رسوم أمريكية على السفن الصينية تهدد بتعطيل التجارة العالمية
تقرير: باسل محمود
حذّر مسؤولون وشركات ومحللون من أنَّ خطة أمريكية لفرض رسوم جمركية ضخمة على السفن المصنّعة في الصين قد تُحدث اضطرابًا واسع النطاق في التجارة العالمية، بحسب بلومبرج.
تأتي هذه التحذيرات في أعقاب جلسة استماع انطلقت في العاصمة الأمريكية واشنطن، لمناقشة المقترح الذي قد يؤدي، بحسب الخبراء، إلى زيادة كبيرة في تكلفة الشحن، وتعطيل سلاسل الإمداد، وارتفاع التضخم، وتهديد الوظائف في العديد من القطاعات الاقتصادية.
مقترح رسمي يستهدف هيمنة الصين
المقترح الذي طرحه مكتب الممثل التجاري الأمريكي (USTR) يهدف إلى تقليص الاعتماد الأمريكي على السفن الصينية، في إطار حملة أوسع لمواجهة ما تعتبره واشنطن “ممارسات غير عادلة” من قبل بكين في قطاعات الشحن، وبناء السفن، والخدمات اللوجستية.
بحسب المكتب، تنتج الصين أكثر من 50% من إجمالي السفن التجارية العالمية من حيث الحمولة، مقارنةً بـ5% فقط عام 1999، في حين أنَّ الولايات المتحدة أنتجت في عام 2023 ما نسبته 0.01% فقط من هذه السفن.
وأشار المكتب إلى أنَّ هذه الهيمنة تمنح الصين قوة سوقية كبيرة في مجالات التسعير، والإمدادات، والوصول إلى الخدمات، وهو ما يُعزز النفوذ الاقتصادي الصيني على حساب الصناعات الأمريكية.
شحنات متوقفة ومشاريع مهددة
كشفت شركة “ميركوري جروب” للخدمات اللوجستية أنَّ شحنة من أنابيب الصلب بوزن 16 ألف طن متري متوقفة حاليًا في مستودع بألمانيا، بدلًا من شحنها إلى مشروع طاقة ضخم في ولاية لويزيانا الأمريكية، بسبب عدم وضوح مصير مقترح الرسوم الجديدة.
وفي هذا السياق، قال خوسيه سيفيرين، مدير تطوير الأعمال في الشركة، إنَّ المفاوضات الخاصة بشحن الحمولة تم تعليقها في انتظار ما ستسفر عنه الجلسات، موضحًا أن 80% من السفن القادرة على تنفيذ الشحنة مصنوعة في الصين، ما يجعلها عرضة لرسوم قد تصل إلى 3 ملايين دولار لكل شحنة، أي ما يعادل ضعف أو ثلاثة أضعاف تكلفة الشحن الحالية.
ردود فعل صينية وعالمية
ردّت شركة الصين لصناعة السفن (CSSC)، أكبر شركة لبناء السفن في العالم من حيث الطلبيات، واصفة المقترح الأمريكي بأنه “انتهاك واضح لقواعد منظمة التجارة العالمية (WTO)”. وأضافت أنَّ الإجراءات الجديدة تفتقر إلى الأسس القانونية، وقد تؤدي إلى تصعيد تجاري واسع النطاق، يُهدد استقرار قطاع الشحن العالمي.
ومن ناحية أخرى، قال جون ماكاون، الخبير البارز في صناعة النقل البحري، إنَّ المقترح الأمريكي “يشبه استخدام مطرقة لتحطيم النظام التجاري العالمي”، مؤكدًا أنه في حال تطبيق الرسوم بصيغتها الحالية، “فإنَّ ذلك يُنذر بنهاية العالم التجارية”.
أما جوناثان غولد، نائب رئيس سياسات سلاسل الإمداد والجمارك في الاتحاد الوطني للبيع بالتجزئة (NRF)، فقد أشار إلى أن شركات الشحن قد تتجنب الموانئ الأمريكية الأصغر مثل أوكلاند وشارلستون وديلوير، ما يُهدد اقتصادات محلية بأكملها تعتمد على حركة هذه الموانئ.
تعرّف إلى المزيد من التفاصيل حول حرب الرسوم الجمركية بين الصين وأمريكا
آثار محتملة على الاقتصاد الأمريكي
بحسب تقرير صادر عن شركة كلاركسونز ريسيرش (Clarksons Research)، فإنَّ الرسوم المقترحة قد تُضيف ما بين 40 و52 مليار دولار سنويًا إلى الخزانة الأمريكية، لكنها في الوقت ذاته ستُفاقم الضغوط على الأسعار، وتُهدد الوظائف.
كما أكَّد جو كراميك، الرئيس التنفيذي لمجلس الشحن العالمي، أن الرسوم “ستُعاقب المستهلكين الأمريكيين”، من خلال رفع أسعار المنتجات المحلية والمستوردة، وزيادة تكاليف النقل، وتهديد الوظائف في قطاعات التصنيع والزراعة والخدمات اللوجستية.
ولعلّ حالة عدم اليقين المحيطة بالمقترح أحد أبرز التحديات أمام أصحاب الأعمال، فقد علّق العديد من المصنعين والمصدرين خططهم التجارية في انتظار القرار النهائي، خاصةً في ظل صعوبة إيجاد بدائل سريعة عن السفن الصينية التي تُهيمن على سوق الشحن البحري.
وقد قالت شركة Atlantic Container Line AB، التي تنقل أكثر من نصف صادرات معدات الزراعة والبناء الأمريكية إلى أوروبا، إنَّها اضطرت في 2012 إلى بناء سفنها في الصين بعد رفض الشركات اليابانية والكورية طلبها، بينما أكدت الشركات الأمريكية حينها أنها تحتاج إلى 7 سنوات على الأقل لتلبية الطلب.
اقرأ أيضًا: حرب ترامب التجارية.. “الألم للأمريكيين” قد يسبق المكاسب
رسوم رجعية وقيود جديدة
تشمل الخطة الأمريكية فرض رسوم جمركية رجعية قد تصل إلى ملايين الدولارات لكل سفينة تم تصنيعها في الصين وترسو في الموانئ الأمريكية. كما تنص على إلزام نسبة من صادرات السلع الزراعية والصناعية الأمريكية باستخدام سفن أمريكية الصنع تحمل العلم الأمريكي وتُشَغَّل بطواقم أمريكية خلال السنوات القادمة.
لكن بحسب شهادات القطاع، الطاقة الإنتاجية الحالية لبناء السفن في الولايات المتحدة غير كافية، كما أن عدد البحّارة المؤهلين منخفض، ما يجعل التنفيذ الكامل للخطة أمرًا صعبًا دون إحداث اضطراب واسع في التجارة.
القطاع الزراعي الأكثر تضررًا
من بين أكثر المتأثرين المحتملين بالمقترح الجديد، يأتي القطاع الزراعي الأمريكي، الذي يعتمد على هوامش ربح ضيقة، ويُصدّر كميات ضخمة من المنتجات إلى الأسواق العالمية.
وفي سياق متصل، حذّر ممثلو هذا القطاع من أنّ الرسوم ستُضاعف تكاليف الشحن، وتُقلل القدرة التنافسية للمنتجات الزراعية الأمريكية، في وقت تُواجه فيه منافسة متزايدة من دول أخرى مثل البرازيل وأوكرانيا.
شركات الشحن تتجنب السفن الصينية
قال وسطاء شحن إن بعض شركات التجارة بدأت بالفعل بتجنب توقيع عقود طويلة الأمد مع سفن صينية، خوفًا من أن تصبح هذه السفن عبئًا في حال أُجبرت على دفع رسوم مرتفعة عند دخولها الموانئ الأمريكية.
وفي قطاع ناقلات النفط، بدأ يظهر انقسام تدريجي في السوق، بين أسطول تقوده الصين، وآخر لبقية الدول، وهي ظاهرة قد تتسع إذا تم تطبيق الرسوم الأمريكية بالكامل.
انقسام في الآراء ودعم محدود
رغم أن معظم التعليقات التي تلقاها مكتب الممثل التجاري الأمريكي، والبالغ عددها أكثر من 250 تعليقًا، أبدت رفضها للمقترح، إلا أن البعض عبّر عن تأييده، مثل سكوت بول، رئيس تحالف التصنيع الأمريكي، الذي اعتبر أن الإجراءات المقترحة قد تُعيد التوازن إلى السوق، وتُعيد إحياء صناعة بناء السفن الأمريكية.
يتوقّع مراقبون أن يتم تعديل المقترح النهائي لتقليل تداعياته السلبية، وربما إلغاء بعض البنود المثيرة للجدل، خصوصًا بعد تصاعد الاعتراضات من الشركات والنقابات والمستهلكين.
قد يهمّك أيضًا: انخفاض مؤشر ثقة المستهلك الأمريكي يثير مخاوف اقتصادية جديدة