يواصل الذهب تحركه داخل نطاق صعودي متماسك رغم التراجعات الطفيفة التي شهدها مؤخرًا، مدعومًا بتصاعد رهانات الأسواق على قرب انطلاق دورة خفض الفائدة، إلى جانب تفاقم المخاطر الجيوسياسية التي تعزز جاذبية المعدن كملاذ آمن. وأكد تقرير صادر عن منصة آي صاغة لتداول الذهب أن أسعار الذهب في الأسواق شهدت تراجعًا طفيفًا خلال تعاملات الأسبوع الماضي بنسبة 0.6%، بينما سجلت الأوقية في البورصة العالمية انخفاضًا محدودًا بلغ 0.4%.
ويأتي هذا الأداء الهادئ في ظل حالة ترقب واسعة لقرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشأن مصير أسعار الفائدة خلال الاجتماع المرتقب هذا الشهر، وسط توقعات قوية باتجاه المركزي الأمريكي نحو بدء دورة خفض الفائدة.
تطورات الاقتصاد الأمريكي وتوقعات الفيدرالي
أوضح سعيد إمبابي، خبير أسواق الذهب، أن أسعار الذهب فقدت جزءًا محدودًا من مكاسبها، بعدما سجّلت الأوقية عالميًا تراجعًا بنحو 17 دولارًا، إلَّا أن المعدن النفيس نجح رغم ذلك في الحفاظ على جانب كبير من صعوده القوي المحقق خلال الأسابيع الماضية، مستفيدًا من تزايد رهانات الأسواق على قرار وشيك بخفض الفائدة الأمريكية، ما يقلل الضغوط البيعية ويعزز جاذبية الذهب باعتباره أحد أهم الملاذات الاستثمارية.
ومع اقتراب عام 2026، تشير الاتجاهات العالمية إلى أن الذهب يواصل تعزيز مساره الصاعد، في ظل قناعة متنامية لدى المؤسسات المالية بأن المعدن الأصفر يتهيأ لجولة ارتفاع جديدة قد تقوده إلى مستويات غير مسبوقة تاريخيًا.
وتعكس البيانات الاقتصادية الأخيرة في الولايات المتحدة مسارًا متباطئًا للتضخم؛ إذ ارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسية (Core PCE) بنسبة 0.2% على أساس شهري، ليستقر عند 2.8% سنويًا، وهو ما ينسجم مع مستهدفات الفيدرالي. كما أظهرت بيانات جامعة ميشيجان تحسنًا ملحوظًا في ثقة المستهلكين التي ارتفعت إلى 53.3 نقطة، إلى جانب انخفاض توقعات التضخم لعام واحد من 4.5% إلى 4.1%، وتراجع توقعات التضخم لخمس سنوات من 3.4% إلى 3.2%.
وبناءً على هذه المؤشرات، تتوقع أداة FedWatch احتمالًا مرتفعًا يصل إلى 87% لخفض الفائدة بمقدار 0.25% في اجتماع الأسبوع المقبل، ويمثل ذلك تحولًا مهمًا في السياسة النقدية الأمريكية، من شأنه دعم أسعار الذهب عبر تقليص العوائد الحقيقية على السندات.
السياسة النقدية العالمية ودورها في دعم الطلب على الذهب
شهدت الأسواق العالمية حالة من التذبذب في توقعات مسار السياسة النقدية الأمريكية خلال الأسابيع الأخيرة، قبل أن تستقر التوقعات على قرب بدء دورة التيسير النقدي. وفي هذا السياق، قام البنك المركزي الهندي بخفض سعر الفائدة الأساسي بمقدار 25 نقطة أساس إلى 5.25%، مع تأكيده استمرار النهج التيسيري، الأمر الذي يدعم الطلب على الذهب في واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية للمعدن عالميًا. أما الصين، فيرجح أن تواصل اتباع سياسة نقدية مرنة تعزز التصنيع، مما يرفع الطلب على المعادن النفيسة، وفي مقدمتها الذهب.
اقرأ المزيد حول الذهب الصيني الجديد.. هل يُعيد تشكيل خريطة سوق المعدن الأصفر؟
عوامل السوق التي تقود الاتجاه الصاعد
يواصل الذهب تحقيق مكاسب مستمرة مدفوعًا بارتفاع مستويات المخاطر الجيوسياسية، سواء في منطقة الشرق الأوسط أو في العلاقات الأمريكية–الصينية. هذه الضبابية العالمية تزيد من توجه المستثمرين نحو الذهب كأداة للتحوط، خصوصًا في فترات عدم اليقين المرتبطة بالأسواق المالية ومسار الفائدة.
وتشير تقديرات شركة “فينتورا” إلى أن مجموعة من العوامل المتزامنة –تشمل مشتريات البنوك المركزية، والضغوط التضخمية، واتساع العجز الأمريكي، وارتفاع مستويات عدم اليقين– تدفع الذهب نحو مستويات تتراوح بين 4600 و4800 دولار للأونصة خلال 2026. كما تتوقع الشركة أن يؤدي خفض الفيدرالي للفائدة بنحو 75 نقطة أساس خلال 2026 إلى تعزيز الطلب الاستثماري على الذهب واستمرار الاتجاه الصاعد.
وترى “فينتورا” أن الدورة الصعودية الحالية للذهب “ما تزال بعيدة عن نهايتها”، مع زيادة اعتماد المؤسسات الاستثمارية على المعدن كركيزة أساسية للتحوط، وهو ما يعزز موجات شراء إضافية من قبل المستثمرين الأفراد والمضاربين.
توقعات دويتشه بنك
رفع دويتشه بنك توقعاته لسعر الذهب في 2026 إلى 4450 دولارًا للأونصة، مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 4000 دولار، كما توقع تداول الذهب بين 3950 و4950 دولارًا خلال العام المقبل، مع إمكانية تجاوز الحد الأعلى بنسبة 14% مقارنة بالعقود الآجلة الحالية.
وأبقى البنك على توقعاته لسعر الذهب في 2027 عند مستوى 5150 دولارًا، معتبرًا أن هذا المستوى يعكس نقطة وسط بين سيناريو الاستقرار واستمرار الطلب الرسمي المرتفع من البنوك المركزية.
رؤية مورجان ستانلي
تتوقع مؤسسة مورجان ستانلي ارتفاع أسعار الذهب إلى 4500 دولار للأونصة بحلول منتصف 2026، مدفوعة بتدفقات صناديق المؤشرات والشراء الرسمي من البنوك المركزية، غير أنها حذرت في الوقت نفسه من احتمال حدوث تصحيح سعري نتيجة تقلبات الأسواق أو لجوء بعض البنوك إلى بيع جزء من مخزونها من الذهب.
وأوصت HDFC Securities بتخصيص 5–10% من محافظ المستثمرين للذهب والفضة كأصول تحوطية، مع إمكانية زيادة النسب وفق مستويات المخاطرة، مشيرة إلى أن الذهب يستفيد من بيئة التضخم وتوقعات خفض الفائدة وتراجع الثقة في العملات الورقية.
السوق العالمية: اتجاهات هيكلية تدعم استمرار ارتفاع الذهب
ارتفع الذهب عالميًا إلى 4299 دولارًا، وفق بيانات “فينتورا”، بدعم قوي من توقعات خفض الفائدة في ديسمبر، ليسجل بذلك تسعة أرباع متتالية من المكاسب، في واحدة من أطول موجات الارتفاع خلال العقود الأخيرة، وترى الشركة أن هذا الاتجاه يعكس تآكلًا متسارعًا في قيمة العملات الورقية، مع تحول الذهب إلى ثاني أهم أصل احتياطي في ميزانيات البنوك المركزية حول العالم.
وتشير البيانات إلى أنّ أسعار الذهب في الهند تتداول عند مستويات أعلى بنحو 15% مقارنة بدبي، نتيجة الرسوم الجمركية وضعف الروبية، ما أدى إلى تزايد التدفقات غير الرسمية عبر الحدود، في ظل استمرار الطلب المرتفع.
بعدما لامس الذهب مستوى 4398 دولارًا في 20 أكتوبر 2025، شهد تراجعًا بنسبة 11% إلى 3891 دولارًا، قبل أن يعاود الصعود إلى حدود 4299 دولارًا بدعم من توقعات خفض الفائدة وضعف الدولار. وترى “فينتورا” أن السوق يمر بمرحلة “تجميع” طبيعية لا تعكس انعكاسًا في الاتجاه، مع استمرار عمليات جني أرباح محدودة تمهيدًا لموجة صعود جديدة.
وبينما تتباين تقديرات المؤسسات المالية بشأن المستويات التي قد يحققها الذهب، إلا أن الاتجاه العام يشير إلى استمرار الزخم الصاعد في ظل تراجع الثقة بالعملات الورقية واتساع فجوات المخاطر العالمية، لا سيّما مع دخول الأسواق مرحلة حساسة من التحول في السياسات النقدية.
اقرأ أيضًا: الذهب بين مفترق طرق عالمي وضغوط بيانات أمريكية