رسوم ترامب الجديدة.. واشنطن وبكين على حافة أزمة اقتصادية
في تصعيد جديد للحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عزمه فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 100% على جميع الواردات الصينية اعتبارًا من الشهر المقبل، إلى جانب فرض ضوابط على تصدير البرمجيات الأساسية، في خطوة اعتُبرت الأكثر حدة منذ سنوات.
تأتي هذه القرارات كرد فعل على إعلان بكين تشديد قواعدها الخاصة بتصدير المعادن النادرة التي تُعدّ عنصرًا حيويًا في الصناعات التكنولوجية والعسكرية، ما أثار غضب واشنطن التي اتهمت الصين بمحاولة “احتجاز العالم اقتصاديًا”.
وقد قال ترامب في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي إنَّ الصين أصبحت “عدائية للغاية”، مهددًا بإلغاء لقائه المرتقب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في قمة كوريا الجنوبية، قبل أن يوضح لاحقًا أنه لم يكن يعلم بترتيب اللقاء، مؤكدًا أنه سيكون هناك “على أي حال”.
تصريحات ترامب تسببت فورًا في هبوط حاد في الأسواق الأمريكية، إذ أغلق مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” على انخفاض بنسبة 2.7%، وهو التراجع الأكبر منذ أبريل الماضي، وسط مخاوف المستثمرين من اندلاع حرب تجارية مفتوحة بين أكبر اقتصادين في العالم.
خلفية القرار وتأثيره على الصناعات
تُعد الصين المنتج الأكبر عالميًا للمعادن النادرة التي تدخل في تصنيع الهواتف الذكية والسيارات الكهربائية وأشباه الموصلات، ما يمنحها نفوذًا كبيرًا في السوق العالمية، وقد أعلنت في وقت سابق تشديد ضوابط التصدير ردًا على الرسوم الأمريكية الجديدة على الصلب والسلع الصينية، ما دفع بعض الشركات الأمريكية الكبرى مثل فورد إلى إيقاف الإنتاج مؤقتًا نتيجة ارتفاع التكاليف. كما فتحت بكين تحقيقًا في ممارسات شركة كوالكوم الأمريكية بزعم احتكارها سوق الرقائق الإلكترونية، في خطوة اعتبرها مراقبون ردًا اقتصاديًا على واشنطن.
وفي تصعيد متبادل، فرضت الصين رسوم موانئ إضافية على السفن الأمريكية، في حين كتب ترامب أن “الصين تزداد عدائية” وأن “الولايات المتحدة لن تتردد في الرد لحماية اقتصادها”، مما يؤكد أن العلاقة التجارية التي شهدت انفراجًا مؤقتًا منتصف العام بعد اتفاق جزئي لتخفيض الرسوم، عادت إلى مربع التوتر، فبعد الاتفاق الذي قضى بإلغاء رسوم تتجاوز 100% على السلع المتبادلة عاد ترامب لرفع الرسوم بنسبة 30%، وردت بكين برسوم مضادة بنسبة 10%.
اقرأ المزيد حول تفاصيل الاتفاق التجاري بين أمريكا والصين وتأثيره على الاقتصاد العالمي
حرب المعادن النادرة وتبعاتها الاقتصادية
قال الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، إن القرار الأخير الذي اتخذته الصين بفرض قيود صارمة على تصدير العناصر الأرضية النادرة ومعدات معالجتها، يمثل “ضربة اقتصادية ممنهجة” للولايات المتحدة وشركاتها الكبرى، مشيرًا إلى أن هذا القرار “يكشف حجم الصراع الحقيقي بين بكين وواشنطن، وأن الحرب لم تعد تجارية فحسب، بل انتقلت إلى مرحلة السيطرة على موارد المستقبل”.
وأكد سلامة أن “الصين تمتلك ما يقرب من 90% من سوق المعادن الأرضية النادرة عالميًا، وتتحكم في أكثر من 95% من عمليات التكرير والفصل الكيميائي لهذه المعادن، وهي المواد التي لا يمكن الاستغناء عنها في الصناعات المتقدمة مثل الطيران، وصناعة الصواريخ، والمركبات الكهربائية، والشرائح الإلكترونية الدقيقة، والروبوتات، وحتى الهواتف الذكية”.
وأوضح أن القرار الصيني الأخير –الذي يُعرف باسم الإعلان رقم 61 لعام 2025 – ينص على أن أي شركة تستخدم نسبة ولو ضئيلة من المعادن الصينية في منتجاتها، لن يُسمح لها بالتصدير إلا بعد الحصول على تصريح رسمي من الحكومة الصينية، ودفع رسوم وتقديم بيانات مفصلة حول وجهة المنتج واستخدامه، سواء كان مدنيًا أو عسكريًا.
وأضاف الخبير: “هذا يعني ببساطة أن شركات مثل إنفيديا، وآبل، وسامسونج، وحتى شركات إنتاج السيارات مثل تسلا، لن تستطيع طرح منتجاتها في الأسواق العالمية دون المرور عبر بوابة الموافقة الصينية”.
وقال سلامة إنَّ “رد فعل واشنطن جاء غاضبًا وسريعًا، إذ أفصح دونالد ترامب عن رغبته في رفع الرسوم الجمركية على الواردات الصينية إلى مستويات غير مسبوقة، في خطوة تعكس حالة الارتباك داخل الإدارة الأمريكية أمام الخطوة الصينية التي تُعد بمثابة قنبلة اقتصادية فجّرتها بكين في وجه السوق العالمي”.
اقرأ أيضًا: كيف تؤثر إجراءات الصين على صناعة الرقائق وأسواق الذكاء الاصطناعي
بكين تُحكم قبضتها على مفاتيح التكنولوجيا العالمية
أشار الخبير الاقتصادي أن “خطورة هذه الأزمة تكمن في أن نسبة وجود هذه المعادن في أي منتج قد لا تتجاوز 0.5٪، لكنها كفيلة بتعطيل خطوط إنتاج كاملة حول العالم، ما قد يؤدي إلى تباطؤ في الصناعات التكنولوجية والعسكرية على السواء، ويدفع إلى ارتفاع الأسعار عالميًا بسبب توقف سلاسل التوريد”.
وأشار سلامة إلى أن “الصين استخدمت توقيت بالغ الدقة، في ظل انشغال العالم بالتوترات في الشرق الأوسط والأزمات السياسية في الغرب، لتوجه ضربة استراتيجية تجعلها المتحكم الأكبر في مفاتيح الصناعة الحديثة”، مضيفًا أن “هذا القرار لا يهدف فقط إلى الضغط الاقتصادي، بل إلى إعادة رسم موازين القوة العالمية على أسس جديدة”.
وتابع قائلًا: “الولايات المتحدة تملك بالفعل بعض الاحتياطيات من هذه المعادن في ولايات مثل كاليفورنيا، لكن المشكلة لا تكمن في الاستخراج، بل في التكرير، إذ إن التكنولوجيا الصينية في فصل الشوائب وتحويل الخام إلى مواد نقية جاهزة للاستخدام الصناعي لا تُقارن من حيث الكفاءة والتكلفة”.
خيارات واشنطن بين الرد أو التكيف مع الشروط الصينية
أكد سلامة أن “الصين تلعب بذكاء شديد، فهي لا ترفع الأسعار لتفادي التضخم، لكنها تمنع وتتحكم، وهو ما يجعل القرار أقرب إلى حصار اقتصادي صامت لكنه فعال”، وأضاف: “في المقابل، واشنطن أمامها خياران: إما الدخول في سباق مكلف لبناء قدرات تكرير ومعالجة محلية بالتعاون مع كندا وأستراليا والبرازيل، وهو ما قد يستغرق من عامين إلى ثلاثة أعوام على الأقل، أو القبول مؤقتًا بالشروط الصينية للحفاظ على استمرارية سلاسل التوريد”.
واختتم الدكتور عمرو سلامة تصريحاته قائلًا: “نحن أمام مشهد اقتصادي عالمي جديد، عنوانه السيطرة على الموارد وليس على الأسواق، فالقرار الصيني أعاد تعريف القوة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، ويجعل من بكين مركزًا إلزاميًا لصناعة التكنولوجيا العالمية.
أما رفع الرسوم الأمريكية فلن يكون الحل، بل سيزيد من تفاقم الأزمة ويرفع الأسعار عالميًا، فالمطلوب الآن من القوى الاقتصادية الكبرى أن تتعامل بعقلانية، وتنتقل من سياسة رد الفعل إلى بناء سياسات صناعية واستثمارية مستدامة قادرة على تأمين سلاسل التوريد وحماية الاقتصاد العالمي من الصدمات القادمة”.
اقرأ أيضًا: الاقتصاد الأمريكي بين أزمة هيكلية وشبح الإغلاق الحكومي