مصادرة الأصول الروسية.. صراع القانون والاقتصاد بين الغرب وموسكو

في الرابع والعشرين من فبراير من العام 2022، قررت روسيا اجتياح مساحات واسعة من الأراضي الأوكرانية، لمنع كييف من الانضمام للاتحاد الأوروبي وحماية الأقليات الروسية في إقليم الدونباس.

قرار الحرب العسكرية الروسية ضد أوكرانيا، قابله حرب اقتصادية غربية على موسكو استهدفت جميع مفاصل الاقتصاد، وتسببت بتجميد أموال روسية في الأسواق الغربية بقيمة تتراوح بين 300 إلى 350 مليار دولار، منها أصول للبنك المركزي ويخوت وشركات وممتلكات لرجال أعمال وأثرياء روس، وهو ما ردت عليه روسيا بالمثل بتجميد أصول عدد من الشركات وفرض عقوبات على شخصيات غربية.

العقوبات المتبادلة متوقعة في كل حرب بين طرفي النزاع، لكن بعض الدول الغربية قررت اتخاذ خطوة متقدمة تتمثل في مصادرة الأموال الروسية المجمدة ومنحها لأوكرانيا للمساهمة في إعادة الإعمار التي تبلغ تكلفتها بحسب التقديرات الأولية نحو تريليون دولار.

تحفظات برلين وباريس مقابل الرغبة الأمريكية

رغم التأييد الضمني من واشنطن لفكرة توظيف الأصول الروسية لدعم أوكرانيا، إلا أن الإدارة الأمريكية لم تتبنَّ خيار “المصادرة الصريحة” حتى الآن، في ظل ممانعة أوروبية تقودها قوى اقتصادية كبرى مثل ألمانيا وفرنسا.

وفي هذا السياق، يبرز الموقف الفرنسي كأحد أكثر الآراء تحفظاً؛ حيث شدد الرئيس إيمانويل ماكرون على أن أي خطوة باتجاه وضع اليد على الأصول الروسية “تتعارض صراحة مع مقتضيات القانون الدولي”. ويرى الإليزيه أن الانزلاق نحو هذا المسار لن يمر دون تبعات استراتيجية، مؤكداً أن فتح هذا الملف “سيضعف الموقف الأوروبي” في عقر داره، حيث تتركز الكتلة الأكبر من هذه الأصول.

كبديل واقعي، طرح ماكرون تأييد بلاده لفرض “ضريبة على الأرباح” الناتجة عن تلك الأصول، وهو مقترح يضمن توفير سيولة تتراوح بين 3 إلى 5 مليارات يورو سنوياً، دون المساس بأصل الأموال أو انتهاك القواعد القانونية المستقرة.

تحذيرات “المركزي الأوروبي”

لم تكن التحفظات سياسية فحسب، بل امتدت لتشمل هواجس نقدية عميقة؛ إذ دخل البنك المركزي الأوروبي على خط الأزمة محذراً العواصم الغربية من مغبة الإقدام على المصادرة، وتتلخص مخاوف “المركزي” في نقطتين جوهريتين:

  • تقويض الثقة: إن مصادرة أصول دولة سيادية قد تهز ثقة المستثمرين الأجانب في منطقة اليورو كبيئة آمنة لرؤوس الأموال.
  • مكانة العملة الموحدة: يرى البنك أن هذا الإجراء قد يضعف مكانة “اليورو” كعملة احتياطي عالمية، مما يدفع القوى الاقتصادية الأخرى للبحث عن بدائل أكثر أماناً بعيداً عن الرقابة الغربية.

وأمام هذه التعقيدات، بدأت تتشكل “منطقة وسطى” في أروقة صنع القرار الأوروبي، تدعو إلى الاكتفاء بـ مصادرة العوائد والأرباح فقط، وتقديمها كمنح أو مساعدات لكييف، وهو مخرج فني يسعى للموازنة بين الرغبة في معاقبة موسكو والحفاظ على نزاهة النظام المالي الأوروبي.

اقرأ أيضًا: الأصول الروسية المجمدة.. سلاح ذو حدين في إعادة إعمار أوكرانيا

كيف سيكون رد روسيا؟

وجهت روسيا تحذيراً شديد اللهجة للقوى الغربية، مؤكدة أن ردها سيكون “قاسياً للغاية” في حال أقدمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على مصادرة أصول روسية تقدر بمئات المليارات من الدولارات. ووصفت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، هذه الخطوات المحتملة بأنها “عملية سرقة واستيلاء على ممتلكات الغير”.

تأتي التهديدات الروسية بالرد بالمثل مستندة إلى حجم الاستثمارات الضخمة لدول الاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع وأستراليا وسويسرا داخل الاقتصاد الروسي، والتي تتجاوز قيمتها الإجمالية 288 مليار دولار.

ووفقاً للبيانات الرسمية، يتصدر الاتحاد الأوروبي قائمة المستثمرين بكتلة مالية تبلغ 223.3 مليار دولار، تتوزع أبرز حصصها كالتالي:

  • قبرص: 98.3 مليار دولار.
  • هولندا: 50.1 مليار دولار.
  • ألمانيا: 17.3 مليار دولار.
  • فرنسا: 16.6 مليار دولار.
  • إيطاليا: 12.9 مليار دولار.

أما على صعيد دول مجموعة السبع، فتبرز بريطانيا كأكبر مستثمر في الداخل الروسي بأصول تصل قيمتها إلى 18.9 مليار دولار، تليها الولايات المتحدة بـ 9.6 مليار دولار، ثم اليابان بـ 4.6 مليار دولار، وكندا بنحو 2.9 مليار دولار. كما تمتلك سويسرا استثمارات بقيمة 28.5 مليار دولار، مقابل 139 مليون دولار للنرويج، ما يضع هذه الاستثمارات في دائرة الخطر حال تنفيذ الغرب لتهديداته بمصادرة الأصول الروسية.

قد يهمّك أيضًا: بوتين يوقع مرسوم يسمح بشراء أصول سوستيه جنرال في روسيا

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة