دلالات إلغاء وزارة قطاع الأعمال.. هل تتجه مصر للخصخصة الكاملة؟

أثار قرار الحكومة المصرية الجديدة بإلغاء وزارة قطاع الأعمال العام ضمن التعديل الوزاري الأخير جدلًا واسعًا داخل الأوساط البرلمانية والاقتصادية في البلاد.

وكان السفير محمد الشناوي المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية، قد أعلن أن التعديل الوزاري تضمن إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام، مع تكليف رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، باتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة توزيع الاختصاصات والإشراف على الشركات التابعة خلال المرحلة الانتقالية.

علمًا أنّ الوزارة تشرف على 6 شركات قابضة تعمل في قطاعات استراتيجية تشمل السياحة والفنادق، والصناعات الدوائية، والصناعات الكيماوية والمعدنية، والغزل والنسيج، والتشييد والبناء، ويتبع لهذه الشركات نحو 66 شركة أخرى تعمل في مجالات إنتاجية وخدمية متنوعة.

خطة شاملة لإعادة تنظيم الشركات المملوكة للدولة

تعمل الحكومة حاليًا على إعداد خطة شاملة لإعادة تنظيم الشركات المملوكة للدولة، وتشمل نحو 60 شركة يتم تقييم أوضاعها المالية والإدارية لاتخاذ قرارات بشأن مستقبلها، مغ احتمالية نقل ملكية نحو 40 شركة إلى صندوق مصر السيادي بهدف إعادة هيكلتها وجذب شركاء استراتيجيين، بينما من المتوقع طرح نحو 20 شركة أخرى في البورصة المصرية لتوسيع قاعدة الملكية وزيادة مشاركة المستثمرين المحليين والأجانب، بما يحقق دمج القطاع العام والخاص في إدارة النشاط الاقتصادي.

وأكد هاشم السيد، مساعد رئيس الوزراء والرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة، أن الحكومة تهدف وفق خطة متكاملة إلى رفع كفاءة إدارة الأصول الاقتصادية وتعظيم العائد منها، مع ضمان استمرار النشاط الإنتاجي لهذه الشركات واستمرار دورها التنموي، بما يحقق التوازن بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية.

كما عقد رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، اجتماعًا مع نائبه للشؤون الاقتصادية، حسين عيسى، لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة، وعلى رأسها ملف إعادة تنظيم الشركات المملوكة للدولة بعد التعديلات الحكومية الأخيرة، وشدد مدبولي على ضرورة الإسراع في إجراءات إعادة الهيكلة، باعتبارها أحد الملفات الرئيسية لتعظيم مساهمة أصول الدولة في الناتج المحلي، ورفع كفاءة استخدام الموارد الاقتصادية.

وناقش في الاجتماع آليات التعامل مع التداعيات التنظيمية الناتجة عن إلغاء الوزارة، مؤكدًا على ضرورة استمرار العمل داخل الشركات دون تعطّل أو ارتباك إداري، والإسراع في إصدار القرارات التنفيذية المنظمة لانتقال الاختصاصات، لضمان استمرارية العمليات التشغيلية وحماية استثمارات الدولة.

اقرأ أيضًا: مصر على جدول اجتماعات صندوق النقد الدولي.. تمويل 2.3 مليار دولار

مخاوف برلمانية من غياب الرؤية الإدارية ومصير العمالة

تقدم  النائب أحمد جبيلي، عضو مجلس النواب، بطلب إحاطة عاجل للاستفسار عن المسار الإداري الجديد، مشيرًا إلى أن غياب رؤية واضحة قد يخلق حالة من عدم اليقين خلال المرحلة الانتقالية، ويؤثر على استقرار الشركات وحقوق العمال. وأوضح أن الوزارة كانت تشرف على عدة شركات توفر آلاف فرص العمل وتساهم في دعم سلاسل الإنتاج المحلية، مؤكدًا أن وضوح الهيكل المؤسسي الجديد ضروري لضمان استمرار الأداء الإيجابي لهذه الشركات.

وأشار عضو مجلس النواب إلى أن نتائج العام المالي 2024/2025 أظهرت مؤشرات أداء جيدة، حيث بلغت الإيرادات نحو 126 مليار جنيه بنمو يقارب 20% مقارنة بالعام السابق، فيما وصل صافي الربح المجمع إلى نحو 24 مليار جنيه، كما ارتفعت الصادرات بنحو 27% لتصل إلى نحو مليار دولار، إلى جانب زيادة القيمة السوقية للشركات المدرجة في البورصة بنسبة 36%.

وشدد جبيلي على أهمية وجود إطار حوكمة واضح بعد إلغاء الوزارة لضمان استقرار القرارات الإدارية واستمرار التطوير دون تعطّل، وعدم تكرار أي خلل إداري قد يضر بأصول الدولة.

كما تقدم النائب أحمد بلال البرلسي ببيان عاجل طالب فيه الحكومة بتوضيح مستقبل شركات قطاع الأعمال، مؤكدًا أن إلغاء وزارة بهذا الحجم الاقتصادي يتطلب إعلان تصور متكامل يحدد الجهة المسؤولة عن إدارة الأصول خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع ضخامة حجم الشركات والأصول التابعة للوزارة.

وأشار البرلسي إلى أهمية البعد الصناعي للقرار، خاصة في قطاع الغزل والنسيج الذي شهد استثمارات تجاوزت 550 مليون يورو خلال السنوات الماضية لتحديث المصانع وإعادة تأهيل البنية الإنتاجية، مؤكدًا ضرورة استمرار هذه الخطط تحت إشراف جهة واضحة لضمان تحقيق الأهداف الصناعية والتنموية.

وأبدى البرلسي مخاوف تتعلق بمستقبل العمالة، مشددًا على ضرورة وضع خطة متوازنة تضمن تحقيق الإصلاح الاقتصادي مع الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وضمان حقوق العاملين داخل هذه الشركات، خاصة مع الأهمية الاقتصادية والاجتماعية للملف.

وأضاف البرلسي أن غياب إعلان رسمي واضح حتى الآن يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة بشأن تبعية الشركات، سواء لنقلها إلى وزارات قطاعية أو إلى الصندوق السيادي، وهو ما يثير قلقًا بين العاملين والمستثمرين.

قد يهمّك أيضًا: تفاصيل حزمة الحماية الاجتماعية الجديدة في مصر.. بقيمة 40 مليار جنيه

التحول نحو قانون 159 لشركات

من جانبه، أكد الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن المطالبات بإلغاء الوزارة ليست جديدة، بل كانت قائمة منذ فترة طويلة، قبل إنشاء الكيانات البديلة مثل وحدة إدارة الأصول التابعة لرئيس مجلس الوزراء، والصندوق السيادي، والأذرع التابعة لوزارة التخطيط، والتي يمكنها إدارة الأصول بشكل أفضل وأكثر كفاءة

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن خطة الحكومة تتضمن تحويل هذه الشركات تدريجيًا إلى شركات عادية وفق قانون 159 للشركات، وهو القانون الأساسي لجميع الشركات في مصر، خلال فترة انتقالية، مما يعني احتمال إلغاء قانون 203 الاستثنائي الذي كان يميز بعض الشركات عن غيرها دون سبب واضح، واعتبر أن هذا التوجه يمنح مهلة لتسوية أوضاع الشركات وتحويلها إلى شركات قابلة للتداول والاستثمار، بما يتماشى مع أهداف الإصلاح الاقتصادي.

وأوضح عبد الهادي أن توزيع الشركات سيتم وفق طبيعتها ووظائفها، حيث ستنقل بعض الشركات إلى الصندوق السيادي لتحويلها من آليات القطاع العام إلى القطاع الخاص، بما يتيح لها الدخول في شراكات واستثمارات بطريقة مرنة، كما سيتم طرح بعض الشركات مباشرة في البورصة، فيما ستسنَد الشركات المتبقية إلى جهات متخصصة لإعادة هيكلتها وتحويلها إلى شركات ربحية.

وشدد الخبير على أن جميع هذه الإجراءات لن تؤثر على النظام التشغيلي للشركات إذا تم دعمها بالكفاءات المناسبة والرقابة المالية والقانونية عبر مجالس الإدارة والجهاز المركزي للمحاسبات.

وأكد الدكتور عبد الهادي أن هذه الإجراءات “تعكس توجهًا جديدًا لإصلاح الشركات المصرية وتعظيم قيمتها الاقتصادية، سواء بقيت ضمن الدولة أو انتقلت جزئيًا إلى المستثمرين”، مشيرًا إلى أن الهدف الأساسي هو زيادة مساهمة هذه الشركات في الاقتصاد القومي وتحقيق أفضل استفادة عامة، دون تحميل الدولة أعباء إضافية أو ديون غير ضرورية.

مكاسب طرح الشركات في البورصة

حول تأثير نقل الشركات إلى الصندوق السيادي أو طرحها في البورصة، أوضح عبد الهادي أن الانعكاسات ستكون إيجابية إذا كانت الشركات مؤهلة للطرح، حيث توفر هذه الخطوة نافذة تمويلية للشركات وتعزز سيولة الأسواق، وتجذب رؤوس الأموال الداخلية والخارجية، بما فيها الاستثمارات غير المباشرة الأكثر استقرارًا، وهي استثمارات لا تزيد الدين الخارجي.

وأضاف أن الطرح في البورصة أو مشاركة المستثمرين يخلق زخمًا إضافيًا في أسواق المال ويقلل الاعتماد على الدولة كمنافس للقطاع الخاص، ما يحد من الأعباء والديون الناتجة عن دعم الشركات غير القادرة على المنافسة.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن ملف الشركات المملوكة للدولة معقد ومتشابك، وأن التعامل معه في الماضي عبر أكثر من سيناريو لم يحقق النتائج المرجوة، رغم تغيير وزرائها عدة مرات، وتحسن بعض المؤشرات مثل خفض الخسائر وزيادة عدد الشركات الرابحة نسبيًا، إلا أن الإيرادات لا تزال محدودة مقارنة برأس المال المستثمر.

وقد أكَّد عبد الهادي أخيرًا أن إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام يأتي ضمن توجه الحكومة لدفع الشركات من آليات الحكومة التقليدية إلى آليات القطاع الخاص، مع مراعاة توزيع الشركات بحسب طبيعتها ووظائفها.

وأضاف أن بعض الشركات ستنتقل إلى الصندوق السيادي لتحويلها من القطاع العام إلى القطاع الخاص، بما يسمح لها بالدخول في شراكات مع المستثمرين بسهولة، وسيتم طرح شركات أخرى في البورصة، واسناد الباقي إلى جهات متخصصة لإعادة هيكلتها وتحويلها إلى الربحية، بهدف تعزيز النشاط الاقتصادي وتحقيق مشاركة عادلة للقطاع الخاص مع ضمان الاستفادة العامة.

قد يهمّك أيضًا: المركزي المصري يدشن مرحلة “التيسير المنضبط” لدعم النمو الاقتصادي

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة