الهند تواجه أزمة جمبري مع رسوم أمريكية جديدة بنسبة 26%

تقرير: باسل محمود

في قلب الحقول المائية الهادئة بولاية أندرا براديش الهندية، ينهمك مئات الآلاف من المزارعين في تربية الجمبري، الذي يشق طريقه من البرك الهندية إلى موائد المستهلكين في الولايات المتحدة، ليشكل أحد أعمدة الصادرات الزراعية الهندية الأكثر ربحًا.

لكن هذه الصناعة المزدهرة تلقت مؤخرًا ضربة قاسية، بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن فرض رسوم جمركية جديدة على واردات الجمبري من الهند، وهو القرار الذي فجر أزمة غير مسبوقة تهدد واحدة من أهم دعائم الاقتصاد التصديري الهندي، بحسب ما نقلته وكالة رويترز.

وبينما كانت شحنات الجمبري تُغادر الموانئ الهندية متجهة إلى الأسواق الأمريكية كما في السنوات السابقة، تغيّر المشهد سريعًا، حيث أصبحت أكثر من 2000 حاوية جمبري مجمّدة عالقة بين البحر والمصير المجهول، نتيجة اضطراب السوق والتفاوت الجمركي المفروض حديثًا.

هزة جمركية تضرب السوق الأكبر

بموجب خطة جمركية أعلن عنها ترمب مؤخرًا، تُفرض رسوم بنسبة 26% على واردات الجمبري الهندي إلى الولايات المتحدة، في خطوة ستدخل حيّز التنفيذ الكامل في يوليو، لكنها بدأت تُربك السوق منذ اللحظة الأولى.

الهند -التي تُعد أكبر مورد للجمبري إلى السوق الأمريكي- صدّرت في العام الماضي ما قيمته 2.5 مليار دولار من الجمبري إلى الولايات المتحدة وحدها، من أصل صادرات بحرية إجمالية بلغت 7.3 مليار دولار.

لكن قرار ترمب جعل الجمبري الهندي أقل تنافسية، خاصة أمام الجمبري القادم من الإكوادور، ثاني أكبر مصدر لأمريكا، والذي لا يتجاوز معدل الرسوم عليه 10%. هذا الفارق الضريبي يُشكل فارقًا حاسمًا في سوق تُدار بحسابات الهامش الدقيق.

الإكوادور تستعد

في المقابل، تستعد الإكوادور لالتقاط الفرصة، فبحسب خوسيه أنطونيو كامبوسانو، رئيس “غرفة الاستزراع المائي الوطنية”، فإن بلاده لا تملك الطاقة الإنتاجية الكافية لتعويض صادرات الهند بالكامل، لكنها تتوقع مكاسب محدودة في المدى القصير، ومنافسة شرسة في أسواق بديلة مثل الصين والاتحاد الأوروبي إذا ما أعادت الهند توجيه صادراتها.

في هذا السياق، يُتوقع أن تُطلق الإكوادور حملات ترويجية لاستقطاب مشترين جدد من كبار تجار التجزئة في أمريكا، مستغلة قصر مدة الشحن الجغرافي مقارنة بالهند، وهو عامل مهم في تجارة المنتجات المجمدة.

المزارعون أول من يدفع الثمن

في مزارع ولاية أندرا براديش، التي تُنتج أكثر من 90% من صادرات الجمبري الهندي، بدأ المزارعون يلمسون تداعيات القرار الأمريكي بشكل مباشر، حيث تراجعت عروض الشراء من المصدرين بنسبة 10% مع انخفاض الطلب، ما دفع الكثير من المنتجين إلى التخلي عن خطط التوسع، والبعض إلى إعادة النظر في جدوى الزراعة أصلًا.

رسوم مؤجلة وأضرار فورية

رغم أن تطبيق الرسوم بنسبة 26% لن يبدأ رسميًا حتى يوليو، إلا أن الرسوم الحالية البالغة 10% كانت كفيلة بإحداث اضطراب حاد؛ فالعقود التي وُقّعت بأسعار سابقة، والشحنات التي غادرت بالفعل، أصبحت مُهددة بالخسارة أو بالبيع بخسارة، في ظل ارتفاع تكاليف التخليص الجمركي وتراجع هوامش الربح.

اقرأ أيضًا: ترامب يدفع الهند لإلغاء رسوم السيارات الأمريكية

جمبري عالق في المنتصف

رحلة الجمبري الهندي إلى السوق الأمريكي، عادةً ما تستغرق 40 يومًا من أندرا براديش إلى موانئ مثل نيويورك وميامي وهيوستن، قبل أن يشق طريقه إلى متاجر كبرى مثل Walmart وCostco. وفي متجر “وول مارت” بولاية تكساس، لا تزال عبوات “الجمبري الجامبو” الهندي تُعرض ضمن علامة “Great Value”، بسعر 7.92 دولار.

وتؤكد لاتريس واتكينز، رئيسة قسم المشتريات في Walmart، أن الشركة “بنت علاقات طويلة الأمد مع الموردين”، وتُعرب عن أملها في استمرار التوريد، لكن حتى هذه العلاقات التجارية قد لا تصمد أمام الاختلالات المستمرة في الأسعار، وغياب الرؤية بشأن مستقبل الرسوم.

اقرأ أيضًا: الصين والهند في صدارة مصدري الغذاء عالميًا

من الأزمة المحلية إلى التأثير العالمي

يُعد الجمبري الهندي جزءًا أساسيًا من سلسلة غذاء عالمية دقيقة ومتشعبة، بدءًا من المزارع الصغيرة في جنوب آسيا، وصولًا إلى أرفف السوبرماركت في نيويورك وتورونتو وساو باولو، وإنّ أي خلل في هذه السلسلة -سواء بفعل قرارات جمركية أو بسبب تحولات في التفضيلات الاستهلاكية- يُحدث تأثيرات متسلسلة على الاقتصاد المحلي والعالمي.

مثلاً، يُساهم قطاع الجمبري في الهند في توفير الدخل لأكثر من 300 ألف مزارع، وفي الولايات المتحدة يُعتبر الجمبري من أكثر الأطعمة البحرية استهلاكًا، حيث تُباع ملايين الأطنان سنويًا، أما في الأسواق الناشئة فيُستخدم الجمبري المجمد كمصدر دخل للتجار الصغار في شبكات التجزئة.

الجمبري في السياسة التجارية

لا تقتصر أزمة الجمبري على البُعد الاقتصادي، فهي تُضاف إلى سلسلة طويلة من القرارات الحمائية التي يتخذها الرئيس الأمريكي، ضمن استراتيجيته لإعادة التوازن التجاري مع دول العالم، لكن المفارقة أن بعض هذه القرارات تُصيب المستهلك الأمريكي قبل غيره، من حيث ارتفاع الأسعار، أو نقص المعروض، أو تراجع جودة السلع البديلة.

وتُشير تقارير بلومبرغ إلى أنَّ سوق الجمبري الأمريكية قد تشهد موجة تضخم في الأسعار إذا انسحب الموردون الهنود أو تحوّلوا نحو أسواق أكثر استقرارًا في آسيا أو أوروبا.

وفي ظل هذا المشهد المعقّد، تتجه أنظار المصدرين والمزارعين والمسؤولين في الهند إلى واشنطن، على أمل أن تُعيد إدارة ترمب النظر في نسب الرسوم أو تمنح استثناءات مؤقتة.

قد يهمّك أيضًا: خلافات تجارية وتعاون استراتيجي بين أمريكا والهند

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة