رسوم ترامب.. هل تحمي الاقتصاد أم تُشعل نار الأسعار؟ 

حذّر عدد من خبراء الاقتصاد من التداعيات السلبية المحتملة للسياسات الجمركية المتشددة التي تبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مشيرين إلى أنَّ هذه الإجراءات، رغم ما تحمله من أهداف معلنة لحماية الاقتصاد المحلي، قد تتسبب في موجة من ارتفاع الأسعار، وتلقي بظلالها على استقرار السوق الأمريكي على المدى القريب.

ومن جانبه قال الدكتور فرج عبدالله، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، إنَّ رسوم ترامب لم تكن مفاجئة تمامًا، وإنما كانت متوقعة إلى حد كبير، نظراً لتاريخه السابق ومواقفه الاقتصادية المُعلنة منذ حملته الانتخابية الأولى، خاصة فيما يتعلق برفع الرسوم الجمركية على واردات بعض الدول.

وأوضح أنَّ ترامب كان قد أعلن سابقًا انسحابه من عدة اتفاقيات تجارية، أهمها اتفاقية “نافتا” الخاصة بالتجارة الحرة لأمريكا الشمالية، وهو ما يمثل مؤشرًا واضحًا على توجهاته الاقتصادية القائمة على تقليص العجز في الميزان التجاري الأمريكي، والذي كان يرى فيه استنزافًا مستمرًا لموارد الولايات المتحدة.

وبالتالي، فإنَّ رفع الرسوم الجمركية لم يكن أمرًا مفاجئًا في حد ذاته، لكن المفاجأة الحقيقية كانت في نسب الزيادة المرتفعة جدًا التي فرضت على بعض الواردات، إلى جانب عدد الدول الكبير الذي شملته هذه القرارات، والذي بلغ، بحسب تقدير الدكتور فرج عبدالله، أكثر من 60 دولة.

خلفيات قرار ترامب برفع الرسوم الجمركية

أشار الدكتور فرج عبدالله إلى أنَّ هذه الرسوم لم تستثنِ أحدًا تقريبًا، عدا عدد قليل من الدول التي لم يتم فرض رسوم مرتفعة عليها، ما يعكس توجه الإدارة الأمريكية نحو حماية الاقتصاد المحلي، واعتبار تلك الرسوم وسيلة فعالة لتحقيق ثلاثة أهداف؛ وهي خفض العجز التجاري، وزيادة الإيرادات الحكومية، وتعزيز الناتج المحلي.

وبدوره، حذَّر الدكتور فرج عبدالله من أنَّ هذا التوجه سلاح ذو حدين، مُشيرًا إلى تبعاته الاقتصادية الخطيرة على المدى القصير، خاصة داخل السوق الأمريكية؛ فمع بداية تطبيق الرسوم الجمركية الجديدة ستُترجم هذه الزيادات مباشرة إلى ارتفاع في أسعار السلع بنفس نسب الرسوم، لا سيَّما في قطاعات مثل السيارات والإلكترونيات، وهي من أبرز السلع التي شملها القرار.

تخفيف تداعيات الرسوم عبر استثناءات مدروسة

لفت عبدالله إلى أنَّ الإدارة الأمريكية تُخَطِّط إلى تخفيف وطأة هذه الإجراءات من خلال استثناء بعض السلع، وعلى رأسها واردات النفط والغاز والبترول، في محاولة لتقليل فاتورة الوقود، وبالتالي الحد من التضخم المتوقع. وأكَّد أن السلع المستوردة ليست جميعها خاضعة للرسوم الجديدة، فهناك سلع معينة تم استثناؤها بشكل استراتيجي.

وأضاف أنَّ السوق الأمريكية ستواجه فترة من الاضطراب في سلاسل الإمداد نتيجة هذه القرارات، إذ إن عددًا كبيرًا من الصناعات المحلية تعتمد بشكل رئيسي على مواد خام ومكونات إنتاج مستوردة، وبالتالي فإنّ الأمر سيتطلب مدة زمنية، قد تصل إلى عام، حتى تبدأ الأسواق في التكيف ونقل خطوط الإمداد أو تصنيع بعض المكونات محليًا.

وختم الدكتور فرج عبدالله تحليله مؤكّدًا أنَّ هذه التوجهات قد تفرض في النهاية ضغوطًا على العملة الأمريكية نفسها، ما قد يؤدي إلى خفض قيمتها كأداة للتقليل من التأثيرات السلبية الناجمة عن هذه السياسات الجمركية، لا سيَّما في ظل التحديات الداخلية المتوقعة خلال المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضًا: كيف أثرت الرسوم الجمركية الأمريكية على أسواق النفط؟

انعكاسات اقتصادية عالمية خطيرة

لفت الدكتور ناصر حسن، الخبير الاقتصادي، إلى أنَّ الإجراءات التي اتخذها ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة تمثل زلزالًا اقتصادياً كبيراً يهدد استقرار النظام التجاري العالمي، ويعيد إلى الأذهان أزمات الحروب التجارية الكبرى، مشيرًا إلى أنَّ هذه الرسوم أحدثت ارتدادات مالية عنيفة في الأسواق العالمية، ما ينذر بعواقب اقتصادية وخيمة على المدى القريب والبعيد.

وقال: “الواقع الجديد الذي فرضته إدارة ترامب دفع الحكومات والشركات حول العالم لمحاولة التكيّف مع تداعيات الرسوم الجمهورية، والتي تسببت فعليًا في تراجع قياسي لمؤشرات البورصات العالمية، خاصة الأمريكية”.

كما أوضح الخبير الاقتصادي أن الأسواق المالية تعاني من حالة من عدم اليقين نتيجة غموض السياسات الاقتصادية الأمريكية، لافتًا إلى أنَّ هذا الغموض دفع المستثمرين إلى التخلي عن الأصول ذات المخاطر المرتفعة واللجوء إلى الأصول الآمنة.

تداعيات القرار على الأسواق الأمريكية

أشار الخبير إلى أنَّ الأصول المالية الأمريكية كانت بالفعل مهيأة لحالة من التصحيح، وأن فرض الرسوم جاء ليعمق هذا التصحيح، ويدخل الأسواق الأمريكية في ما يسمى بـ”السوق الهابطة”، بعد تراجعها بنسبة تقارب 20% من أعلى مستوياتها.

وعلّق حسن على الانهيارات التي شهدتها الأسواق الأمريكية، مشيرًا إلى أن مؤشر “داو جونز” خسر أكثر من 2000 نقطة، ودخل مؤشر “ناسداك” منطقة السوق الهابطة، مؤكدًا أن تأثير هذه الإجراءات قد يفوق ما شهدته الأسواق خلال جائحة كورونا.

وتابع: “الخلاف بين ترامب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول يعكس حجم الانقسام داخل الإدارة الأمريكية نفسها؛ حيث يطالب ترامب بتخفيض أسعار الفائدة لتخفيف العبء على المواطن الأمريكي، بينما يرفض الفيدرالي ذلك بسبب مخاوف من تضخم مرتفع نتيجة الرسوم الجديدة”.

إجراءات مضادة قوية

أوضح الدكتور ناصر حسن أنَّ هذه الخطوة التصعيدية التي اتّخذتها الإدارة الأمريكية وضعت العلاقات التجارية بين واشنطن وشركائها الأوروبيين والدوليين على صفيح ساخن، لافتًا إلى أنَّ عواصم عدة سارعت بالتلويح لإجراءات مضادة قد تشعل مواجهة تجارية محتدمة، وتعيد رسم موازين القوى الاقتصادية في العالم.

وأكَّد أن كندا بادرت بالفعل باتخاذ إجراءات مضادة قوية، ولوّحت بالتحوُّل إلى أوروبا وآسيا لإيجاد أسواق بديلة، فيما أعلنت بريطانيا أن جميع الخيارات مطروحة للرد على الرسوم الأمريكية، بينما يستعد الاتحاد الأوروبي لفرض رسوم انتقامية على منتجات أمريكية بقيمة عشرات المليارات من الدولارات.

وقال: “الصين تمثل الخصم الاستراتيجي الأكبر للولايات المتحدة، لهذا فإن المواجهة معها مرشحة للاستمرار حتى لو شهدنا فترات من التهدئة الظاهرية؛ حيث إنّ هدف واشنطن هو كبح صعود الصين كقوة عظمى، وهذا الصراع سيتخذ أشكالاً اقتصادية وتجارية متعددة في المستقبل القريب”.

اطّلع على تفاصيل الرد الصيني على رسوم ترامب الجمركية

التفاوض هو الحل لتسوية الخلافات التجارية

لفت الدكتور ناصر حسن إلى أنَّ ردود الفعل الدولية تختلف بحسب طبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة، حيث تسعى دول مثل كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي لتسوية الخلافات تجاريًا، في حين أن الصراع مع الصين يتجاوز الجانب التجاري ليأخذ طابعًا سياسيًا واستراتيجيًا.

ونوّه أيضًا إلى أنَّ صندوق النقد الدولي حذر من هذه الإجراءات، واعتبرها تهديدًا كبيرًا للاقتصاد العالمي، مطالبًا واشنطن وشركاءها التجاريين بالتعاون لتهدئة التوترات.

واختتم حسن تصريحاته بالتأكيد على أنّ التساؤلات تتزايد حول مستقبل الاقتصاد العالمي، لا سيما مع ازدياد المخاوف من انزلاق الأسواق نحو ركود جديد بسبب السياسات الحمائية التي تتبناها واشنطن، مشيرًا إلى أن لغة التفاوض قد تكون المخرج الوحيد لتفادي أزمة مالية عالمية شاملة.

اقرأ المزيد في هذا التقرير: صندوق النقد يُحذر من خطر اقتصادي شامل!

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة