هل يبطئ رفع عائد التمويل العقاري في مصر حركة الشراء؟
في خطوة جديدة تؤكد التوجه الحذر والمخطط للبنك المركزي المصري في إدارة السياسة النقدية، أعلن البنك عن رفع عائد التمويل العقاري لمتوسطي ومحدودي الدخل، في قرار يُعد من أبرز التحركات التمويلية خلال عام 2025. ويأتي هذا القرار كإعادة هيكلة شاملة لبرامج التمويل العقاري لتتلاءم مع المرحلة الحالية من الاقتصاد المصري التي تتسم بتغيرات كبيرة في مؤشرات الفائدة والتضخم، واستمرار مساعي الدولة في دعم المواطنين للحصول على سكن ملائم بشروط تمويل ميسّرة، ولكن بطريقة أكثر استدامة وعدالة من الناحية المالية والنقدية.
أسباب رفع عائد التمويل العقاري
جاء قرار البنك المركزي في وقت يشهد فيه الاقتصاد المصري مرحلة دقيقة من إعادة التوازن النقدي، بعد سلسلة من التحولات التي شملت خفض أسعار الفائدة الأساسية بمقدار 6.25% منذ بداية عام 2025، وهو ما انعكس على ارتفاع الطلب داخل السوق العقاري.
وكانت المبادرات السابقة ذات العائد المنخفض –التي وفّرت تمويلات بفائدة 3% و8% متناقصة– قد نجحت بالفعل في تحفيز حركة الشراء والإقراض العقاري، لكنها في الوقت نفسه خلقت فجوة واضحة بين أسعار العائد في السوق وأسعار المبادرات المدعومة، وهو ما شكّل ضغطًا على القطاع المصرفي ورفع تكلفة التمويل على المدى الطويل.
وقد أدرك البنك المركزي أن استمرار العمل بتلك المعدلات المتدنية لم يعد متسقًا مع أهداف السياسة النقدية الحالية التي تستهدف السيطرة على التضخم وضبط حجم السيولة في السوق. ومن هنا، جاء القرار برفع سعر العائد على مبادرة متوسطي الدخل إلى 12% متناقصة بدلًا من 8%، ورفع العائد على مبادرة محدودي الدخل إلى 8% متناقصة بدلًا من 3%، على أن تُطبّق الأسعار الجديدة على القروض الممنوحة اعتبارًا من 15 أكتوبر الجاري.
هذا التحرك –وفق ما ورد في الكتاب الدوري للبنك المركزي– يستند إلى سلسلة من القرارات السابقة المنظمة لهذه المبادرات، ومنها الكتاب الدوري الصادر في 19 ديسمبر 2019 بشأن مبادرة متوسطي الدخل، والكتاب الدوري الصادر في 13 يوليو 2021 لمحدودي الدخل، فضلًا عن قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 4151 لسنة 2022 الذي حدد آليات إدارة ومتابعة المبادرات التمويلية ذات العائد المنخفض.
التوازن بين الدعم والاستدامة
يهدف البنك المركزي من خلال هذا التعديل إلى تحقيق توازن دقيق بين الاستمرار في دعم المواطنين الراغبين في تملك وحدات سكنية، وبين ضمان استدامة تلك المبادرات دون أعباء إضافية على البنوك أو الموازنة العامة؛ فالمشكلة لم تكن في فكرة الدعم نفسها، بل في الفجوة الكبيرة بين العائد الممنوح في المبادرات والعائد السائد في السوق، الذي تراوح مؤخرًا بين 14% و19% في المتوسط، مقابل 3% و8% فقط في المبادرات السابقة، ما كان يُشكّل عبئًا ماليًا على البنوك المشاركة، ويحد من قدرة الدولة على توسيع نطاق المبادرات مستقبلًا.
علاوة على ذلك، لا يمكن اعتبار رفع العائد إلى 12% و8% متناقصة إلغاءً للدعم، بل تصحيحًا لمسار التمويل العقاري ليصبح أكثر واقعية واستمرارية، مع بقاء تلك المعدلات أدنى بكثير من أسعار السوق، وهو ما يعني استمرار الدعم الحكومي بشكل غير مباشر للفئات محدودة ومتوسطة الدخل.
ويشير خبراء إلى أن هذا القرار يعكس نضجًا في إدارة أدوات السياسة النقدية، إذ لم يعد الهدف فقط تحفيز الطلب بأي ثمن، بل ضبطه بما يحافظ على استقرار الأسعار ويمنع تشكل فقاعات عقارية قد تضر بالاقتصاد الكلي.
اقرأ أيضًا: علاوات تحسين ورسوم تنازل تُربك السوق العقاري المصري
تداعيات القرار على السوق العقاري
وفقًا للتقديرات الأولية، لن يؤدي هذا التعديل إلى ركود كامل في سوق العقارات، بل من المرجح أن يسبب تباطؤًا مؤقتًا في وتيرة المبيعات خلال الربعين القادمين، إلى أن يتكيّف السوق مع الأسعار الجديدة، ويرجع ذلك إلى أن الطلب على السكن في مصر يظل قويًا بطبيعته، نظرًا لزيادة عدد السكان، واتساع الشريحة العمرية الشابة، وارتفاع معدلات الزواج السنوية، ما يخلق طلبًا حقيقيًا ومستمرًا على الوحدات السكنية.
ومع ارتفاع تكلفة التمويل نتيجة زيادة العائد، يُتوقع أن يتجه المطورون العقاريون إلى تقديم حلول مرنة للمشترين لتخفيف أثر القرار، مثل تمديد فترات السداد إلى 10 أو 12 عامًا، أو تقديم خصومات على السداد النقدي، أو إطلاق برامج تيسيرية جديدة للحفاظ على معدلات المبيعات. هذه الإجراءات، بحسب خبراء القطاع، تمثل آلية امتصاص ذكية للتغيرات في السياسة النقدية، وتُظهر مرونة السوق المصري وقدرته على التكيف دون اضطرابات حادة.
تجنب حدوث فقاعة سعرية
في تعليقه على القرار، قال الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي والمصرفي، إنَّ قرار البنك المركزي المصري برفع أسعار العائد على مبادرات التمويل العقاري يمثل خطوة محسوبة ومدروسة، تأتي ضمن مسار إعادة ضبط السياسة النقدية والتمويلية في البلاد. وأوضح أن القرار يستهدف تحقيق التوازن بين استدامة المبادرات التمويلية ودعم الفئات محدودة ومتوسطة الدخل دون الإخلال بأهداف الاستقرار النقدي.
وأضاف شوقي أن المبادرات السابقة نجحت في تحفيز السوق، لكنها أدت إلى ارتفاع حاد في أسعار العقارات بسبب زيادة الطلب بشكل يفوق قدرات العرض، ما رفع متوسط الأسعار في المدن الجديدة والمشروعات السكنية. وأشار إلى أن تعديل أسعار العائد جاء لمنع حدوث فقاعة سعرية ولضمان استقرار السوق العقاري على المدى الطويل، خصوصًا مع سعي البنك المركزي لتقليص الفجوة بين العائد في المبادرات وأسعار الفائدة الحقيقية في السوق التي تتراوح بين 19% و14%.
وأكد شوقي أن العائد الجديد البالغ 12% لمتوسطي الدخل و8% لمحدودي الدخل يظل عائدًا مدعومًا مقارنة بمستويات السوق، التي تصل إلى 22% بعد احتساب الهوامش التمويلية، ما يعني أن الدولة والبنك المركزي ما زالا يقدمان دعمًا حقيقيًا للطبقات المستهدفة، ولكن في إطار أكثر عدالة واستدامة يراعي الواقع النقدي والمالي الحالي.
وتابع الخبير الاقتصادي قائلاً إن القرار يساهم كذلك في تحقيق الاتساق مع توجهات السياسة النقدية لمواجهة التضخم، لأن أسعار الفائدة المنخفضة بشكل مبالغ فيه كانت تُحفّز الاستهلاك غير المنتج، وتزيد من الضغوط التضخمية. أما الآن، فإن رفع الفائدة على المبادرات العقارية سيعمل على امتصاص جزء من السيولة الزائدة، ويقلل من انتقال الأموال إلى قطاعات استهلاكية أو استثمارية بعيدة عن النشاط الإنتاجي، ما يعزز استقرار العملة المحلية ويُسهم في خفض الضغوط السعرية تدريجيًا.
اقرأ أيضًا: ما هي ضريبة العقارات في مصر وما أنواعها؟
بين الانضباط المالي والعدالة الاجتماعية
أكَّد الدكتور شوقي أن المرحلة الحالية تتطلب توافقًا أكبر بين السياسة النقدية وسياسات التمويل العقاري، مشيرًا إلى أن رفع العائد على المبادرات لا يعني التضييق على الفئات المستهدفة، بل يهدف إلى ضمان استمرار المبادرات دون تحميل الدولة أو البنوك أعباء مالية غير قابلة للاستمرار.
وأوضح أنَّ القرار يضع الأساس لمرحلة جديدة من التمويل العقاري المستدام، الذي يوازن بين تحفيز السوق وتحقيق الانضباط المالي، بحيث يستفيد المواطن من الدعم الحقيقي دون الإضرار بهيكل السوق المالي أو بقدرة الدولة على مواصلة الدعم في المستقبل.
وأضاف أن البنك المركزي حافظ من خلال القرار على البعد الاجتماعي للمبادرات، إذ لا يزال العائد الجديد أدنى من مستويات السوق بفارق واضح، مما يبقي على عنصر الدعم في المعادلة، لكنه دعم “عقلاني” لا يؤدي إلى اختلالات في هيكل الفائدة أو تضخم في الأسعار.
قد يهمّك أيضًا: رفع أسعار الوقود.. هل تدخل حياة المصريين مرحلة جديدة من الغلاء؟
