روسيا تُمهِّد الطريق لعودة الشركات الغربية بعد إعادة ملكية “أريستون” الإيطالية
تقرير: باسل محمود
في مشهد مفاجئ حمل رمزية سياسية واقتصادية، وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مارس الماضي، مرسومًا يعيد ملكية شركة “أريستون” الإيطالية إلى مالكها الأصلي، بعد عام كامل من مصادرتها لصالح شركة “غازبروم”، بحسب فاينينشيال تايمز.
هذه الخطوة، التي جاءت في توقيت بالغ الحساسية، تفتح بابًا واسعًا للتأمل في مستقبل الاستثمارات الغربية في روسيا، وتطرح تساؤلات عميقة حول مغزى هذا التحوّل المحتمل في سياسة الكرملين تجاه رأس المال الأجنبي.
تحوّل نادر في سياسة المصادرة الروسية
لسنوات، التزمت موسكو بنهج صارم في التعامل مع الأصول الأجنبية، خاصةً بعد اندلاع الحرب الأوكرانية وبدء موجة العقوبات الغربية، لكن إعادة “أريستون” إلى مالكها الإيطالي، لأول مرة دون بيع قسري، يُعد سابقة تحمل إشارات سياسية أكثر منها قانونية.
كانت “أريستون ثيرمو روس”، الشركة المتخصصة في أنظمة التدفئة، من بين عشرات الشركات الأجنبية التي صادرتها الحكومة الروسية ضمن سياسة “الإدارة الخارجية المؤقتة”، ردًا على تجميد الأصول الروسية في أوروبا، لكن التجربة التشغيلية الصعبة التي واجهتها الشركة التي تولّت إدارة “أريستون “غازبروم هاوسهولد سيستمز” أعادت الحسابات.
اقرأ أيضًا: أوروبا تخسر تريليون دولار بسبب العقوبات التي فرضتها على روسيا
موسكو تغيّر خطابها.. الباب مفتوح بشروط
تصريحات الرئيس بوتين الأخيرة، والتي شدّد فيها على أهمية “السلوك المسؤول” للشركات الأجنبية العائدة، تعكس نبرة تصالحية جديدة، وإن كانت مشروطة.
كيريل ديميترييف، رئيس صندوق الثروة السيادي الروسي، لمّح إلى أن الشركات الأجنبية الراغبة في العودة يجب أن تنشئ شراكات مع كيانات روسية، وهي صيغة تقترب من مفهوم “التوطين الكامل” الذي لطالما فضّلته موسكو.
وبحسب مصدر من داخل البرلمان الروسي: “الرسالة واضحة، روسيا تريد عودة الاستثمار، ولكن بشروط تتماشى مع مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية”.
ضغوط دبلوماسية ووساطة خاصة
بحسب مصادر مطلعة، لعبت الحكومة الإيطالية دورًا رئيسيًا في صفقة إعادة الملكية، حيث نسقت وزارة الخارجية الإيطالية وسفارة روما في موسكو، إلى جانب وسيط خاص له علاقة مباشرة بعائلة ميرلوني المالكة لـ”أريستون”، بشكل سري طوال شهور للوصول إلى هذه النتيجة.
وبحسب أحد المفاوضين: “كانت روسيا ترسل إشارات غير مباشرة بأن القرار قابل للتراجع، لكنها كانت تنتظر مبادرة دبلوماسية جادّة”، وكان المرسوم الأصلي الصادر عن الكرملين يصف مصادرة “أريستون” بأنها “مؤقتة”، مع منح بوتين سلطة تحديد مدة الإدارة الحكومية.
ردود فعل متباينة في أوروبا
أثار القرار الروسي استغرابًا في الدوائر الأوروبية، ففي روما اعتُبر استرجاع “أريستون” انتصارًا دبلوماسيًا، بينما حذّرت بروكسل من “استغلال قانوني غير متوازن” قد يُستخدم لاحقًا لفرض سلوك سياسي معيّن على الشركات الأوروبية.
وقال مسؤول أوروبي: “نحن نُراقب الموقف ولا نريد أن تصبح سابقة ’أريستون‘ ذريعة لابتزاز الشركات المتضرّرة الأخرى في روسيا”.
اقرأ أيضًا: ترامب يُربك المعادلة.. أوروبا تُعيد التفكير في الغاز الروسي
ماذا تعني هذه الخطوة لبقية الشركات الغربية؟
تشير بيانات وزارة المالية الروسية إلى أن عدد الشركات الأجنبية التي انسحبت أو جُمّدت عملياتها منذ 2022 يفوق 1100 شركة، معظمها لم تُبدِ حتى الآن رغبة صريحة في العودة.
ويقول ستيفن داشيفسكي، كبير مسؤولي الاستثمار في “دي آند بي أدفايزرز”، إن “المسؤولين الروس يريدون أن يروّجوا لفكرة أن الأمور تعود إلى طبيعتها، لكن الحقائق على الأرض تقول عكس ذلك.. الثقة تآكلت”.
هل تغيّر روسيا قواعد اللعبة؟
الانسحاب القسري كبّد بعض الشركات الغربية خسائر وصلت إلى 50% من قيمة أصولها داخل روسيا؛ فقد عانت شركات الطاقة والبنوك ومجموعات الصناعات الثقيلة من قرارات الإغلاق أو المصادرة أو البيع الإجباري بسعر رمزي.
ومع ذلك، فإن التراجع الاقتصادي النسبي في روسيا، وتحديات إدارة الأصول المصادَرة، جعل الكرملين يُعيد تقييم فاعلية سياسة المصادرة الشاملة. وبحسب محللين، فإن خطوة “أريستون” قد تكون تجربة أولى لاختبار “مسار العودة” المشروط.
أريستون: نموذج للعودة الهادئة
منذ بدء عملياتها في روسيا قبل نحو خمسين عامًا، عملت “أريستون” على بناء علاقات تجارية طويلة، وتأسيس قاعدة إنتاج محلية تضم نحو 300 موظف.
ومع أن الشركة احترمت العقوبات الغربية، فإنها أبقت على خطاب “غير عدائي” تجاه السلطات الروسية. وقد قال باولو ميرلوني، رئيس الشركة، في بيان: “هذا القرار اعتراف بعقود من الثقة والإدارة المسؤولة.. وننوي مواصلة أعمالنا في روسيا بشكل يحترم القوانين الدولية والمحلية”.
تأثير ترمب.. وإعادة ضبط العلاقات
لا يمكن تجاهل البُعد الأمريكي في هذا التطوّر، فعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أعادت فتح قنوات خلفية بين موسكو وواشنطن، ويعتقد دبلوماسيون أوروبيون أن بعض تلك المحادثات تضمّنت ملفات اقتصادية، منها قضايا الشركات المصادَرة.
ويقول مسؤول اقتصادي غربي: “قد تكون هذه بادرة ناعمة تُمهّد لتفاهمات أوسع، فالروس يبعثون بإشارات غير مباشرة على استعدادهم لخفض التصعيد الاقتصادي”.
فيما تُشجّع روسيا هذه السابقة، لم تُسجّل وزارة المالية أي طلب رسمي من شركة غربية للعودة حتى الآن، ويظل الحذر هو السيّد. وتشير مصادر محلية إلى فاينينشيال تايمز، إلى أن بعض ممثلي شركات السلع والقطاع المصرفي شاركوا في اجتماعات تقنية غير رسمية بموسكو مؤخرًا، لكن لا إشارات واضحة على تحرّك حقيقي نحو الاستثمار أو التشغيل.
قد يهمّك أيضًا: استراتيجية أمريكا تجاه روسيا.. بين التصعيد العسكري وإعادة التقييم