رفض ترامب للرد الإيراني.. هل يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة؟
أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلط أوراق المشهد الإقليمي، بعدما أنهى حالة التفاؤل التي تصاعدت مؤخراً بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب مع إيران، وذلك عقب وصفه للمقترحات الإيرانية بأنها لا تستجيب للشروط المطروحة لاحتواء التصعيد، وسط تصاعد المخاوف من أن تتجاوز الأحداث المقبلة حدود الاشتباك التقليدي بين واشنطن وطهران.
وفي هذا الشأن، قدّم الدكتور أحمد عناني، أستاذ العلاقات الدولية، قراءة تحليلية لتطورات الموقف الأمريكي الإيراني، في ضوء رفض ترامب للرد الذي قدمته طهران عبر الوسيط الباكستاني على المقترح الأمريكي الهادف إلى إنهاء الحرب.
واعتبر عناني أن هذا الرفض يمثل منعطفًا مهمًا في مسار الأزمة، لأنه لا يعكس مجرد تباين تفاوضي محدود، بل يشير إلى انتقال الملف إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الحسابات السياسية والدبلوماسية والأمنية على نحو يزيد من حساسية المشهد إقليمياً ودولياً.
وأوضح عناني أن وصف ترامب للرد الإيراني بأنه “غير مقبول إطلاقاً” يكشف عن اتجاه أمريكي واضح نحو تصعيد الضغوط السياسية على طهران، بالتوازي مع استمرار الغموض بشأن الخطوة المقبلة لواشنطن، سواء من خلال الإبقاء على قنوات التفاوض غير المباشر، أو الانتقال إلى خيارات أكثر حدة قد تشمل التصعيد العسكري.
ولفت إلى أن هذا الغموض يعمق حالة عدم اليقين في المنطقة، ويزيد من توتر الأسواق والمشهد الأمني، في ظل ترقب واسع لأي تحركات مفاجئة من الأطراف المعنية.
التنسيق الأمريكي الإسرائيلي
شدّد أستاذ العلاقات الدولية على أن تطورات الأزمة لا يمكن قراءتها بمعزل عن مستوى التنسيق القائم بين واشنطن وتل أبيب، حيث تتقاطع الرؤى الأمريكية والإسرائيلية حول ضرورة الحد من القدرات الإيرانية النووية والصاروخية.
وأشار في هذا السياق إلى تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي أكد فيها أن “الحرب لم تنته بعد”، معتبراً أن هذه التصريحات تعكس استمرار الضغوط والتهديدات المرتبطة بالملف الإيراني، وتؤكد أن إسرائيل لا تزال تنظر إلى هذا الملف باعتباره أولوية أمنية مفتوحة.
وبين عناني أن الرد الإيراني، وفقًا لما تم تداوله، تضمن حزمة من المطالب والبنود، من بينها الدعوة إلى إنهاء الحرب على مختلف الجبهات، بما في ذلك لبنان، والحصول على ضمانات بعدم تكرار الهجمات الأمريكية أو الإسرائيلية ضد إيران، إلى جانب المطالبة بتعويضات، وطرح قضايا تتصل بإدارة مضيق هرمز والأصول الإيرانية المجمدة، غير أن هذه المطالب اصطدمت برفض أمريكي واضح، بما يعكس حجم الفجوة القائمة بين الطرفين وصعوبة الوصول إلى صيغة توافقية في الوقت الراهن.
وأشار إلى أن نقاط الخلاف الجوهرية لا تزال تتمحور حول ما تعتبره واشنطن خطوطاً حمراء، وفي مقدمتها مستقبل اليورانيوم المخصب، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ومصير البرنامج النووي الإيراني.
وأكد أن هذه الملفات تمثل جوهر الأزمة، وتجعل الفجوة بين واشنطن وطهران واسعة ومعقدة، رغم استمرار الوساطات الدولية، وفي مقدمتها الوساطة الباكستانية.
وأضاف أن غياب رؤية أمريكية واضحة بشأن الخطوات المقبلة، بين خيار مواصلة التفاوض وخيار العودة إلى التصعيد العسكري، يعكس حالة أقرب إلى إدارة الأزمة لا إلى السعي نحو تسوية نهائية.
وأوضح أن هذا الوضع يتزامن مع ضغوط داخلية تواجه الإدارة الأمريكية، إلى جانب تنامي التنسيق مع إسرائيل في إدارة الملف الإيراني، وهو ما يضيف مزيداً من التعقيد إلى المشهد السياسي والدبلوماسي.
اقرأ أيضًا: الثمن الذي تدفعه إسرائيل مقابل حروبها المفتوحة
طهران تعيد صياغة شروط التفاوض
يرى عناني أن الطرح الإيراني، الذي يتحدث عن إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز تدريجياً مقابل رفع العقوبات وتخفيف القيود على صادرات النفط، يعكس محاولة من طهران لإعادة صياغة شروط التفاوض وفرض معادلة جديدة على الطاولة، إلا أن هذه المقاربة لم تلقَ قبولا كاملًا لدى واشنطن، التي تتمسك بترتيبات أكثر صرامة تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني ومخزون اليورانيوم المخصب.
واختتم الدكتور أحمد عناني تصريحاته بالتأكيد على أن المشهد الراهن لا يزال مفتوحاً على عدة سيناريوهات، تبدأ باستمرار التفاوض غير المباشر دون تحقيق اختراق حاسم، مروراً باحتمال حدوث تصعيد محدود، وصولاً إلى انفجار أوسع في حال فشل الجهود الدبلوماسية.
كما أكد أن المرحلة الحالية تتسم بارتفاع غير مسبوق في مستويات المخاطر السياسية والأمنية والاقتصادية في الإقليم، بما يجعل المنطقة أمام لحظة شديدة الحساسية والترقب.
اقرأ أيضًا: النفط بين توترات مضيق هرمز ونزيف المخزونات العالمية
المناورة تسيطر على السلوك التفاوضي الإيراني
من جانبه، حلّل جمال رائف، خبير العلاقات الدولية، طبيعة الرد الإيراني الأخير على المقترح الأمريكي، ومدى إمكانية أن تقدم طهران تنازلات جوهرية لإنهاء الحرب أو تخفيف حدة التصعيد القائم، وأكّد أن المشهد الراهن لا يزال يتحرك داخل مساحة معقدة يمكن وصفها بحالة “اللا حرب واللا سلم”، موضحاً أنّ السلوك التفاوضي الإيراني خلال المرحلة الماضية اتسم بدرجة عالية من المناورة، عبر اعتماد سياسة تقوم على “لا رفض كامل ولا قبول صريح” في الوقت نفسه.
وأوضح رائف أن طهران لا تبدو حتى الآن في وارد تقديم تنازلات واسعة أو مباشرة، إذ لا يزال الجانب الإيراني يراهن على قدرته على مواصلة توجيه ضربات مؤثرة وموجعة للولايات المتحدة وحلفائها، بما قد يدفع واشنطن في النهاية إلى مراجعة سقف مطالبها وخفض شروطها التفاوضية.
وأضاف أن القيادة الإيرانية تنظر إلى عامل الوقت باعتباره ورقة ضغط يمكن توظيفها لصالحها، خاصة في ظل استمرار الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تواجهها الإدارة الأمريكية، سواء داخل الإقليم أو على مستوى الحسابات الداخلية الأمريكية.
وأشار خبير العلاقات الدولية إلى أنّ إيران تدرك أن تقديم تنازلات كبيرة في هذه المرحلة قد يفتح الباب أمام ملفات شديدة الحساسية، وربما أمام محظورات كانت طهران ترفض سابقاً إدراجها على طاولة النقاش.
ولذلك تتعامل القيادة الإيرانية بحذر شديد مع أي خطوة تفاوضية يمكن تفسيرها باعتبارها تراجعاً استراتيجياً أو قبولاً ضمنياً بالشروط الأمريكية، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالنفوذ الإقليمي والقدرات العسكرية والتحالفات التي بنتها طهران خلال العقود الماضية.
قد يهمّك أيضًا: تداعيات رفض ترامب للرد الإيراني على أسواق الطاقة
لماذا تصر طهران على إدراج لبنان في أي تفاهم؟
فيما يتعلق بإصرار إيران على ربط الملف اللبناني بمسار المفاوضات الجارية، أوضح رائف أن هناك توجهاً دولياً واضحاً يسعى إلى فصل الساحات والملفات الإقليمية عن المسار المباشر للتفاوض الأمريكي الإيراني، وفي مقدمة هذه الساحات لبنان، إلا أن طهران، بحسب تقديره، ترفض هذا الفصل بشكل واضح، وتسعى إلى تثبيت معادلة سياسية تقوم على ترابط الملفات الإقليمية المختلفة، باعتبار أن أي تفاهم مع إيران لا يمكن أن يتم بمعزل عن امتداداتها ونفوذها في المنطقة.
وأكد أن تمسك إيران بإبقاء الملف اللبناني ضمن الإطار التفاوضي لا يحمل فقط دلالات عسكرية أو ميدانية، بل يتضمن رسائل سياسية أوسع، فطهران تريد التأكيد أن نفوذها الإقليمي ليس ملفاً ثانوياً أو قابلاً للتجاوز، وأن أي ترتيبات مستقبلية في المنطقة يجب أن تأخذ في الاعتبار دور إيران وتحالفاتها، سواء في لبنان أو في غيره من ساحات التأثير الإقليمي.
وأضاف أن الخطاب الإيراني المتكرر بشأن وقف الحرب لا ينبغي قراءته فقط من زاوية البعد الأخلاقي أو في إطار دعم ما يعرف بمحور المقاومة، وإنما يجب النظر إليه باعتباره جزءاً من محاولة إيرانية لإيصال رسائل استراتيجية إلى الولايات المتحدة وحلفائها، فطهران وفق هذا المنظور لا تتعامل مع المواجهة باعتبارها معركة منفصلة تخص إيران وحدها، بل تراها جزءاً من توازنات إقليمية أوسع تشمل لبنان وساحات أخرى مرتبطة بالصراع الدائر في المنطقة.
وأشار إلى أن إيران تسعى من خلال هذه الرسائل إلى تثبيت معادلة مفادها أن أي تسوية أو تفاهم مستقبلي لن يكون قابلاً للحياة إذا جرى بمعزل عن النفوذ الإيراني الإقليمي فلبنان بالنسبة لطهران ورقة ضمن شبكة أوسع من الأوراق التي تستخدمها في إدارة التفاوض والضغط السياسي، بما يعزز قدرتها على المناورة أمام واشنطن وحلفائها.
واختتم جمال رائف تصريحاته بالتأكيد على أن المفاوضات الحالية لا تزال بعيدة عن الوصول إلى اتفاق نهائي أو تسوية حاسمة، في ظل تمسك كل طرف بأوراق القوة التي يمتلكها، واستمرار تبادل الرسائل السياسية والعسكرية عبر الوسطاء والقنوات غير المباشرة، بانتظار ما إذا كانت الأطراف المعنية ستتجه إلى خفض التصعيد أم إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيداً من المواجهة.
اقرأ أيضًا: ترامب وبينغ ومضيق هرمز.. مثلث الضغط الذي ينهي حرب إيران