رسوم ترامب الجمركية تؤجج التوترات التجارية مع أوروبا وتدفع التكتل نحو آسيا
أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، الأحد، أن الاتحاد الأوروبي قرر رسميًا تمديد تعليق الإجراءات الانتقامية ضد رسوم ترامب الجمركية حتى مطلع أغسطس المقبل، في خطوة تهدف إلى منح مسار التفاوض مع واشنطن فرصة أخيرة قبل الانزلاق نحو مواجهة تجارية شاملة.
وجاءت تصريحات فون دير لاين خلال مؤتمر صحفي مشترك عقدته في بروكسل مع الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، حيث أكدت أن الاتحاد “لا يزال في مرحلة الحوار”، موضحة أن بروكسل ستستخدم ما تبقى من الوقت حتى الأول من أغسطس لمواصلة المفاوضات، مع الاحتفاظ بحق الرد الكامل إذا ما مضت الولايات المتحدة قدمًا في فرض الرسوم الجديدة.
جولة تصعيد جديدة في الحرب التجارية
يأتي هذا القرار الأوروبي في ظل تصاعد التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 30% على صادرات الاتحاد الأوروبي بدءًا من أغسطس، إلى جانب رسوم أخرى مطبّقة حاليًا تشمل 10% على عدد من السلع منذ أبريل الماضي، و50% على واردات الصلب والألمنيوم، بالإضافة إلى 25% على السيارات وقطع الغيار.
هذه الخطوات الأمريكية، التي وُصفت بأنها “تصعيدية واستفزازية”، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تقييم استراتيجيته التجارية مع واشنطن، وسط مخاوف من نشوب حرب تجارية موسعة قد تترك تداعياتها على الأسواق العالمية.
في السياق ذاته، شهدت بروكسل يوم الأحد اجتماعًا استثنائيًا لسفراء دول الاتحاد الأوروبي لمناقشة الخيارات المتاحة أمام التكتل، بما في ذلك تفعيل رزمة من الإجراءات الانتقامية، أو تمديد تعليقها، وقد ساد الاجتماع إجماع واسع بين العواصم الأوروبية على دعم نهج التهدئة، وعدم اللجوء لأي ردود تصعيدية قبل انتهاء المهلة المحددة مطلع أغسطس، وذلك تمسكًا بمبدأ التفاوض واستنفاد السبل الدبلوماسية.
نحو تنويع الشراكات الاقتصادية خارج الفضاء الأطلسي
في تطور موازٍ، أعلنت فون دير لاين خلال المؤتمر التوصل إلى “اتفاق سياسي” جديد لإطلاق مرحلة تفاوض متقدمة بشأن اتفاقية تجارة حرة طموحة بين الاتحاد الأوروبي وإندونيسيا، بعد نحو عقد من المحادثات المتقطعة.
وأوضحت أن هذا الاتفاق يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد الساحة الدولية تقلبات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي يسعى حاليًا إلى تعزيز روابطه الاستراتيجية مع شركائه الدوليين، لا سيما في آسيا، من أجل تنويع أسواقه وتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الاقتصادية.
ويمثل هذا التوجه جزءًا من استراتيجية أوسع تتبناها المفوضية الأوروبية في ولايتها الثانية بقيادة فون دير لاين، تهدف إلى بناء شراكات تجارية قوية مع دول آسيوية كإندونيسيا والهند وماليزيا، بالإضافة إلى استكمال التصديق على اتفاقيات قائمة مع دول مثل المكسيك ومجموعة ميركوسور.
من جانبه، وصف الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو الاتفاق بأنه “إنجاز كبير”، مشيرًا إلى تطلع بلاده إلى علاقة اقتصادية وتجارية أوسع مع الاتحاد الأوروبي. وقال سوبيانتو: “نعتبر أوروبا قوة دولية مؤثرة، ونأمل أن نشهد حضورًا أوروبيًا أقوى في منطقتنا”، مضيفًا: “كثيرون في آسيا لا يعبّرون عن ذلك صراحة، لكنني هنا لأقولها بوضوح: نريد شراكة حقيقية وعميقة مع أوروبا”.
اقرأ أيضًا: الصين والاتحاد الأوروبي يعززان شراكتهما لمواجهة الضغوط الأمريكية
أسباب وتداعيات رسوم ترامب الجديدة
في ظل هذه التطورات المتسارعة، تواصل المفوضية الأوروبية التحرك على أكثر من جبهة، حيث إنّها تبقي باب الحوار مع الولايات المتحدة مفتوحًا، وتستعد في الوقت ذاته لتفعيل أدوات الرد التجاري إذا فشلت المفاوضات، بالتوازي مع توسيع خارطة الشراكات الاقتصادية خارج الفضاء الأطلسي.
وفي هذا الشأن، قالت الدكتورة شيماء وجيه، أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، إن تهديدات دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 30% على واردات الولايات المتحدة من الاتحاد الأوروبي تصعيد خطير، ستكون له آثار مباشرة على الصادرات الأوروبية وسلاسل الإمداد ومعدلات الاستهلاك في القارة العجوز، مضيفة أن هذه القرارات تُمثل ضربة قوية للمنظومة الاقتصادية الأوروبية في وقت حرج يشهد محاولات متواصلة للتوصل إلى تسويات تجارية.
وأوضحت وجيه أن السوق الأمريكية تمثل منفذًا حيويًا للاتحاد الأوروبي، حيث يصل عدد المستهلكين في الولايات المتحدة إلى أكثر من 350 مليون نسمة، وتُحقق أوروبا من خلالها فائضًا تجاريًا واضحًا، في مقابل عجز متزايد في الميزان التجاري الأمريكي.
وأكدت أن هذا الخلل التجاري هو ما يستفز ترامب ويدفعه نحو اتخاذ إجراءات حمائية، مشيرة إلى أن الرئيس الأمريكي ينظر إلى العلاقات التجارية من زاوية الاقتصاد الكلي وليس الجزئي، أي أنه يركّز على الفائض والعجز، لا على مصالح الشركات أو توازن الأسواق.
ثلاثي الاقتصاد الأوروبي في المواجهة
وأضافت أن الصناعات الفرنسية مثل العطور والموضة والأجبان والخمور، والصناعات التكنولوجية والميكانيكية الألمانية، والمنتجات الزراعية الإيطالية، ستكون الأكثر تأثرًا بهذه الرسوم المقترحة، وهو ما يضع ثلاثي الاقتصاد الأوروبي في مواجهة مباشرة مع السياسة التجارية الأمريكية، وسط تباين واضح في مواقفهم.
وأشارت الدكتورة شيماء وجيه إلى أن هذا التباين بين العواصم الأوروبية ليس بجديد، ففرنسا تميل إلى التصعيد وتتحدث بلغة المواجهة، بينما تسعى ألمانيا إلى التهدئة والتفاهمات مدفوعة باعتبارات دفاعية وتجارية، أما إيطاليا فتركز بشكل واضح على حماية مصالحها القُطرية، وهو ما ظهر في موقف رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني التي أكدت خلال زيارتها لواشنطن أن الملف يخص مؤسسات الاتحاد الأوروبي وليس حكومتها، في دلالة على النهج البراغماتي الذي تتبناه روما.
مدرسة ترامب الاقتصادية
أكدت الدكتورة شيماء وجيه أنَّ ما يقوم به ترامب يعكس توجهًا فكريًا يعود إلى المدرسة الاقتصادية “الميركانتيلية” التي نشأت في القرن السابع عشر، والتي تؤمن بأن ثروة الدول تُبنى على أساسين رئيسيين؛ هما المعادن النفيسة والفائض التجاري، وهو ما يفسر ضغوطه على شركاء أمريكا، وسعيه الدائم لفرض رسوم وقيود تجارية لحماية السوق الأمريكية وتحقيق أرباح مباشرة تعوّض ما تعتبره واشنطن “استغلالاً” اقتصاديًا لها من قبل الآخرين.
وأوضحت أن ترامب لا ينظر إلى الأداء الاقتصادي من منظور الكفاءة أو التخصص، بل من منظور رقم العجز التجاري، بصرف النظر عن السياق الصناعي أو التكنولوجي، وأشارت إلى أن ارتفاع قيمة الدولار خلال السنوات الماضية ساهم في إضعاف تنافسية المنتجات الأمريكية، ولذلك فإن جزءًا من سياساته النقدية أيضًا كان يهدف إلى خفض قيمة الدولار، وهو ما ظهر بشكل غير مباشر في تصريحاته وسلوكه تجاه الفيدرالي الأمريكي.
موضوع ذو صلة: من نيكسون إلى ترامب.. الدولار يدفع الثمن
توقعات السوق ومآلات الصراع التجاري
أشارت وجيه إلى أن فرض رسوم بنسبة 30% لا يمثل فقط خطرًا على الصادرات الأوروبية، بل يُهدد بشكل مباشر استقرار سلاسل التوريد ويضغط على تكاليف الإنتاج والاستهلاك معًا، خاصة أن أوروبا تُعتبر ثاني أكبر كتلة اقتصادية من حيث القدرة الشرائية، بعد الولايات المتحدة مباشرة، بما يفوق 450 مليون نسمة.
وفيما يتعلق بالتوقعات على المدى القصير، توقعت الدكتورة شيماء وجيه أن تشهد الأسواق الأوروبية، وبخاصة البورصة الفرنسية، حالة من التذبذب والقلق مع بداية الأسبوع الجديد، مشيرة إلى أن مؤشر “كاكارونت” الفرنسي قد يسجل تراجعًا ملحوظًا نتيجة هذه المستجدات.
وأضافت أن الأسواق تترقب أيضًا خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والذي قد يتضمن رسائل سياسية حادة ردًا على هذا التصعيد، لا سيما بعد تصريحاته القاسية مؤخرًا تجاه نوايا ترامب.
واختتمت وجيه تصريحها بالتأكيد على أن العالم مقبل على مرحلة جديدة من النزاعات التجارية، لا تعتمد فقط على المصالح الاقتصادية، بل على إعادة صياغة التوازنات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، وأن الاتحاد الأوروبي بات مطالبًا أكثر من أي وقت مضى بتوحيد موقفه والتحدث بصوت واحد إذا أراد الحفاظ على موقعه في النظام التجاري العالمي.
اقرأ أيضًا: ترامب يهدد دول بريكس برسوم جمركية جديدة