معضلة النفط الفنزويلي: هل ينجح رهان ترامب في إحياء الإنتاج المعطل؟

تجسّد المقاربة التي يتبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه النفط الفنزويلي رهانًا سياسيًا واقتصاديًا بالغ التعقيد، يقوم على مفارقة لافتة: دولة تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، لكنها تعجز عن تحويل هذا الثراء الجيولوجي إلى إنتاج فعلي مستقر. فبين وفرة الموارد وحدود الواقع، تتبدّى معادلة شديدة الحساسية تختلط فيها الحسابات السياسية بالمصالح الاقتصادية.

ورغم أن فنزويلا تجلس على ما يقارب 300 مليار برميل من النفط، فإن أي مسار لإحياء قطاعها النفطي يبدأ مثقلًا بإرث طويل من التأميم، وسوء الإدارة، وشح الاستثمارات، وتآكل البنية التحتية، فضلًا عن تراكم العقوبات الدولية. ومن هذا المنطلق، يبدو الحديث عن إعادة تشغيل «الطاقات المعطلة» أكثر تعقيدًا من كونه قرارًا سياديًا أو خطوة تنفيذية سريعة، بل تحديًا بنيويًا يتطلب معالجة عميقة لجذور الأزمة قبل الرهان على نتائجها.

من التأميم إلى الرهان الأمريكي: تاريخ مثقل بالأزمات

بعد ساعات من إلقاء القبض على نيكولاس مادورو مطلع يناير الجاري، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موضحًا دوافعه بلهجة حادة، متعهدًا بدفع كبرى شركات النفط الأمريكية إلى ضخ مليارات الدولارات لإعادة تأهيل البنية النفطية المتداعية في فنزويلا، وبدء جني العوائد «لصالح البلاد»، وفق تعبيره.

وحمل الخطاب في طياته نبرة استعادة اعتبار تاريخي، أعادت إلى الواجهة موجة التأميم التي شهدتها البلاد خلال عهد هوغو تشافيز، حين صودرت أصول أمريكية وغربية، وتراكمت دعاوى قضائية ضد الدولة الفنزويلية وشركتها الوطنية بنحو 60 مليار دولار.

غير أن هذا البعد الانتقامي لا يبدو المحرك الوحيد لهذا الرهان؛ فالمقاربة أوسع وأعمق، تقوم على تحويل النفط الفنزويلي إلى رافعة أرباح للشركات الأمريكية، وفي الوقت ذاته أداة لتعزيز نفوذ واشنطن داخل سوق طاقة عالمية تتسم بقدر متزايد من التقلب وعدم اليقين.

انهيار الإنتاج.. والرهان على الإحياء

تراجع إنتاج فنزويلا النفطي بنحو الثلثين منذ أواخر العقد الأول من الألفية، ليهبط إلى قرابة مليون برميل يوميًا، وهو ما يغري بطرح سيناريو «الارتداد السهل» القائم على افتراض أن صيانة أساسية وإعادة تشغيل الآبار المتوقفة قد تكون كفيلة برفع الإنتاج سريعًا.

غير أن الواقع الميداني يفنّد هذه المقاربة المبسطة؛ إذ أسفرت العقوبات الدولية والحصار البحري الذي فُرض لاحقًا عن انهيار الصادرات النفطية، وتراكم كميات ضخمة من النفط العائم على متن ناقلات خاملة، بلغت مستويات قياسية واستمرت لسنوات.

ويُفاقم الصورة نقص مادة «النافثا» الضرورية لتخفيف الخام الفنزويلي فائق اللزوجة، عقب توقف الإمدادات القادمة من روسيا، وهو ما يهدد بدفع الإنتاج إلى مزيد من التراجع، ليهبط إلى ما دون 700 ألف برميل يوميًا في حال استمرار القيود المفروضة دون تخفيف.

اقرأ أيضًا: ثروات فنزويلا تشعل التصعيد.. هجوم أمريكي واعتقال مادورو

هل تصل فنزويلا إلى 1.2 مليون برميل في 2026؟

تفترض السيناريوهات المتفائلة حدوث انتقال سياسي سلس مقرون برفع العقوبات، بما في ذلك الحصار، وعندها قد تسهم أعمال الصيانة الأساسية في رفع الإنتاج النفطي إلى نحو 1.2 مليون برميل يوميًا بحلول نهاية عام 2026، وفق تقديرات شركة Kpler.

غير أن هذا المستوى يظل بعيدًا عن الطاقة الإنتاجية القصوى، ويضع فنزويلا خلف منتجين أصغر حجمًا وأكثر استقرارًا، أما تجاوز هذا السقف فيصطدم بثلاث معضلات بنيوية رئيسية: فجوة تمويلية واسعة تتطلب استثمارات ضخمة طويلة الأجل، ونقص حاد في الأيدي العاملة الماهرة نتيجة الهجرة وتآكل الخبرات، إضافة إلى سوق نفط عالمية مشبعة لا تميل إلى مكافأة المشروعات مرتفعة الكلفة أو عالية المخاطر.

فجوة التمويل والكفاءات: لماذا يتردد المستثمرون؟

تشير تقديرات شركة Rystad Energy إلى أن إعادة الإنتاج النفطي الفنزويلي إلى مستوياته قبل 15 عامًا تتطلب إنفاقًا رأسماليًا يقارب 110 مليارات دولار، مخصصة لأنشطة الاستكشاف والإنتاج وحدها، وهو رقم يوازي ضعفي ما استثمرته كبريات شركات النفط الأمريكية مجتمعة حول العالم خلال عام واحد.

وفي حين يراهن دونالد ترامب على أن الشركات ستسارع إلى ضخ هذه الاستثمارات و«كتابة الشيكات» دون تردد، فإن الواقع يبدو أكثر تحفظًا وحذرًا، فباستثناء شركة شيفرون، التي تعمل بالفعل بموجب إعفاء يتيح لها تصدير نحو 200 ألف برميل يوميًا، تتجنب شركات النفط الكبرى الالتزامات بعيدة المدى، فيما يلتزم المتداولون والبنوك وشركات التأمين -وهي أطراف لا غنى عنها لتمويل الشحنات وتأمينها- موقف التريث والترقب.

وحتى في حال تدفّق رأس المال، يبقى السؤال الجوهري: هل تمتلك الصناعة المحلية القدرة على مواكبة هذه الوتيرة؟ تشير المعطيات إلى نزيف حاد في الكفاءات، مع مغادرة عشرات الآلاف من المهندسين والجيولوجيين خلال السنوات الماضية.

وفي الوقت نفسه، تُدار شركة النفط الوطنية الفنزويلية إلى حدٍّ كبير عبر المؤسسة العسكرية، ما يجعلها -بحجم يناهز 70 ألف موظف- بحاجة إلى إصلاح مؤسسي شامل يتيح إقامة شراكات قابلة للحياة مع المستثمرين الدوليين، وإعادة بناء هذه القدرات البشرية والمؤسسية ليست مسألة قرارات سريعة، بل مسار طويل يمتد لسنوات، لا لأشهر، وهو ما يضع سقفًا واقعيًا لأي رهانات على تعافٍ نفطي سريع.

اقرأ أيضًا: ما هو سبب انهيار اقتصاد فنزويلا رغم ثروتها النفطية الهائلة؟

سوق عالمية مُشبعة.. أين سيذهب النفط الفنزويلي؟

كل برميل إضافي قد تضخه فنزويلا سيجد طريقه إلى سوق تعاني بالفعل فائضًا في المعروض؛ فوفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية سيظل المعروض العالمي متجاوزًا للطلب حتى نهاية العقد الحالي، مدفوعًا بإنتاج قوي من البرازيل وغويانا والولايات المتحدة، مقابل نمو فاتر في الطلب.

ويرى محللون أن هذا الاختلال قد يدفع الأسعار إلى حدود 50 دولارًا للبرميل أو أقل، وهو مستوى أدنى من أسعار التعادل لمعظم الحقول الفنزويلية القائمة، فيما تبدو المشروعات الجديدة أقل قدرة على المنافسة في بيئة كهذه.

وحتى في السيناريو الأكثر تفاؤلًا، تقدّر شركة Kpler أن يبلغ الإنتاج الفنزويلي نحو 1.7 إلى 1.8 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2028، ما قد يؤدي إلى إعادة رسم جزئية لتدفقات التجارة العالمية، إذ قد تستوعب المصافي الأمريكية كميات إضافية، في حين تضطر كوبا إلى البحث عن بدائل، وتتراجع مشتريات المصافي الصينية، مع احتمال تقليص الشركات الحكومية الصينية حضورها المحلي.

ومع ذلك، سيبقى الأثر الجيوسياسي والاقتصادي محدودًا نسبيًا، فيما يظل الوصول إلى مستوى 2.5–3 ملايين برميل يوميًا مشروعًا طويل الأمد، أكثر منه تحولًا وشيكًا في موازين سوق النفط العالمية.

اقرأ أيضًا: ترامب يفرض حصارًا نفطيًا على فنزويلا

تعقيدات إضافية.. خام ثقيل وكهرباء هشة

تستحضر خطة إيفاد عمالقة الطاقة إلى فنزويلا أصداء تجربة العراق بعد 2003، حين اصطدمت الطموحات بالاضطراب الأمني وصعوبات التعاقد والبنية التحتية، ويحذر الخبراء من أن الإنتاج يتطلب استقرارًا وقدرة على تسعير المخاطر قبل ضخ الاستثمارات، فالشركات لا تغامر بعشرات المليارات دون وضوح سياسي يضمن احترام العقود على مدى عقدٍ على الأقل.

ويزداد المشهد تعقيدًا بفعل الطبيعة الثقيلة للخام الفنزويلي، وما يرافقها من كلفة معالجة مرتفعة وبصمة كربونية أعلى، في وقت تقف فيه شبكة الكهرباء على حافة الانهيار، وهي عنصر حاسم لإنتاج نفطي كثيف الاستهلاك للطاقة. كما أن الشراكات القائمة مع روسيا والصين تعقّد أي إعادة تموضع أمريكي سريع، فيما تدفع أسعار النفط المنخفضة وضبابية الطلب العالمي -في ظل انتقال طاقوي غير متجانس- الشركات إلى تفضيل الانضباط الرأسمالي على المغامرة الاستثمارية.

حاجة السوق لا تُختصر في قرار

إعلان دونالد ترامب عن تنحية القيادة الحالية ووضع واشنطن «مؤقتًا» في موقع إدارة البلاد لا يوفر ضمانات كافية لأمان الاستثمار؛ فالإنتاج الفنزويلي لا يتجاوز اليوم أقل من 1% من المعروض العالمي، ويظل دون ثلث ذروته خلال حقبة هوغو تشافيز، بينما تتجه غالبية الشحنات إلى الصين، في حين تبقى شيفرون اللاعب الأمريكي الوحيد الحاضر، ولكن ضمن قيود تنظيمية وتشغيلية صارمة.

في المقابل، يرى خبراء أن النفط الفنزويلي قد يصبح مهمًا لتلبية طلب العقد المقبل، لكن “ليس بين عشية وضحاها”، ويؤكدون أن الشركات لا تعمل في فراغ، وأن اللوائح والعقود واحترامها طويلًا شرط لاستثمارات عقلانية، وحتى داخل الولايات المتحدة، أبدت الشركات ترددًا في زيادة الحفر رغم الدعوات المتكررة، وسط عدم يقين الطلب وتراجع الأسعار.

القبض على القيادة في فنزويلا كان سريعًا، لكن العائد النفطي -إن أتى- سيكون بطيئا، ففي فنزويلا تحكم الفيزياء والاقتصاد والبنية التحتية زمنَ العوائد لا التصريحات، ورغم أنّ واشنطن قد تكتسب نفوذًا على الهامش، إلا أنّ تحويل الاحتياطيات الضخمة إلى تدفق مستدام يتطلب استقرارًا، وتمويلًا صبورًا، وإصلاحًا مؤسسيًا، وهي شروط لم تتوافر بعد.

اقرأ أيضًا: هل تؤثر أحداث فنزويلا على أسواق النفط والذهب؟

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة