رسوم ترامب تهدد الصادرات العربية وتُربك الأسواق

تقرير: باسل محمود

في تحوّل تصعيدي يعيد رسم ملامح النظام التجاري العالمي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن فرض حزمة من الرسوم الجمركية الجديدة، طالت لأول مرة عددًا واسعًا من الدول العربية، في خطوة وُصفت بأنها الأقوى منذ بداية سياسات “أمريكا أولًا”.

الإجراء الجديد، الذي يُنظر إليه على أنه تصعيد اقتصادي بامتياز، فتح الباب أمام مخاوف متنامية في العواصم العربية من تأثير مباشر على صادراتها إلى السوق الأمريكية، وعلى استقرار علاقاتها الاقتصادية مع واشنطن.

بينما اعتبر ترامب أن هذه الرسوم ضرورية لـ“حماية الاقتصاد الأمريكي من المنافسة غير العادلة”، يرى مراقبون أن القرار قد يُطلق الشرارة لسلسلة من الاضطرابات التجارية التي قد تُضعف حركة التبادل بين الولايات المتحدة وشركائها في العالم العربي، وتفرض تحديات مزدوجة، على الاقتصادات التي تعتمد على الصادرات والنفاذ التفضيلي إلى الأسواق الكبرى.

تصعيد جمركي غير مسبوق ضد الدول العربية

في سابقة هي الأولى من نوعها بهذا الحجم، شملت رسوم ترامب الجديدة مجموعة كبيرة من الدول العربية، حيث فرضت الولايات المتحدة تعريفات جمركية بنسبة 10% على صادرات واردة من كل من مصر، والسعودية، والإمارات، والمغرب، وسلطنة عُمان، ولبنان، والسودان.

ولم يقتصر التصعيد على هذه الدول، بل تصاعد تدريجيًا ليشمل الأردن بنسبة 20%، وتونس بـ28%، والجزائر بـ30%، وليبيا بـ31%، وبلغ ذروته بفرض رسوم بلغت 41% على سوريا، وهو ما يُمثل تحولًا جذريًا في العلاقة التجارية بين واشنطن والعالم العربي.

هذا السلم التصاعدي في الرسوم يعكس نبرة صارمة في الخطاب التجاري الأمريكي، ويوجه رسالة مباشرة إلى حلفاء تقليديين في المنطقة بأن المصالح الاقتصادية الأمريكية لم تعد محصنة من السياسات الحمائية، حتى في مواجهة الشركاء المقربين.

كما يعكس تحولًا من مبدأ “المعاملة التفضيلية” إلى “المعاملة بالمثل”، بحسب ما أعلنه ترامب في منشوره على منصة “تروث سوشيال”، حيث قال بوضوح: “الولايات المتحدة ستحاسب كل من يتعامل معها تجاريًا بشكل غير عادل”.

مصر والسعودية في قلب الانكشاف التجاري

تشير بيانات منظمة التجارة العالمية إلى أنَّ مصر، التي شهدت توسعًا ملحوظًا في صادراتها إلى الولايات المتحدة خلال العامين الماضيين، ستتأثر بشدة من القرار، حيث ارتفعت صادراتها من 1.95 مليار دولار في 2023 إلى 7.6 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من 2024.

هذا النمو يعكس اعتمادًا متزايدًا على السوق الأمريكية كمصدر للنقد الأجنبي، في وقت تسعى فيه القاهرة لتعزيز قدرتها التصديرية وتوسيع قاعدة المنتجات الصناعية والزراعية.

أما السعودية، التي تُعد ثاني أكبر شريك تجاري عربي للولايات المتحدة، فقد بلغت صادراتها نحو 12.8 مليار دولار في العام الماضي، وفقًا لبيانات الهيئة العامة للإحصاء، وتشمل الصادرات النفط الخام والمشتقات البترولية والمنتجات الكيماوية، وجميعها ستتأثر تكلفتها التنافسية في حال تطبيق الرسوم الجمركية.

وتشير تقديرات أولية إلى أن فرض رسوم بنسبة 10% قد يرفع كلفة التصدير السعودي إلى السوق الأمريكية بمئات الملايين من الدولارات سنويًا.

من جهتها، تُعد الإمارات من الدول ذات العلاقات الاستثمارية الأوسع مع الولايات المتحدة، ما يجعلها عرضة لارتدادات القرار ليس فقط على مستوى التجارة، بل أيضًا على صعيد تدفقات رؤوس الأموال والتعاون في القطاعات التقنية والخدمات المالية.

أبعاد التصعيد تتجاوز العالم العربي

رسوم ترامب الجديدة لم تقتصر على الدول العربية، بل طالت أيضًا مجموعة من الشركاء التجاريين الكبار، من بينهم الصين (34%)، فيتنام (46%)، تايوان (32%)، اليابان (24%)، والهند (31%).

هذا التوسع في فرض التعريفات يعكس توجهًا استراتيجيًا لإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية بما يتناسب مع المصالح الاقتصادية الأمريكية، وفق رؤية ترامب الاقتصادية القائمة على “إعادة التصنيع” داخل الولايات المتحدة.

لكن هذا التصعيد المتعدد الجبهات -كما يرى محللون- يزيد من هشاشة الاقتصاد العالمي، ويُنذر بعودة محتملة إلى سيناريو الحرب التجارية لعام 2018، حين أدت السياسات الحمائية إلى اضطرابات واسعة في أسواق الأسهم، وتراجع التجارة العالمية، وانكماش الاقتصادات الناشئة.

انعكاسات فورية على أسعار النفط والذهب

تفاعلت الأسواق العالمية سريعًا مع القرار الأمريكي، فقد انخفض سعر خام برنت بنسبة 0.62% ليصل إلى 73.26 دولارًا للبرميل، وسط مخاوف من تباطؤ في الطلب العالمي نتيجة التوترات التجارية، وهو ما يهدد الدول العربية المُصدّرة للنفط، التي تعتمد على أسعار الخام كمصدر رئيسي للإيرادات العامة.

في المقابل، لجأ المستثمرون إلى الذهب كملاذ آمن، ما دفع أسعاره إلى تجاوز مستوى 3200 دولار للأوقية، في أعلى مستوى له منذ بداية العام، بدعم من القلق المتزايد بشأن مستقبل النمو العالمي واستقرار النظام التجاري الدولي.

تحديات مباشرة أمام السياسة التجارية العربية

مع تصاعد هذا النهج الأمريكي، تجد الدول العربية نفسها أمام جملة من التحديات الاستراتيجية؛ لعل أبرزها إعادة النظر في هيكل أسواق التصدير، وتعزيز التكامل التجاري الإقليمي، وتنويع الشركاء التجاريين بما يقلل من الاعتماد على السوق الأمريكية التي باتت أقل استقرارًا.

كما أن الرسوم الجديدة، قد تؤثر سلبًا على جاذبية المنطقة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة في القطاعات التي كانت تُراهن على النفاذ السهل إلى السوق الأمريكية من خلال اتفاقيات تجارة حرة أو امتيازات جمركية، مثل قطاع النسيج والبتروكيماويات والمعادن.

المنظمات الدولية تحذّر من الركود التجاري

في ظل هذه الأجواء، أطلقت منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي تحذيرات متكررة من أن التصعيد التجاري قد يؤدي إلى ركود تجاري عالمي، يُعيد الاقتصاد العالمي إلى أجواء ما بعد 2020، مع تراجع في الطلب، وتزايد حالات الإفلاس في سلاسل التوريد، خاصة في الدول النامية.

كما دعت المنظمة إلى تجنب الانزلاق نحو موجات متبادلة من الرسوم والتعريفات، مؤكدة أن التعاون التجاري لا يزال أداة أكثر فعالية لمعالجة الاختلالات الاقتصادية من الإجراءات الحمائية أحادية الجانب.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو الرسوم الأمريكية الجديدة بمثابة ناقوس خطر للدول العربية التي تعتمد على التجارة الخارجية كمحرك للنمو؛ فبينما لا يزال التأثير الفعلي للرسوم قيد التقييم، فإن الرسالة السياسية والاقتصادية واضحة: العالم يدخل مرحلة جديدة من الحمائية والتنافس، لم تعد فيها العلاقات التجارية محمية بالتحالفات التقليدية.

ولمواجهة ذلك، تحتاج العواصم العربية إلى استراتيجيات سريعة تشمل تنويع الأسواق، ودعم التصنيع المحلي، وتحديث السياسات التجارية، وتطوير اتفاقيات ثنائية جديدة مع شركاء اقتصاديين صاعدين في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

اقرأ أيضًا: رسوم ترامب الجمركية تكبد العالم 10 تريليونات دولار

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة