بعد سلسلة من التحذيرات السياسية والتصريحات المتصاعدة، انتقلت الولايات المتحدة إلى مرحلة أكثر صرامة في التعامل مع الملف الإيراني، وذلك بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على صادرات أي دولة تُجري تعاملات تجارية مع إيران إلى السوق الأمريكية.
قرار رسوم ترامب على شركاء إيران، الذي وصف بأنه “نهائي وحاسم”، لا يمكن قراءته كعقوبة تقليدية موجهة لطهران، بقدر ما يمثل تحولًا في فلسفة الضغط الاقتصادي، يقوم على نقل كلفة العقوبات من الدولة المستهدفة إلى محيطها التجاري.
هذا التحول يعني عمليًا أن واشنطن لم تعد تكتفي بعزل إيران مباشرة، بل تخطط إلى تجفيف شبكاتها الاقتصادية غير المباشرة، عبر إجبار شركائها التجاريين على الاختيار بين السوق الأمريكية والعلاقة مع طهران.
خريطة الشركاء التجاريين لإيران
أظهرت البيانات الدولية أن الصين تتصدر قائمة الشركاء التجاريين لإيران بفارق كبير، حيث بلغت قيمة الصادرات الإيرانية إلى بكين نحو 22 مليار دولار في عام 2022، مقابل واردات صينية إلى إيران بحوالي 15 مليار دولار، ما يجعل الصين الشريك التجاري الأول لطهران من حيث الحجم والتأثير. هذا الارتباط لا يقتصر على التجارة السلعية، بل يمتد إلى الطاقة، حيث تستحوذ الصين على قرابة 90% من صادرات النفط الإيراني، غالبًا بأسعار مخفضة بفعل العقوبات.
وتأتي تركيا في المرتبة الثانية بعلاقة تجارية متوازنة نسبيًا، إذ سجلت الصادرات الإيرانية إليها قرابة 5.8 مليارات دولار، فيما تجاوزت الواردات التركية إلى إيران 6 مليارات دولار خلال عام 2022، ما يعكس تشابكًا اقتصاديًا حساسًا لأي ضغوط خارجية.
أما الهند، فتحتل موقعًا متقدمًا في الخريطة التجارية، حيث بلغ حجم التبادل التجاري مع إيران نحو 1.34 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، وفق بيانات وزارة التجارة الهندية، مع ارتباط واضح بملفات الطاقة والنقل والموانئ.
وكذلك ألمانيا، إذ سجلت صادرات إيران إليها نحو 180 مليون دولار في عام 2022، مقابل واردات ألمانية قاربت ملياري دولار، ما يضع الاقتصاد الألماني أيضًا ضمن نطاق التأثر غير المباشر بالقرار الأمريكي.
اقرأ أيضًا: لماذا تعاني إيران من أزمة طاقة رغم مواردها الهائلة؟
الصين في بؤرة الاستهداف… لماذا هي الحلقة الأضعف؟
رغم أن القرار الأمريكي يشمل جميع شركاء إيران، فإن الصين تبدو الأكثر عرضة للتأثير، ليس فقط بسبب حجم تجارتها مع طهران، بل لأنها في الوقت نفسه أحد أكبر المصدّرين إلى الولايات المتحدة، وبذلك تصبح بكين أمام معادلة معقدة: الاستمرار في الاستفادة من النفط الإيراني منخفض التكلفة، أو تجنب خسائر محتملة في السوق الأمريكية.
اقتصاديًا، تمثل الصين الشريان الحيوي للاقتصاد الإيراني في ظل العزلة الغربية، وهو ما يجعل أي ضغط عليها ضغطًا مباشرًا على قدرة إيران على الصمود. وفي الوقت نفسه، تدرك واشنطن أن استهداف الصين بهذه الطريقة قد يعيد إشعال التوتر التجاري بين القوتين الأكبر عالميًا.
اقرأ المزيد: هل تُطيح أزمة إيران بـ”الهدنة التجارية” بين أمريكا والصين؟
غموض التطبيق سلاح بحد ذاته
رغم إعلان ترامب أن القرار “ساري المفعول فورًا”، فإن آلية التنفيذ لا تزال غير واضحة؛ حيث لم يحدد البيت الأبيض كيفية رصد الدول المخالِفة، ولا توقيت فرض الرسوم فعليًا، ولا ما إذا كانت ستُضاف إلى تعريفات قائمة أم سيتم فرضها بشكل مستقل.
هذا الغموض خلق حالة من القلق في الأسواق، وفتح الباب أمام تفسيرات متباينة، خصوصًا مع امتناع الإدارة الأمريكية عن تقديم توضيحات تفصيلية، كما يمكن اعتباره أداة ضغط إضافية، إذ يضع الشركاء التجاريين لإيران في حالة ترقب دائم، ويبقي القرار كسيف مسلط دون تحديد دقيق لنقطة الضربة.
طهران ترد.. تصعيد سياسي وتحذير اقتصادي
أعربت وزارة الخارجية الإيرانية عن إدانتها الشديدة للقرار، معتبرة أنه يمثل تصعيدًا جديدًا في سياسة الخنق الاقتصادي وأكد المتحدث باسم الوزارة إسماعيل بقائي أن الشعب الإيراني يعاني منذ سنوات من ضغوط اقتصادية قاسية نتيجة العقوبات الأمريكية، التي وصفها بأنها غير قانونية وتتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة والمبادئ الأساسية للقانون الدولي.
وحذرت طهران من أن هذه الخطوة لن تضر إيران وحدها، بل ستُلحق أضرارًا مباشرة بالتجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية، داعية الأمم المتحدة إلى الاضطلاع بدورها في حماية النظام التجاري الدولي من الإجراءات الأحادية.
من العقوبة إلى الردع غير المباشر
من جهة تشريعية واقتصادية، قال الدكتور عمرو يوسف، أستاذ التشريعات الاقتصادية، إن رسوم ترامب على شركاء إيران تمثل نقلة نوعية في أدوات العقوبات، حيث لم تعد العقوبة تستهدف الدولة المُعاقبة فقط، بل أصبحت تحمل شركاءها التجاريين كلفة التعامل معها.
وأوضح أن أخطر تداعيات القرار تكمن في تهديد هدنة الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، إذ قد يعيد التوتر إلى العلاقات الاقتصادية بين القوتين، ويزيد من حالة عدم اليقين لدى الشركات متعددة الجنسيات وسلاسل الإمداد العالمية. كما أشار إلى أن فرض هذه الرسوم سيرفع تلقائيًا تكاليف الشحن والتأمين والتمويل، ما قد يدفع إيران إلى تقديم خصومات أعمق على نفطها للحفاظ على جاذبيته.
اقتصاد الظل يعود إلى الواجهة
أوضح يوسف أن هذه التطورات قد تؤدي إلى توسع الاعتماد على ما يعرف بـ”اقتصاد الظل”، وذلك من خلال استخدام سفن شحن تعمل بعيدًا عن الرقابة، أو اللجوء إلى ترتيبات مالية غير تقليدية. وأشار إلى أنَّ الصين قد تحاول الالتفاف على القرار عبر آليات دفع خارج الدولار أو عبر أطراف ثالثة، إلا أن هذه الحلول سترفع بدورها تكلفة المعاملات وتعقيدها، وتقلل من الكفاءة الاقتصادية.
يأتي هذا التصعيد في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لإيران، مع تراجع حاد في قيمة الريال الإيراني، وارتفاع معدلات التضخم، واتساع رقعة الاحتجاجات الاجتماعية في عدد من الولايات، ما يجعل الضغط الاقتصادي الخارجي عاملًا مضاعفًا للأزمة الداخلية، ويزيد من هشاشة المشهد الاقتصادي والسياسي.
يرى الخبير أن ما يجري لا يمكن اعتباره قرارًا جمركيًا عابرًا، بل خطوة تعيد رسم قواعد الاشتباك الاقتصادي في الصراع الأمريكي-الإيراني، مع وجود الصين في قلب المعادلة. هذه التطورات قد تفتح الطريق أمام مرحلة جديدة يُستخدم فيها كل من التجارة والطاقة كسلاح سياسي، في عالم أصبحت فيه سلاسل الإمداد أكثر هشاشة، وعلاقات الاعتماد المتبادل أكثر تعقيدًا، بحيث بات أي قرار أحادي قادرًا على إحداث ارتدادات واسعة على الاقتصاد العالمي.
قد يهمّك أيضًا: “احتلوا المؤسسات”.. كيف يترجم المستثمرون رسائل ترامب لإيران؟