون دير لاين عن المصافحة ومعناها، لأنها في جوهرها رسالة للسوق فحواها أنّ قواعد اللعبة نفسها قد تتغير.
أدوات الرد الأوروبية.. من الرسوم إلى “بازوكا التجارة”
ما يحدث يضع أمامنا خارطة رد أوروبية متعددة الطبقات، تبدأ من الأقل تطرفا وتنتهي بالأشد حساسية، وتتمثل فيما يأتي:
أولا: الرسوم الانتقامية
خلال مفاوضات العام الماضي، أعدت بروكسل قائمة تضم 4800 فئة من الصادرات الأمريكية لفرض رسوم عليها، تشمل الويسكي وفول الصويا والطائرات والسيارات، بقيمة إجمالية تبلغ 108 مليارات دولار، ومن المقرر أن تدخل هذه القائمة حيز التنفيذ في 7 فبراير ما لم يصوت البرلمان الأوروبي على تجميدها.
ثانيا: أداة مكافحة الإكراه “ACI” أو “بازوكا التجارة”
هذه الأداة، التي أقرت أواخر 2023 ولم تستخدم من قبل، أوسع من الرسوم التقليدية، ويمكنها أن تمتد إلى تقييد الاستثمارات، والحد من صادرات الخدمات، وخاصة خدمات شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى داخل الاتحاد، إضافة إلى قيود على الواردات والصادرات عبر حصص وتراخيص، وحتى تعليق حقوق الملكية الفكرية، لكنها عمليًا سلاح ثقيل وبطيء، وتفعيلها يتطلب تحقيقًا قد يمتد 10 أشهر ثم موافقة أغلبية معززة من الدول الـ27، كما أنَّ دولًا مثل ألمانيا تدفع باتجاه خفض التصعيد.
ثالثا: الترقب القانوني داخل الولايات المتحدة
الأوروبيون يترقبون قرار المحكمة العليا الأمريكية بشأن قانونية رسوم ترامب، في ظل استناد البيت الأبيض إلى قانون “IEEPA” لتبرير الرسوم بدعوى الأمن القومي، بينما رأت محكمة استئناف اتحادية سابقًا أنَّ القانون لا يمنح الرئيس صراحة سلطة فرض الرسوم أو الضرائب. ومع ذلك، تقول الإدارة الأمريكية إنها ستستبدل أي رسوم تلغى بأخرى جديدة فورًا إذا لزم الأمر، ما يعني أن المسار القضائي قد لا يكون كافيًا وحده لتبريد المخاطر.
رابعا: الدفاع العسكري عن غرينلاند
الخيار العسكري مستبعد، لكن الدنمارك عززت وجودها العسكري، وأرسلت دول أوروبية أخرى عناصر عسكرية، في ظل سياسة حافة الهاوية، لكن مجرد وجود هذه الفكرة في النقاش يضيف طبقة أمنية إلى ملف تجاري، ما يرفع حساسية الأسواق.
اقرأ أيضًا: أوروبا تلوّح بسلاح الرسوم أمام ترامب بسبب غرينلاند
“بيع الأصول الأمريكية”.. السلاح الذي يخيف السوق ويؤذي حامله
هنا تصل القصة إلى أكثر نقاطها إثارة للجدل، وهي بيع الأصول الأمريكية، وهي فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها لأنّ أوروبا تمتلك تريليونات الدولارات من السندات والأسهم الأمريكية، وبيعها على نطاق واسع قد يرفع تكلفة الاقتراض الأمريكي ويضغط على الأسهم، نظرًا لاعتماد الولايات المتحدة الكبير على رؤوس الأموال الأجنبية، ولكن هناك ثلاثة قيود تفسر السبب الذي يجعل المحللين يرونها احتمالاً منخفضًا رغم جاذبيتها السياسية:
الملكية ليست حكومية في معظمها
الغالبية العظمى من الأصول الأمريكية المحتفظ بها في أوروبا تقع لدى مستثمرين من القطاع الخاص، وليس تحت سيطرة الحكومات، أي أنَّ صانع القرار الأوروبي لا يملك زر البيع.
الضرر سيرتد على المستثمر الأوروبي
بيع واسع يعني خسائر مالية على حاملي الأصول أنفسهم، وهو ما يجعل تحويل الاستثمارات إلى أداة سياسية قرارًا مكلفًا داخليًا.
أثر سعر الصرف ليس في صالح أوروبا
البيع قد يضعف الدولار ويقوي اليورو، ما يربك اقتصادات أوروبا ويضغط على تنافسيتها، لذلك يصبح السلاح ذا حدين، وقد يكون حدّه الأوروبي أكثر إيلامًا.
وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت رفض الفكرة واعتبرها “سردية زائفة لا تستند إلى منطق”، لكن السوق لا يحتاج أن يتفق مع بيسنت كي يخاف من النقاش، ويكفي أن يتحدث عنها رأس أبحاث العملات العالمية في “دويتشه بنك” كمخاطر “تسليح رأس المال”، حتى تتحول إلى عامل تسعير.
اقرأ المزيد حول وهم بيع الأصول الأمريكية في السوق الأوروبية
أكثر من 10 تريليونات داخل الاتحاد
أهم ما يرفع ثقل هذه الفرضية ليس الخطاب، بل الحجم؛ فوفقا لبيانات وزارة الخزانة الأمريكية، تبلغ قيمة الأصول الأمريكية المحتفظ بها داخل الاتحاد الأوروبي أكثر من 10 تريليونات دولار، إضافة إلى أصول أخرى في المملكة المتحدة والنرويج، ما يفسر السبب الذي يجعل البعض يرون أن أوروبا تمتلك “نفوذًا نظريًا” حتى لو كان التنفيذ صعبًا.
في هذه الصورة يظهر استثناء مهم، وهو الصندوق السيادي النرويجي الذي تبلغ قيمته 2.1 تريليون دولار، وهو من أكبر حائزي الأصول العالمية، ويقع ضمن القطاع العام، ما يجعله نظريًا أكثر قابلية للتحرك مقارنة بصناديق خاصة. ومع ذلك، يميل المحللون إلى ترجيح سيناريو أقل حدة يتمثل في وقف زيادة الحيازات بدلًا من اللجوء إلى البيع المباشر، وهو ما يعكس حساسية الأسواق تجاه أي خطوات قد تؤدي إلى اضطرابات واسعة في موازين السيولة والتسعير.
ينقل كيت جوكس من “سوسيتيه جنرال” أن العجز الصافي في الاستثمارات الدولية للولايات المتحدة ضخم ويشكّل تهديدًا محتملًا للدولار، “لكن فقط إذا كان حاملو الأصول الأمريكية في الخارج مستعدين لتحمل الخسائر المالية”.
ويضيف جوكس الفكرة الأكثر جوهرية في هذا السياق: “قد يتوقف مستثمرو القطاع العام الأوروبيون عن زيادة حيازاتهم أو يبدأون في البيع، لكن غالبًا ما يلزم أن تتصاعد الأمور بدرجة أكبر بكثير قبل التضحية بعوائد الاستثمارات لأسباب سياسية”، وهذا تحديدًا ما يجعل ورقة الأصول أداة خطيرة كتهديد استراتيجي، لا كخطة قابلة للتنفيذ الفوري.
من حرب تجارية إلى صراع مالي.. التحول الذي يخشاه الجميع
إذا انتقلت أوروبا من الرسوم الانتقامية إلى نقاش الأصول، فإن نوع الصراع يتغير، فالرسوم التجارية تؤلم عبر الأسعار والتجارة؛ أما الصراع المالي فيضرب مباشرة تكلفة التمويل وأسواق رأس المال، وسيكون تصعيدًا حادًا يحول حربًا تجارية تجاهلها المستثمرون إلى حد كبير سابقًا إلى مواجهة تؤثر مباشرة على تدفقات رأس المال.
وهنا تأتي الجملة المفتاحية لدويتشه بنك: “الولايات المتحدة، رغم قوتها العسكرية والاقتصادية، لديها نقطة ضعف رئيسية، هي اعتمادها على الآخرين لتمويل عجزها عبر تدفقات رأس المال الخارجية”.
وفي حال شعر الأوروبيون أن استقرار التحالف الغربي الجيو-اقتصادي يواجه تهديدًا وجوديًا، يصبح السؤال: لماذا يواصلون لعب هذا الدور؟ هذا سؤال سياسي بقدر ما هو مالي، والسوق يلتقطه بسرعة لأنه يتصل بقاعدة غير مكتوبة في النظام المالي العالمي، فالثقة المتبادلة بين الحلفاء جزء من بنية تسعير الدولار والأصول الأمريكية.
ما الذي يحمي الدولار؟
هناك أيضًا رأي مضاد، فبعض المستثمرين ربما خفضوا بالفعل انكشافهم على الأصول الأمريكية بعد رسوم “يوم التحرير” في أبريل الماضي، وهو ما قد يجعل السوق أقل حساسية لصدمة جديدة.
جين فولي من رابوبنك تقول إن من المنطقي افتراض أن إعادة توازن للمراكز الدولارية حدثت بالفعل، ما قد يحميها من موجة قلق جديدة. وفي المقابل لا يزال الدولار يعاني من تداعيات الموجة السابقة، لكن سندات الخزانة الأمريكية سجلت أفضل أداء سنوي لها منذ 2020، فيما واصلت الأسهم الأمريكية تحطيم أرقام قياسية، وهذا التناقض يعني أن السوق قد يكون أعاد تموضعه جزئيًا، لكنه لم يفقد جاذبية العائد الأمريكي كليًا.
السيناريو الأكثر ترجيحا.. “إبطاء” لا “تفجير”
كل الوقائع الواردة تقود إلى استنتاج عملي مفاده أن أوروبا تمتلك ورقة أصول أمريكية ذات وزن هائل، غير أن استخدامها كسيف مباشر يظل ضعيف الاحتمال نظرًا لكلفته العالية على المستثمر الأوروبي، ولصعوبة التحكم في ملكيات خاصة واسعة ومتداخلة.
وبالتالي، يبدو السيناريو الأكثر واقعية قائمًا على خطوات أقل دراماتيكية وأكثر قابلية للتنفيذ، مثل وقف زيادة الحيازات، أو تحفيز الاستثمار في أصول مقوّمة باليورو، أو تفعيل أدوات الرد التجاري التقليدية، وعلى رأسها قائمة الرسوم البالغة 108 مليارات دولار.
لكن مجرد وجود خيار “تسليح رأس المال” في النقاش يغير قواعد اللعبة لأنه يضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى العلاقة عبر الأطلسي؛ حيث لم تعد المعركة حول سلع ورسوم فقط، بل حول من يمول من، ومن يملك قدرة تحويل التمويل إلى نفوذ، وغرينلاند ليست جزيرة في هذا المشهد. إنها اختبار للسوق: هل ما زالت السياسة الخارجية حبيسة البيانات، أم أنها أصبحت قادرة على تحريك تريليونات الدولارات بكلمة واحدة؟
اقرأ المزيد: القطب الشمالي.. ساحة الصراع الجديد على الموارد