سباق النفوذ بين الصين والغرب في إفريقيا

تقرير: باسل محمود

سباق النفوذ بين الصين والغرب في إفريقيا بدأ يشهد زخما كبيرا في ظل ما تتمتع به القارة الإفريقية من موارد طبيعية هائلة، وإمكانات اقتصادية ضخمة.

ويختلف أسلوب سباق النفوذ بين الصين والغرب في إفريقيا بحسب استراتيجية الدول المتنافسة، فمثلا الصين تعمل على بسط نفوذها من خلال عمليات التنمية، وعقد الشراكات التجارية مع مختلف الدول الإفريقية، بينما يكون سلوك الغرب في بسط السيطرة أكثر عدوانية، بسبب تورطه في نزاعات إقليمية كثيرة، منها ما هو السياسي والعسكري.

اقرأ أيضا: محور التهريب.. هكذا أفشلت الصين العقوبات الغربية

الصين والعمل بصمت في سباق النفوذ

تعمل الصين في صمت لتحقيق أهدافها الاقتصادية، سواء في الداخل أو الخارج، وهو ما بات واضحاً، حيث استطاعت الصين أن تصبح شريكاً استراتيجياً رئيسياً لإفريقيا من خلال استثماراتها الضخمة في مجالات البنية التحتية والطاقة والتعدين، بينما تواصل دول الغرب الاحتفاظ بتأثيرها في القارة، من خلال دخولها في العديد من النزاعات.

تفوق الاستثمارات الصينية في إفريقيا

شكّلت تدفقات الاستثمارات الصينية المباشرة، إلى الدول الـ 36 التي يعمل بها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، نحو 40% من الاستثمارات الجديدة خلال العام الماضي، ارتفاعاً من 5.1% في عام 2022، و0.6% قبل 20 عاماً.

 في المقابل، شكّل مجموع استثمارات أميركا وألمانيا نحو 8% فقط، في المناطق التي يعمل بها البنك الأوروبي.

تحول في خريطة استثمارات الصين

تقول مدرس الاقتصاد في جامعة القاهرة، الدكتورة سماح علي، في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia”، إن سباق النفوذ بين الصين والغرب بدأ واضحا مع تغير خريطة الاستثمارات المباشرة للصين التي شهدت تحولاً هيكلياً بشكل ملموس خلال السنوات الخمس الماضية.

فقد كان لتداعيات الحرب التجارية الأميركية، والحرب الروسية الأوكرانية، أثر بالغ في إعادة رسم خريطة الاستثمار الأجنبي المباشر للصين، في مناطق آسيا الوسطى، وشرق أوروبا، بالإضافة إلى شمال وشرق إفريقيا.

أضافت: “يأتي هذا التحول ليس فقط استجابة للتحديات الجيوسياسية الحالية، وإنما يعد جزءاً من استراتيجية الصين طويلة الأمد لتعزيز مكانتها الاقتصادية العالمية”.

سباق النفوذ على النفط والمعادن النادرة

يقول محلل الأسواق، وعضو قسم أبحاث السوق في الشرق الأوسط في  XS.com، سامر حسن، في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia”، إنه مع أكثر من 1.3 تريليون دولار من القروض والمنح، خلال أكثر من عقدين من الزمان، أصبحت الصين الممول الأول في 165 دولة من دول الدخل المنخفض والمتوسط والتي استطاعت عبرها إنشاء أكثر من 20 ألف مشروع.

اقرأ أيضا: المعادن النادرة.. وقود الصراع بين القوى العظمى

أضاف: “الدعم المالي والاستثمار المباشر للصين في الدول النامية، التي تشمل دول شرق ووسط آسيا وأوروبا الشرقية وإفريقيا وأميركيا اللاتينية، مكن هذه الدول من تطوير البنية التحتية عبر طبقاتها المختلفة، سواء الموانئ أو الطرق والسكك الحديدية، وشبكات الاتصالات ومحطات توليد الطاقة، والأهم من ذلك مشاريع استخراج النفط والمعادن“.

وتمكنت الصين بذلك من تجاوز ما قدمته دول مجموعة السبع مجتمعة، والتي كانت تستمر في إطلاق العديد من الوعود التي لم تلتزم بتنفيذها”.. بحسب حسن.

أوضح أن سباق النفوذ بين الصين والغرب في إفريقيا، قد تجلى بشكل واضح في تزاحم أقطاب الاقتصاد العالمي على القارة التي تفتقر للتمويل اللازم، لتنفيذ الحد الأدنى من مشاريع البنية التحتية البسيطة، وفي ذات الوقت، تتمتع هذه الدول باحتياطيات هائلة من النفط الخام، والغاز الطبيعي، والمعادن، وعناصر الأرض النادرة، والتي تتعطش إليها الاقتصادات الكبرى.

تستحوذ إفريقيا على أكثر من 80% من الاحتياطي العالمي من المنغنيز والبلاتينيوم والكروم، إضافة إلى احتياطيات وافرة من الليثيوم والكوبالت والنيكل.

تشكل صادرات المعادن ما نسبته 30% تقريباً من إجمالي صادرات 23 دولة أفريقية.

استراتيجية الصين للاستثمار الأجنبي المباشر

ترى الدكتورة سماح علي، أن استراتيجية الصين للاستثمار الأجنبي المباشر تعتمد على محورين رئيسيين، لتحقيق أهدافها فيما يتعلق بتعزيز مكانتها الاقتصادية العالمية، وخلق أسواق جديدة لاستيعاب فائض المدخرات الصينية، حيث يتمثل المحور الأول في إنشاء كيانات لتمويل الاستثمار الأجنبي المباشر، خاصة في مشاريع البنية التحتية والطاقة العالمية، أما المحور الثاني فهو بناء شراكات استراتيجية والاستهداف الجغرافي لمناطق استثمار ذات أهمية جيوسياسية.

كيانات تمويل الاستثمار الأجنبي المباشر

ظهرت كيانات تمويل صينية تعتمد على توظيف فائض الاستثمارات الصينية التي تحولت نتيجة تداعيات الحرب التجارية الأميركية، والقيود التي تفرضها أميركا على الاستثمار الصيني بها، حيث قدمت الصين كيانات تمويل مالي، لمنافسة الكيانات المالية العالمية، كالبنك الدولي، والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير.

متفاديةً بذلك نقاط الضعف لدى مؤسسات التمويل الدولية، والتي تعتمد في تمويلها على التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بالشكل الذي قد لا يتلاءم مع النظم الاقتصادية بها، بما ينعكس على تراجع اقتصادات تلك الدول، التي تمولها مؤسسات التمويل الدولية الغربية.

بناء شراكات استراتيجية

أضافت: “المحور الثاني لاستراتيجية الاستثمار الصينية بالخارج، يستهدف البحث عن أسواق جديدة لتنويع أسواقها التجارية والاستثمارية، بهدف تقليل الاعتماد على الأسواق التقليدية، مما يدفعها للاستثمار في مناطق جديدة مثل شمال إفريقيا وأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى”.

وترى أن سباق النفوذ بين الصين والغرب في إفريقيا رجح الكفة لصالح بكين التي استغلت الميزة التنافسية لشركاتها في تنفيذ مشروعات البنية التحتية – خاصة في مجالات البناء والبنية التحتية – بكفاءة عالية وتكلفة أقل مقارنة بالشركات الغربية، مما عزز التواجد الصيني وعمل على إزاحة الشركات الغربية المنافسة من المنطقة.

التمويل السخي في سباق النفوذ

بينما يرى محلل الأسواق، وعضو قسم أبحاث السوق في الشرق الأوسط في XS.com، سامر حسن، أن سباق النفوذ بين الصين والغرب في إفريقيا يكمن في حاجة الصين إلى ثروات إفريقيا لدعم ثورة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والتحول نحو الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية.

“بمعنى آخر إفريقيا هي الصين الخاصة بالصين ذاتها والتي ستعتمد عليها في العديد من مجالات النمو الاقتصادي”. بحسب حسن.

وأضاف: “الاقتصادات المتقدمة بقيادة الولايات المتحدة تتنافس أيضاً للحصول على النصيب الأكبر من هذه الثروات، ليس فقط من أجل دعم التطور الصناعي والتكنولوجيا، بل أيضاً من أجل كسر النفوذ الصيني والروسي المتنامي في القارة الغنية بالثروات الكامنة”.

اقرأ أيضا: الصين والعرب.. شراكة أم نفوذ؟

وأشار إلى أن هذا قاد في المحصلة، إلى قيام الصين بالتغلغل أكثر في الاقتصاد الإفريقي، سواء عبر التمويل السخي، الذي يحتوي في ذات الوقت على بنود قد تتسبب في انتزاع السيطرة على الأصول الاستراتيجية من الدول المدينة، أو حتى عبر قلب أنظمة الحكم الحليفة للولايات المتحدة، أو التي تعد من بقايا المستعمرات الأوروبية، وفق ما تفيد به التقارير.

وقال أن سباق النفوذ بين الصين والغرب في إفريقيا أحدث تحولا جوهرياً في المشهد السياسي في الإقليم الذي يعاني من الحروب منذ بداية التاريخ خلال العام 2023 مع سلسلة الانقلابات المتتالية حتى بفارق أيام في العديد من الدول الغنية بالموارد”.

وأنهى حسن حديثه: “الطموح الصيني سيساهم في تعزيز نفوذ أكبر مصنع في العالم على الولايات المتحدة وأوروبا والتي يبدو أنها تخوض حرب استنزاف طويلة الأجل في أوكرانيا والتي تتطلب قدراً كبيراً من الإنفاق العسكري لتلك الدول، علاوة على الاضطراب التي خلقته في سلاسل توريد المعادن والحبوب ومنتجات الطاقة سواء من أوكرانيا أو من روسيا”.

ومع اتساع الفجوة بين الصين والغرب، يظهر أن هذا التنافس ليس فقط تحديًا، بل يمكن أن يكون فرصة للتعاون المشترك، إذ يمكن للصين والغرب العمل سوياً على تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الاستقرار في إفريقيا، مما يعود بالفائدة على الجميع.

أخبار ذات صلة