شهدت الكويت تطورًا مهمًا في تقييمها الائتماني بعد إعلان وكالة “ستاندرد آند بورز” رفع التصنيف الائتماني للبلاد على المديين الطويل والقصير من مستوى “إيه +/ إيه -1” إلى “إيه إيه – / إيه -1” ، مع الإبقاء على النظرة المستقبلية مستقرة، في خطوة اعتبرتها الأسواق مؤشرًا واضحًا على أن الإصلاحات المالية والاقتصادية التي شرعت الدولة في تنفيذها بدأت تترجم إلى نتائج ملموسة على مستوى الأداء المالي واستدامة التمويل.
ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه اقتصادات المنطقة والعالم حالة من التقلبات المتصاعدة، بدءًا من تراجع أسعار النفط أحيانًا وارتفاع تكلفة التمويل عالميًا، مرورًا بتباطؤ الاقتصاد العالمي، وانتهاءً بتأثيرات التوترات الجيوسياسية على حركة التجارة، وبالتالي فإن نجاح الكويت في تحسين تصنيفها الائتماني يعد رسالة مهمة على صلابة مركزها المالي وقدرتها على إدارة التحديات بحكمة مالية وخطط إصلاح واقعية.
أسباب رفع التصنيف الائتماني للكويت
أكد تقرير “ستاندرد آند بورز” أنَّ رفع التصنيف الائتماني للكويت يعكس الزخم الإصلاحي الكبير الذي شهدته البلاد منذ تطبيق قانون التمويل والسيولة في مارس 2025، وهو القانون الذي أحدث نقلة جوهرية في قدرة الدولة على إدارة الموازنة العامة، وسمح لها باستخدام أدوات مالية مرنة بعد عقود كانت فيها الإجراءات التمويلية شديدة التقييد. وقد انعكس ذلك بشكل مباشر في إصدار أول سندات دولية للكويت منذ عام 2017، بقيمة 11.25 مليار دولار في أكتوبر 2025، وهو إصدار لاقى طلبًا استثنائيًا بتغطية تجاوزت 2.5 مرة.
كما أشارت البيانات الرسمية إلى أن الحكومة الكويتية أصدرت في مارس مرسومًا بقانون يسمح لها بإصدار ديون تصل إلى 30 مليار دينار، مع إمكانية إصدار أوراق مالية بآجال استحقاق طويلة تمتد حتى 50 عامًا؛ وهي خطوة تعزز قدرة الدولة على إدارة التزاماتها التمويلية عبر أفق زمني طويل، وتقليل الاعتماد المكثف على عوائد النفط لتمويل الاحتياجات السنوية.
القوة المالية للكويت رغم العجز
توقَّعت الوكالة أن تواصل الحكومة الكويتية تنفيذ سياسات مالية وهيكلية تستهدف تنويع الاقتصاد، وتحديث البنية التحتية، وزيادة الإيرادات غير النفطية، في إطار رؤية أوسع تهدف إلى تعزيز الاستدامة المالية على المدى الطويل. وعلى الرغم من توقع عجز مالي قد يبلغ 7% من الناتج المحلي بين 2025 و2028 بسبب توقعات أسعار النفط المنخفضة نسبيًا، إلا أن الكويت ما زالت تتمتع بدرع مالي قوي يتمثل في أصول حكومية سائلة تبلغ نحو 534% من الناتج المحلي، وهي من أعلى النسب عالميًا.
وترجع هذه القوة المالية إلى تراكم الأصول داخل الهيئة العامة للاستثمار منذ سنوات طويلة، إضافة إلى استراتيجية واضحة تعتمد على السحب المنظم من صندوق الاحتياطي العام إلى جانب الإصدارات الدورية للأدوات المالية، وهو ما يمنح الحكومة قدرة على تمويل احتياجاتها دون مخاطر.
وفي ضوء هذه التطورات، أكدت “ستاندرد آند بورز” أن الإصلاحات الحكومية تشمل إجراءات مثل تطبيق الضريبة الانتقائية، وإعادة تسعير الخدمات الحكومية، وترشيد الدعم، وإعادة هيكلة عقود تأجير أراضي الدولة، وضبط نمو فاتورة الأجور. ورأت الوكالة أن حل مجلس الأمة، رغم تأثيره السياسي، أسهم في تسريع إقرار هذه الإصلاحات بعد سنوات من الجمود.
اقرأ أيضًا حول تحذيرات صندوق النقد من تأخر الكويت في الإصلاحات الاقتصادية
الناتج المحلي للكويت
على المستوى الاقتصادي، توقعت الوكالة نمو الناتج المحلي الحقيقي للكويت بنسبة 2% في المتوسط بين 2025 و2028، مدعومًا بتخفيف قيود التمويل، وزيادة إنتاج النفط تدريجيًا، والاستثمارات الكبيرة في مشروعات استراتيجية مثل المنطقة الاقتصادية الشمالية، وميناء مبارك الكبير، والمشروعات الإسكانية، إضافة إلى توسع الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
ورغم ذلك، حذرت الوكالة من أن نصيب الفرد من الناتج المحلي سيظل ثابتًا نسبيًا، وهو ما يشير إلى أن النمو يعتمد على زيادة العمالة وليس على ارتفاع الإنتاجية، بما يستدعي إصلاحات إضافية في سوق العمل.أما على الصعيد النقدي، فقد توقعت الوكالة استمرار استقرار الدينار الكويتي المربوط بسلة عملات تهيمن عليها العملة الأمريكية، مستفيدًا من الاحتياطيات الأجنبية الضخمة والسياسة المالية المتحفظة، مع بقاء التضخم عند مستويات معتدلة تبلغ نحو 2.4% بفضل الدعم الحكومي للسلع الأساسية.
أهمية قانون التمويل والسيولة
في تعليقها على القرار، أكَّدت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، أن قرار الوكالة برفع التصنيف الائتماني السيادي للكويت يعد مؤشرًا قويًا على تحسن قدرة الدولة على إدارة أوضاعها المالية وتنويع مصادر تمويلها، وخاصة بعد سلسلة من الإصلاحات التي طبقتها الحكومة خلال العامين الأخيرين، وأوضحت أن الرفع يعكس ثقة المؤسسات الدولية في قدرة الاقتصاد الكويتي على تجاوز التحديات المرتبطة بتقلبات أسعار النفط، والتحول التدريجي نحو نموذج مالي أكثر مرونة واستدامة.
قالت خضر إن قانون التمويل والسيولة كان نقطة تحوّل رئيسية، لأنه خفّف من القيود التي كانت تحد من قدرة الموازنة على تلبية الاحتياجات التمويلية، وسمح بالعودة القوية إلى أسواق الدين العالمية عبر إصدار سندات دولية بقيمة 11.25 مليار دولار لاقت تغطية لافتة، وأضافت أن مرسوم إصدار ديون دولية حتى 30 مليار دينار وإمكانية إصدار أدوات بتواريخ استحقاق ممتدة هو خطوة استراتيجية منحت الدولة مساحة تمويلية طويلة الأجل.
وأشارت إلى أنَّ الوكالة ربطت بوضوح بين رفع التصنيف واستمرار تنفيذ الكويت لإصلاحات مالية واقتصادية واسعة، تشمل الضريبة الانتقائية، وإعادة تسعير الخدمات الحكومية، وترشيد الدعم، وضبط الأجور، وتعديل أنظمة تأجير الأراضي، مؤكدة أن حلّ مجلس الأمة ساهم فعليًا في تسريع تنفيذ هذه الإصلاحات بعد سنوات من التوقف.
وأكدت مروى خضر أن الوضع المالي للكويت ما زال قويًا رغم توقعات العجز، بفضل أصول ضخمة لدى الهيئة العامة للاستثمار، وأن الدولة ستواصل تمويل العجز عبر مزيج من الإصدارات والسحب المنظم من الاحتياطيات.
واختتمت الخبيرة تصريحاتها بالإشارة إلى أن أي رفع إضافي للتصنيف الائتماني سيعتمد على تعزيز النمو غير النفطي، وتطوير أسواق رأس المال، وتحسين كفاءة الإدارة المالية، مؤكدة أن الكويت أمام فرصة تاريخية لتعزيز مكانتها الاقتصادية إذا حافظت على زخم الإصلاح.
اقرأ أيضًا: الكويت تقرّ قانون التمويل والسيولة لدعم الاقتصاد