أحدث إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسم جديد بقيمة 100 ألف دولار على طلبات تأشيرة العمالة الماهرة “H-1B” عاصفة من ردود الفعل في الأوساط الاقتصادية والسياسية داخل الولايات المتحدة وخارجها.
القرار الذي جاء بتوقيع رئاسي مساء الجمعة لم يكن مجرّد تعديل إداري في برنامج هجرة، بل تحوّل إلى قضية جيوسياسية، إذ يُهدد أحد الأعمدة الأساسية لهيمنة وادي السيليكون على صناعة التكنولوجيا العالمية، وبينما أكّد البيت الأبيض أن الرسوم ستُطبق فقط على المتقدمين الجدد، لا على حاملي التأشيرات الحاليين أو طلبات التجديد، فإن الضبابية المحيطة بطريقة التنفيذ والتباين في تصريحات المسؤولين الأمريكيين، أثارا قلقاً بالغاً لدى الشركات والموظفين على حد سواء، بحسب صحيفة فاينينشيال تايمز.
شريان حياة لشركات التكنولوجيا
تأشيرة “H-1B”، التي أنشئت في 1990، صُممت لاستقدام العمالة الأجنبية الماهرة في مجالات متخصصة مثل علوم الحاسوب والهندسة والطب، ويُمنح سنوياً 65 ألف تأشيرة، إضافة إلى 20 ألفاً مخصصة لحملة الماجستير من الجامعات الأمريكية، لكن الطلب يفوق العرض بأضعاف، ففي عام 2025 وحده تلقت الحكومة الأمريكية أكثر من 470 ألف طلب.
وتُعد هذه التأشيرة أداة رئيسية لشركات التكنولوجيا، من عمالقة مثل أمازون وميكروسوفت وجوجل، إلى شركات خدمات تقنية كبرى مثل “Tata Consultancy Services”، حيث إنّها تمثل قناة حيوية لجذب المواهب من الهند والصين وأوروبا، بما يضمن استمرار قدرتها التنافسية في سوق عالمي شديد الارتباط بالابتكار.
عقب القرار، تحرّكت الشركات الكبرى بسرعة غير مسبوقة لحماية موظفيها، وأصدرت أمازون وميكروسوفت وجوجل تعليمات عاجلة تطالب الموظفين بعدم مغادرة الولايات المتحدة إلى أن تتضح القواعد الجديدة، أما الموظفون الموجودون بالفعل خارج البلاد فقد طُلب منهم العودة قبل دخول الإجراءات حيّز التنفيذ.
شركة أمازون وسّعت تحذيراتها لتشمل حاملي تأشيرات “H-4” الخاصة بالمرافقين، وهو ما يعكس إدراكها بأن ارتباكاً إدارياً محتملاً في المطارات قد يطال العائلات أيضاً، فيما وجّه جولدمان ساكس وجي بي مورغان تشيس مذكرات داخلية تحث الموظفين على “توخي الحذر الشديد في السفر الدولي”.
حتى مكاتب المحاماة المختصة بالهجرة مثل فراجومن دخلت على خط الطوارئ، وأوصت عملاءها من حاملي التأشيرات بالعودة الفورية إلى الأراضي الأمريكية.
اقرأ أيضًا: قرار حظر السفر لأمريكا شمل 12 دولة وتقييدات على سبع دول أخرى
البيت الأبيض يوضح.. لكن الغموض مستمر
في محاولة للسيطرة على حالة الارتباك، خرجت كارولين ليفيت، السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، لتؤكد أن الرسوم ستُفرض فقط على المتقدمين الجدد، ولن تشمل حاملي التأشيرات الحاليين أو طلبات التجديد، وأضافت: “حاملو تأشيرات H-1B الحاليون والموجودون خارج البلاد لن يُفرض عليهم رسم 100 ألف دولار لإعادة الدخول”.
لكن هذه التوضيحات تعارضت مع تصريحات هوارد لوتنيك، وزير التجارة الأمريكي، الذي ألمح إلى أن الرسوم ستُحصل سنوياً، والتناقض بين المؤسستين عزز الغموض ودفع الشركات لتبنّي نهج “الاحتياط واجب”.
حماية العمالة الأمريكية
إدارة ترامب دافعت عن القرار باعتباره جزءًا من خطة أوسع لإصلاح برامج الهجرة وتشجيع توظيف الأمريكيين، وقال ترامب في خطاب: “أعتقد أن الجميع سيكونون سعداء، فالشركات ستدفع الكثير من الأموال مقابل هذه المواهب، لكنها ستكون أكثر إنتاجية لاقتصادنا”.
لكن هذه الحجّة لم تُقنع الكثير من خبراء الاقتصاد، إذ يرون أن القرار يرفع التكلفة على الشركات دون أن يضمن بالضرورة خلق وظائف محلية، بل قد يدفع الشركات لنقل مشاريعها إلى مراكز أخرى أكثر مرونة مثل كندا أو سنغافورة أو الهند.
مخاوف قانونية
المحامية راكيل ميلستين، مؤسسة مكتب “Milstein Law Group”، وصفت القرار بأنه “وصفة لفوضى تامة”، مؤكدة أنها قضت ساعات طويلة بالليل للرد على اتصالات موظفين قلقين، وأضافت أن القرار سيُواجه بدعاوى عاجلة أمام المحاكم الفيدرالية للمطالبة بوقف تنفيذه عبر أوامر قضائية مؤقتة.
التجارب السابقة مع سياسات هجرة مثيرة للجدل، مثل “حظر السفر” عام 2017، تُشير إلى أن المحاكم قد تصبح ساحة المعركة الرئيسية، وهو ما يزيد من عدم اليقين بالنسبة للشركات والموظفين على حد سواء.
أهمية اقتصادية تفوق قطاع التكنولوجيا
برنامج “H-1B” لا يخدم شركات التكنولوجيا فقط، فقطاعات مثل الرعاية الصحية، والمحاسبة، والتعليم العالي، والهندسة المدنية تعتمد أيضاً على هذه التأشيرة، ووفق بيانات وزارة الأمن الداخلي الأمريكية تمَّت الموافقة على نحو 400 ألف طلب العام الماضي، معظمها للتجديدات.
وفي ظل شيخوخة القوى العاملة الأمريكية ونقص المهارات المتقدمة محلياً، فإن أي عرقلة في تدفق الكفاءات الأجنبية قد تؤثر على قطاعات حيوية بأكملها، من المستشفيات إلى الجامعات.
من الدعم إلى الرفض الصريح
القرار أحدث انقساماً سياسياً واقتصادياً، فأنصار ترامب يرون فيه حماية لسوق العمل الأمريكي، بينما يعتبره معارضوه ضربة تنافسية قاصمة، وبالنسبة للملياردير إيلون ماسك -أبرز داعمي حملة ترامب- فقد أعلن دعمه للبرنامج نفسه، محذراً من أن إضعافه “سيُقوِّض قدرة أمريكا على الابتكار”. وعلى النقيض دعا ستيف بانون، المستشار السابق لترامب، إلى إلغاء البرنامج بالكامل باعتباره “باباً خلفياً لاستيراد عمالة رخيصة”.
من جهة أخرى، وصف غاري تان، الرئيس التنفيذي لـ”Y Combinator”، القرار بأنه “خطأ استراتيجي يُقوِّض الشركات الناشئة الأميركية ويمنح هدية مجانية لمراكز التكنولوجيا في الخارج”.
من الرابح والخاسر من أزمة H-1B؟
كندا كانت من أوائل المستفيدين غير المباشرين من هذا القرار، وفي هذا السياق دعا غولدي هايدر، رئيس مجلس الأعمال الكندي، بلاده إلى مضاعفة جهودها لجذب الكفاءات الماهرة، فيما قال أليكس تابسكوت من “Ninepoint Partners” إنّ “خسارة أمريكا قد تكون مكسباً لكندا”. وتورونتو وفانكوفر، اللتان شهدتا نمواً في قطاع التكنولوجيا خلال العقد الأخير، قد تجنيان الآن ثمار هذا الارتباك، مع استعداد مزيد من الكفاءات العالمية لاختيار كندا كوجهة بديلة.
أما الهند، التي يُشكل مواطنوها النسبة الأكبر من حاملي “H-1B”، فقد عبّرت عن قلقها العميق، حيث قالت وزارة الخارجية الهندية إن الرسوم “قد تكون لها تبعات إنسانية من خلال ما تُسبّبه من اضطرابات لأسر عديدة”، مشيرة إلى أن تبادل الكفاءات “أسهم بشكل هائل في تطوير التكنولوجيا والابتكار والنمو الاقتصادي في كلا البلدين”، وبالتالي فإنّ التأثير على مئات الآلاف من العائلات الهندية العاملة في الولايات المتحدة قد يُحوّل القضية إلى ملف دبلوماسي معقّد بين واشنطن ونيودلهي.
وبشكل عام، يرى المراقبون أنَّ أي إضعاف لبرنامج “H-1B” لن يقتصر تأثيره على الشركات والأفراد، بل سيمس قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على ريادتها التكنولوجية، وإذا ما أصر ترامب على تطبيق الرسوم فإن النتيجة قد تكون إعادة رسم خريطة تدفقات المواهب عالمياً، على حساب وادي السيليكون، ولصالح منافسين يتربصون بالفرص.
قد يهمّك أيضًا: قانون الهجرة الجديد في أمريكا.. توسع احتجازي يثير الجدل والقلق الحقوقي
