دول الخليج تدرس خطوط أنابيب جديدة لتفادي مضيق هرمز

لعقود مضت، ظل مضيق هرمز يمثل الشريان الحيوي الذي لا يمكن تجاوزه في معادلات الطاقة العالمية؛ فإليه استندت استراتيجيات الشحن الخليجية، وعبّرت من خلاله إمدادات النفط والغاز كخيار لوجستي هو الأقل تكلفة والأكثر منطقية رغم حساسيته الجغرافية.

لكن المشهد الراهن فرض واقعاً مغايراً؛ إذ أدى النفوذ الإيراني المتزايد على هذا الممر إلى تقويض استقراره، مما دفع العواصم الخليجية نحو مراجعة جذرية لخططها الاستراتيجية، فاليوم لم صار البحث عن مسارات بديلة ضرورة أمنية لتقليص الارتهان لممر مثقل بالمخاطر.

إن العودة الجادة لمشاريع خطوط الأنابيب العابرة للحدود تمثل انعطافة كبرى في الفكر الاقتصادي للمنطقة؛ وهي انتقال من مرحلة “التكيف مع الجغرافيا” إلى مرحلة “الاستثمار في تجاوزها”، مهما بلغت التكاليف المالية أو التعقيدات السياسية، لضمان تدفق الإمدادات بعيداً عن تقلبات المضائق المهددة.

خط شرق-غرب.. مشروع قديم بقيمة جديدة

النزاع الحالي أعاد إلى الواجهة القيمة الاستراتيجية لخط شرق-غرب السعودي الممتد على 1200 كيلومتر، والقادر على نقل 7 ملايين برميل يوميًا إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، متجاوزًا مضيق هرمز بالكامل.

الجدير الذكر أنّ هذا الخط كان قد بُني في ثمانينيات القرن الماضي بعد مخاوف حرب الناقلات خلال الحرب الإيرانية-العراقية، ما يجعل منه أكثر من مجرد بنية تحتية ناجحة، فهو نموذج نادر للتفكير الاستباقي، وبذلك فإنّ وصفه بـ”ضربة عبقرية” و”المسار الرئيس” الذي تستفيد منه أرامكو الآن يعني أنّه قد أصبح أداة بقاء استراتيجي في لحظة اضطراب حقيقي.

وفي ظل المساعي السعودية الراهنة لرفع حصة الصادرات عبر الأنابيب من إجمالي الإنتاج اليومي (البالغ 10.2 مليون برميل)، تبرز بوضوح معضلة الطاقة في الخليج؛ إذ تظل ضخامة القدرات الإنتاجية منقوصة القيمة ما لم تقترن بمرونة لوجستية تحمي مسارات التصدير من الارتهان لجغرافيا مهددة أو مياه خاضعة لسيطرة إقليمية متقلبة.

من “مشروع الأنبوب” إلى “منظومة الممرات”

لم يعد الرهان الخليجي اليوم محصوراً في إيجاد أنبوب بديل هنا أو هناك، بل بات يتجه نحو صياغة “شبكة نجاة” لوجستية متكاملة، ولعلّ هذا التحول من عقلية المشروع المنفرد إلى مفهوم “المنظومة المترابطة” يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار أسواق الطاقة لا يتحقق عبر حلول موضعية؛ فالخط الواحد قد يقلص المخاطر لكنه لا يقضي عليها، بينما تضمن الشبكة مرونة عالية تمنع تكرار سيناريوهات الاختناق عند النقاط الحرجة.

هذا التوجه يتجاوز في أبعاده تأمين تدفقات النفط والغاز؛ إذ يُنظر لهذه المسارات كشرايين تجارية مستقبلية قادرة على حمل سلع متنوعة، مما يمنح دول الخليج فرصة لإعادة رسم خارطتها اللوجستية وتوسيع نفوذها التجاري على المدى الطويل.

قد يهمّك أيضًا: فتح مضيق هرمز.. بين الحل السلمي والسيناريو العسكري

مسارات بديلة في بيئة جيوسياسية معقدة

أعادت التوترات في مضيق هرمز الزخم لمشروع ممر “آيمك” (الهند – الشرق الأوسط – أوروبا)، الذي بدأ كطرح سياسي وتجاري برعاية أمريكية، وصار اليوم يُقرأ كضرورة استراتيجية لتقليص هشاشة أمن الطاقة، لكن الطريق لا يبدو ممهداً بالورود؛ فالمسار يحمل تعقيدات سياسية بالغة، خاصة فيما يتعلق بنقاط الربط والوصول.

ومن ناحية أخرى، يُكرس التوجه نحو البحر المتوسط تحولاً جذرياً في العقيدة التصديرية للمنطقة، بصفته البديل الاستراتيجي الأبرز لمضيق هرمز، لكن الصراع لا يتوقف عند الجانب التقني لمد الأنابيب، بل يمتد لفرض السيطرة على “عقد الوصول” والتحكم في القيمة المضافة لعمليات العبور؛ فوصول هذه الخطوط إلى الموانئ -سواء في مصر أو غيرها- سيفضي حتماً إلى إعادة هندسة خارطة النفوذ التجاري واللوجستي في المنطقة بأسرها.

جدوى التكلفة المليارية مقابل تأمين الإمدادات

تم تقدير كلفة تكرار نموذج خط “شرق-غرب” بنحو 5 مليارات دولار، وهو ثمن أولي لما يمكن تسميته الاستقلال التصديري، ورغم ضخامة الفاتورة إلا أنها تبدو منطقية ومجدية للاقتصادات النفطية الكبرى الراغبة في التخلص من علاوة مخاطر هرمز التي تلاحق كل برميل مُصدر، مع اعتبار أنّ هذه التكلفة لا تُدفع في أنابيب ومحطات ضخ فحسب، بل هي استثمار سيادي لتأمين منافذ مستقلة تتجاوز التحديات الجغرافية الصعبة، كجبال الحجاز وغيرها، لضمان تدفق الإمدادات بعيداً عن مناطق التوتر.

وعند الانتقال للحديث عن مسارات عابرة للحدود تمر عبر العراق أو الأردن أو سوريا أو تركيا، فإنّ التكلفة تقفز لتتراوح بين 15 إلى 20 مليار دولار، وهنا يصبح المشروع رهانًا جيوسياسيًا معقدًا، حيث يرتبط التنفيذ مباشرة بمدى الاستقرار الإقليمي وتشابك المصالح الأمنية.

اللافت أنّ جود دراسات هندسية مسبقة لهذه المسارات يؤكد أن هذه الأفكار ليست وليدة اللحظة أو نتاج الأزمات الحالية فحسب، بل هي ملفات استراتيجية قديمة كانت تنتظر “الدافع الضروري” لتحويلها من مجرد مخططات حبيسة الأدراج إلى مشاريع قائمة على أرض الواقع.

اقرأ أيضًا: اقتصاديات الخطر.. كيف تعيد إيران تسعير العبور في هرمز؟

العوائق الهندسية والأمنية في المسارات البرية

المشكلة في العراق ليست جغرافية فقط، فمع وجود كثير من القنابل غير المنفجرة، إلى جانب استمرار وجود تنظيم داعش أو جماعات مسلحة أخرى، يجعل أي خط أنابيب هناك مشروعًا محملًا بمخاطر تتجاوز أعمال البناء نفسها، فالمستثمر أو الدولة لا يدفع فقط ثمن الحديد والمحطات والضخ، بل يدفع أيضًا ثمن الحماية والتأمين والاستمرارية.

في هذا السياق، تبدو المسارات الجنوبية إلى موانئ عُمان في ظاهرها خيارًا منطقيًا لأنها تتجاوز مضيق هرمز، لكن الواقع أكثر تعقيدًا، فهذه الخطوط ستواجه صعوبة المرور عبر الصحراء والجبال الصخرية الصلبة معًا، كما أن الموانئ العمانية نفسها ليست بمنأى عن التهديدات الإيرانية، بعد الهجمات بالطائرات المسيّرة على ميناء صلالة وإغلاقه مؤقتًا.

وهذا يفسر لماذا قد تبدو بعض المسارات جذابة جدًا على الخريطة، لكنها باهظة للغاية في الواقع، فالأنبوب الذي يهرب من مضيق هرمز قد يدخل في المقابل إلى بيئة تهدد تمويله وتشغيله وصيانته، وفي هذه الحالة لا تختفي المخاطر بل تتغير طبيعتها فقط.

هل تتحد دول الخليج لمواجهة الأزمة؟

شبكة خطوط أنابيب خليجية حقيقية ستتطلب من دول الخليج التخلي عن سياساتها الفردية والتكتل معًا، وهنا تظهر العقبة الأكثر حساسية وربما الأكثر صعوبة من الجبال والصحراء والتمويل نفسه، ففي مشاريع الطاقة العابرة للحدود يكمن السؤال الحاسم في من يدير التدفقات، ومن يقرر الأولويات، ومن يتحكم في الصنبور عندما تتعارض المصالح.

هذه الأسئلة تجعل كل مشروع إقليمي اختبارًا للوحدة السياسية بقدر ما هو اختبار للهندسة والتمويل، ولعل هذا ما يفسر لماذا ظل نقل النفط بحرًا هو الخيار الأرخص والأكثر أمانً لعقود، لأنه لا يتطلب هذا المستوى من تقاسم السيادة التشغيلية، أما الأنابيب العابرة للحدود فتحتاج إلى ثقة أعمق ومؤسسات مشتركة وقدرة أكبر على إدارة المصالح المتشابكة.

اقرأ أيضًا: تحالف دولي لمواجهة أزمة الطاقة العالمية

أبوظبي والرياض تبحثان عن حلول طويلة الأمد

في الأجل القريب، تبدو الخيارات الأكثر قابلية للتنفيذ هي توسيع خط شرق-غرب السعودي، وتعزيز المسار القائم من أبوظبي إلى الفجيرة، إلى جانب تطوير محطات تصدير إضافية على ساحل البحر الأحمر، بما في ذلك في ميناء المياه العميقة الجاري بناؤه ضمن مشروع نيوم، وهذا المسار العملي يكشف أن الخليج يبدأ بالأصول الموجودة التي يمكن تعظيم فائدتها بسرعة نسبية دون الغرق مباشرة في تفاوض إقليمي شائك.

أبوظبي كانت تملك دائمًا الخطة البديلة لخط ثان إلى الفجيرة، لكن القرار النهائي يبدو مؤجلًا إلى حين اتضاح الوضع طويل الأجل لمضيق هرمز، أما السعودية فتبدو أكثر تقدمًا في التفكير العملي في التوسعة والمرافئ البديلة، وذلك بحكم حجم إنتاجها وامتلاكها أصلًا لخط شرق-غرب، وهذا يعكس إدراكًا مشتركا للخطر، لكن مع تفاوت في سرعة الانتقال من الدراسة إلى الحسم.

في الوقت الذي تقود فيه المملكة المتحدة حراكاً دولياً يضم نحو 35 دولة لتشكيل ائتلاف يهدف إلى إعادة فتح المضيق، يبدو أن التفكير الاستراتيجي الخليجي لم يعد رهناً بنجاح هذه المساعي الدولية وحدها، فالمعطيات الراهنة تشير إلى أن الوعي الجديد بالمخاطر الجيوسياسية لن يتبخر بمجرد زوال الأزمة العابرة، خاصة وأن نقاشات البدائل قد تجاوزت بالفعل مراحل العصف الذهني لتستقر في صلب دوائر القرار السيادي، مما يجعل الاعتقاد بعودة الأوضاع إلى سابق عهدها قبل النزاع طرحاً يفتقر للإقناع في ظل التحولات العميقة التي فرضت ضرورة تنويع منافذ التصدير كخيار استراتيجي لا رجعة عنه.

قد يهمّك أيضًا: كيف يهدد غلق مضيق باب المندب التجارة العالمية؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة