دولار الصاغة يربك سوق الذهب في مصر.. هل تعود السوق السوداء؟

وسط تصاعد المخاوف من عودة السوق السوداء للدولار في مصر، خاصة بعد ارتفاعه في البنوك بنحو 10% منذ اندلاع التوترات الأمريكية الإيرانية، عاد ما يُعرف بـ”دولار الصاغة” للظهور مجددًا، والذي يعتبره البعض مؤشرًا مبكرًا على عودة ظاهرة الدولرة، لا سيما مع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي الذي يدور حول 52.70 جنيهًا، وسعر الصاغة الذي بلغ نحو 55 جنيهًا، وهو ما يرفع سعر جرام الذهب للمشتري بأكثر من 250 جنيهًا تقريبًا. 

وقال الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، مُعلقًا على التطورات الأخيرة التي يشهدها سوق الذهب في مصر، إن ما يحدث حالياً يعكس حالة واضحة من الاختلال في آليات التسعير، مشيراً إلى أن الارتفاع المستمر فيما يعرف بـ”دولار الصاغة” يأتي في وقت تتجه فيه الأسعار العالمية للذهب نحو التراجع، وهو ما يمثل مفارقة اقتصادية لافتة لم تعد مجرد حالة مؤقتة، بل تحولت إلى مؤشر حقيقي على وجود تشوهات هيكلية داخل السوق المحلي.

أسباب صعود دولار الصاغة في السوق المحلي

أوضح شوقي أن ارتفاع دولار الصاغة لا يرتبط بشكل مباشر بالسعر العالمي للذهب، بل يعكس مجموعة من الضغوط والعوامل الداخلية، في مقدمتها سلوكيات التحوط والمضاربة، وأضاف أن الذهب لم يعد يستخدم فقط كمخزن للقيمة، بل تحول إلى أداة للمضاربة على سعر الصرف، حيث يؤدي أي توقع بارتفاع الدولار إلى زيادة الطلب على الذهب، وهو ما يدفع بدوره إلى رفع سعر دولار الصاغة.

أشار شوقي إلى أنَّ السوق بات يعتمد بشكل مفرط على التسعير بالتوقعات المستقبلية بدلاً من الأساسيات الاقتصادية الفعلية، حيث يتم تسعير الذهب وفقاً لتوقعات سعر الدولار في المستقبل، وليس بناءً على السعر الحالي فقط.

كما لفت إلى أن احتمالات تراجع المعروض من العملات الأجنبية –سواء من الاستثمارات الأجنبية أو إيرادات السياحة أو تحويلات العاملين بالخارج– تخلق ضغوطاً إضافية على السوق، تنعكس مباشرة على ارتفاع دولار الصاغة باعتباره مؤشراً غير رسمي على مستوى السيولة الدولارية.

تداعيات انفصال السعر المحلي عن العالمي

فيما يتعلق بالآثار الاقتصادية لظاهرة “دولار الصاغة”، حذَّر الدكتور أحمد شوقي من عدة تداعيات سلبية، أبرزها:

  • أولاً، تشوه آلية التسعير، حيث يؤدي انفصال السعر المحلي للذهب عن السعر العالمي إلى فقدان السوق لكفاءته، ويجعل الذهب لا يعبر عن قيمته الحقيقية، بل عن اختلالات السوق وسعر الصرف.
  • ثانياً، عودة ظاهرة الدولرة، إذ يسهم ارتفاع دولار الصاغة في تعزيز ثقافة التسعير بالدولار داخل السوق المحلي، مما يضعف الثقة في العملة الوطنية ويزيد من الطلب غير المنتج على النقد الأجنبي.
  • ثالثاً، إعادة إحياء السوق الموازية من خلال ظهور سعر ضمني للدولار داخل سوق الذهب، وهو ما يعقد قرارات الاستثمار والتجارة ويزيد من حالة عدم اليقين.
  • رابعاً، ارتفاع المخاطر على المستهلكين والمستثمرين، حيث قد يقوم الأفراد بشراء الذهب عند مستويات مرتفعة محلياً رغم انخفاضه عالمياً، ما يعرضهم لخسائر محتملة عند تصحيح سعر الصرف.
  • خامساً، وجود ما يمكن وصفه بـ”تضخم خفي”، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الذهب محلياً إلى تغذية التوقعات التضخمية، حتى في ظل استقرار أو تراجع الأسعار العالمية.
  • سادساً، زيادة حدة المضاربات قصيرة الأجل داخل السوق، مقابل تراجع الطلب الاستهلاكي الحقيقي، وهو ما يرفع من درجة التذبذب وعدم الاستقرار في الأسعار.
  • سابعاً، تحول مسارات السيولة من الأنشطة الإنتاجية إلى الأصول التحوطية، نتيجة تراجع الاستثمار الحقيقي لصالح الاكتناز، وهو ما يؤثر سلباً على النمو الاقتصادي.

اقرأ أيضًا: أسبوع مضطرب للذهب والفضة.. النفط والدولار يقودان المشهد

موقف السياسات النقدية للبنك المركزي المصري

من جانبه، قال محمد محمود، الباحث الاقتصادي، إن هناك شريحة من المتابعين ترى أن “دولار السوق الموازية” يمثل مؤشرًا مهمًا على احتمالية عودة السوق السوداء في مصر، إلا أنه يختلف مع هذا التقييم في المرحلة الحالية، ولا يرى أن هذه المؤشرات تعكس بالضرورة عودة حقيقية للسوق الموازية.

وأوضح محمود أن هذا التقدير يستند إلى طبيعة السياسات التي يتبعها البنك المركزي المصري في الوقت الراهن، والتي أصبحت أقرب إلى آليات السوق الحر، مقارنة بما كان يحدث في فترات سابقة كانت تتسم بقدر أكبر من التدخل المباشر في تسعير العملات.

وأضاف أن أحد الفوارق الجوهرية بين الوضع الحالي والفترات السابقة، يتمثل في أن الدولار أصبح متاحًا داخل البنوك التجارية، حتى وإن كان بشكل نسبي، إلا أنه يطرح وفق الأسعار الحقيقية في السوق، دون وجود تثبيت إداري صارم للسعر.

وأشار إلى أنه في السابق كان يتم تثبيت سعر الدولار داخل البنوك مع عدم توفره فعليًا، وهو ما كان يؤدي إلى وجود فجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، الأمر الذي ساهم بشكل مباشر في ظهور وانتعاش السوق السوداء، باعتبارها البديل الوحيد لتلبية الطلب.

وتابع أن هذا النمط لم يعد قائمًا حاليًا، حيث تشهد أسعار الدولار داخل البنوك تحركات صعودًا وهبوطًا بشكل طبيعي، في نطاقات تتراوح بين الزيادة والانخفاض بنسبة تصل إلى 5% أو 6%، وهو ما يراه ضمن الحدود الطبيعية في ظل نظام أقرب إلى سعر الصرف المرن.

وأكد أن هذه التحركات السعرية لا يجب تفسيرها على أنها مؤشر اضطراب، بل على العكس تعكس وجود مرونة في السوق، وقدرة على امتصاص التغيرات في العرض والطلب دون اللجوء إلى تثبيت مصطنع للأسعار.

قد يهمّك أيضًا: موازنة مصر 2026/2027.. طموحات النمو وتحديات الدين العام

دلالات التحركات السعرية الحالية في سوق الصرف

فيما يتعلق بما يتم تداوله عن “دولار السوق الموازية”، أو ما يُعرف بـ”دولار الصاغة”، أوضح محمود أنه ينظر إليه باعتباره أزمة مؤقتة، قد تمثل جرس إنذار يستدعي المتابعة، لكنها لا ترقى حتى الآن إلى مستوى الظاهرة المنظمة التي تشير إلى عودة السوق السوداء بشكل كامل.

وأضاف أن من بين المؤشرات التي تدعم هذا التقييم أيضًا، الانخفاض الملحوظ في أسعار الذهب خلال الفترة الأخيرة، مشيرا إلى أن الذهب يُعد من الأدوات المرتبطة بحركة الدولار، وبالتالي فإن تراجعه يعكس غياب ضغوط كبيرة أو اختلالات حادة في سوق الصرف.

وأوضح أن التحركات الحالية، سواء في أسعار الدولار أو الذهب، لا تزال تدور داخل نطاقات طبيعية يمكن تفسيرها في إطار التذبذبات المعتادة في الأسواق، دون أن تعكس حالة فقدان للسيطرة أو اضطراب هيكلي.

وشدد محمود على أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات قوية أو واضحة تدل على عودة السوق السوداء بالشكل الذي شهدته مصر في فترات سابقة، خاصة خلال الأزمات الكبرى، مثل تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، والتي تزامنت مع نقص حاد في العملة الأجنبية، وأدت إلى فقدان جزئي للسيطرة على القطاع المصرفي.

وأكد أن المقارنة بين الوضع الحالي وتلك الفترات ليست دقيقة، نظرًا لاختلاف الأدوات والسياسات المتبعة، بالإضافة إلى تحسن نسبي في آليات إدارة سوق الصرف.

دور المضاربات في تشكيل دولار الصاغة

أشار محمود إلى أن دولار الصاغة يرتبط في جزء كبير منه بحركات مضاربية محدودة داخل السوق، خاصة في القطاعات المرتبطة بالذهب والتجارة، وهو ما يجعله مؤشرًا جزئيًا لا يمكن تعميمه على سوق الصرف بالكامل.

وأوضح أنَّ هذه التحركات غالبًا ما تكون قصيرة الأجل وتعكس سلوكيات تداولية أو مضاربية أكثر منها تعبيرًا عن اختلال حقيقي في توازن العرض والطلب على الدولار، مشيرًا إلى أن ربط هذه الظاهرة بعودة السوق السوداء بشكل شامل قد يكون مبالغًا فيه.

واختتم محمود تصريحاته بالتأكيد على أن الوضع الحالي يتطلب متابعة دقيقة، خاصة أن بعض المؤشرات قد تمثل إشارات مبكرة يجب الانتباه لها، إلا أن الصورة العامة حتى الآن لا تدعم فرضية عودة السوق السوداء بشكل واسع أو منظم، بل تشير إلى تحركات طبيعية في إطار سوق أكثر مرونة وانضباطًا مقارنة بالماضي.

قد يهمّك أيضًا: رفع أسعار الوقود في مصر.. الأسباب والتداعيات الاقتصادية؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة