تقرير: باسل محمود
في صباح شتوي بارد، تسارعت الأحداث في سوريا، حيث شهدت دمشق انسحابًا دراماتيكيًا للرئيس المخلوع بشار الأسد باتجاه موسكو، في حدث أنهى حقبةً من الحكم الاستبدادي الذي امتد لعقود. ومع سقوط النظام، بدأت مرحلة جديدة من الجهود الدولية لتعقب الثروات الهائلة التي جمعتها عائلة الأسد ومقربوها على مدار أكثر من نصف قرن، بحسب وول ستريت جورنال.
تهريب الثروات: مشاهد مألوفة لأنظمة منهارة
تعكس تجربة عائلة الأسد في تهريب الأصول إلى الخارج مشهدًا مألوفًا شهدناه مع أنظمة أخرى مثل صدام حسين ومعمر القذافي، والمحاولات لاسترداد هذه الثروات كانت دائمًا طويلة ومعقدة.
خلال فترة حكم الأسد الأب والابن، نسجت العائلة شبكة اقتصادية معقدة شملت عقارات، وشركات، وأصول مالية موزعة في أنحاء العالم. ووفقًا لتقارير بحثية ومحامين دوليين، تضمنت هذه الشبكة ممتلكات فاخرة مثل عقارات في موسكو بقيمة 40 مليون دولار، وفنادق في فيينا، وطائرة خاصة في دبي، بحسب وول ستريت جورنال.
هذه الثروات لم تكن مجرد مكاسب عرضية؛ فهي تمثل عائدات منظومة كاملة من الفساد والاحتكارات واستغلال موارد الدولة. وفي هذا السياق، قال أندرو تابلر، مسؤول سابق في البيت الأبيض: “لقد أمضت عائلة الأسد سنوات طويلة في غسل الأموال وإعداد خطة للعيش في المنفى، ما يجعل تعقب هذه الأصول معركة طويلة الأمد”.
تعرّف إلى مصير أموال الأسد .. بين موسكو والعقوبات الغربية!
الكبتاغون: ذهب سوريا الأبيض ومصدر تمويل الأسد
خلال الحرب الأهلية السورية، اعتمد نظام الأسد بشكل كبير على تجارة المخدرات، خاصة “الكبتاغون” الذي أصبح يُعرف بـ”ذهب سوريا الأبيض”.
وفقًا لتقارير دولية، بلغت عائدات تجارة الكبتاغون نحو 2.4 مليار دولار سنويًا بين عامي 2020 و2022، وكان النظام يديرها عبر شبكات معقدة تشمل أفرادًا من العائلة وحلفاء مقربين، لكن لم يكن الاعتماد على تجارة المخدرات سوى جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تمويل آلة الحرب والبقاء في السلطة رغم العقوبات الدولية.
هروب الأسد إلى روسيا: بداية التفكك الداخلي
في الثامن من ديسمبر 2024، غادر بشار الأسد سوريا متجهًا إلى روسيا بعد تقدم قوات المعارضة نحو دمشق، ولم تكن هذه اللحظة مجرد نهاية لحكم ديكتاتوري دام 24 عامًا، بل رمزًا للتفكك الداخلي الذي عصف بعائلة الأسد.
لسنوات، استخدم حافظ وبشار أفراد عائلتهم لإخفاء الثروات في الخارج، ما أدى إلى خلق توترات داخلية عميقة، ووفقًا لتقديرات وزارة الخارجية الأميركية، تراوحت قيمة ثروات العائلة بين مليار و12 مليار دولار.
هذه الأموال تم تهريبها إلى ملاذات آمنة تشمل جزر الكايمان والجزر العذراء البريطانية، كما استُثمرت في مشاريع عقارية وتجارية في موسكو ودبي وفيينا، بحسب وول ستريت جورنال.
التحديات القانونية لاسترداد ثروات عائلة الأسد
مع بدء الجهود الدولية لتعقُّب الأصول ظهرت صعوبات كبيرة، ويقول المحامي الفرنسي وليام بوردون الذي شارك في قضايا مشابهة لاسترداد الأصول من أنظمة سابقة: “الأموال المخبأة في ملاذات مثل دبي وروسيا ستكون أصعب في استردادها بسبب غياب الشفافية”، وفقا لما نقلته وول ستريت جورنال.
رغم ذلك، شهدت السنوات الأخيرة بعض النجاحات المحدودة، مثل تجميد 90 مليون يورو من أموال ريفات الأسد في فرنسا، لكن الجزء الأكبر من الثروة ما يزال مخفيًا، الأمر الذي يجعل المهمة معقدة وطويلة.
اقرأ أيضًا: تغيير الليرة السورية بعد سقوط نظام الأسد
أصول الشعب المنهوبة
في الأيام التي تلت انهيار النظام، انتشرت مقاطع فيديو لسوريين يقتحمون قصور العائلة الحاكمة، فأصبحت السيارات الرياضية الفاخرة، والأثاث المصنوع من الذهب، والتحف النادرة التي نُهبت، رمزًا للغضب الشعبي ضد عقود من القمع والفساد.
ولعلّ هذا الغضب يعكس رغبة عميقة لدى السوريين في استعادة ما يعتبرونه حقًا لهم، وقد قال أحد المواطنين الذين اقتحموا أحد القصور: “ما نراه هنا هو جزء بسيط مما سرقوه منا”.
أمل جديد أم تحديات مستمرة؟
مع انهيار نظام الأسد، يبقى السؤال: كيف يمكن لسوريا أن تستعيد هذه الثروات المنهوبة؟ وما الدور الذي ستلعبه المؤسسات الدولية في هذه العملية؟ الإجابة ليست سهلة!
يؤكد وليام بوردون: “لدينا واجب قانوني وأخلاقي لاسترداد هذه الأموال للشعب السوري”، لكن التحديات القانونية والسياسية والاقتصادية تجعل هذا الواجب مهمة شاقة.
وآخر ما يُمكن قوله هو أنّ انهيار نظام الأسد ليس نهاية الحكاية، بل بداية مرحلة جديدة من السعي لتحقيق العدالة التي لن تتحقق بإعادة بناء ما دمرته الحرب فحسب، وإنّما باسترداد الثروات التي نهبها النظام أيضًا.
الشعب السوري الذي عانى لعقود، يستحق فرصة لبناء مستقبل مختلف يعتمد على الشفافية والإنصاف، لا على الفساد والاستبداد.
