سرقة القرن من قلب اللوفر.. كيف نجح 4 لصوص في انتزاع ذاكرة فرنسا؟
في واحدة من أكثر الحوادث صدمة في التاريخ الثقافي الحديث، شهدت العاصمة الفرنسية باريس عملية سطو محكمة على متحف اللوفر استهدفت مجوهرات نادرة تعود إلى مجموعة نابليون بونابرت، في واقعة وصفتها الصحف الفرنسية بأنها “السرقة الأخطر منذ اختفاء الموناليزا عام 1911”.
وقد أعلنت السلطات الفرنسية عن إغلاق المتحف مؤقتًا أمام الزوار وبدء تحقيقات موسعة، فيما خرج الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتصريح حاسم، مؤكدًا أن الدولة “لن تصمت أمام اعتداء على تراث يمثل جوهر الهوية الفرنسية”.
تفاصيل الجريمة: خطة دقيقة في وضح النهار
وقعت الجريمة في حوالي التاسعة والنصف صباحًا، وهو التوقيت الذي يبدأ فيه طاقم العمل في استقبال الزوار، وفقًا لتقرير صحيفة لو باريزيان، حيث استغلّت العصابة، التي يعتقد أنها مكوّنة من أربعة أشخاص محترفين، وجود أعمال صيانة داخل أحد أجنحة المتحف، وتمكَّنت من الدخول عبر مصعد البضائع الداخلي الذي يؤدي مباشرة إلى قاعة أبولون، حيث يتم عرض مقتنيات نابليون وزوجاته.
وبحسب المعلومات الأمنية، عطّل اللصوص أجهزة الإنذار بدقة متناهية، ثم حطَّموا واجهات العرض الزجاجية واستولوا على مجموعة مجوهرات نادرة خلال عشر دقائق فقط، قبل أن يفرّوا باستخدام دراجتين ناريتين في اتجاه نهر السين، وسط دهشة المارة الذين اعتقدوا أنهم أمام تصوير سينمائي.
وزارة الثقافة الفرنسية أكدت أن خمسة موظفين فقط كانوا متواجدين قرب القاعة أثناء الواقعة، وتمكنوا من إطلاق الإنذار الداخلي وتأمين الزوار قبل وصول الشرطة بدقائق، الأمر الذي حال دون تفاقم الوضع.
المجوهرات المسروقة: إرث نابليون المفقود
أعلنت الوزارة أن العصابة تمكنت من سرقة ثماني قطع أثرية لا تقدّر بثمن تعود للقرن التاسع عشر، أبرزها:
- عقد من الياقوت والماس للملكة ماري – إميلي.
- عقد من الزمرد للإمبراطورة ماري لويز، زوجة نابليون الأول.
- قطع ذهبية وأحزمة مرصعة بالأحجار الكريمة من خزينة الإمبراطورية الفرنسية الأولى.
كما سقط تاج الإمبراطورة أوجيني زوجة نابليون الثالث أثناء محاولة الفرار، ويجري فحصه حاليًا من قبل خبراء الترميم في المتحف. ووصفت الوزارة العملية بأنها “سريعة وصادمة”، مؤكدة أن القاعة المستهدفة مجهزة بأنظمة مراقبة وإنذار تعد من الأكثر تطورًا في أوروبا، لكنها فشلت في التصدي “لعملية خُطط لها باحترافية تفوق التوقعات”.
التحقيقات: شبكة منظمة وهروب عبر نهر السين
كشفت لور بيكو، المدعية العامة في باريس، أنَّ التحقيقات الأولية تشير إلى أن منفذي العملية “أربعة أشخاص على الأقل” استخدموا معدات متقدمة وأجهزة تشويش لتعطيل الكاميرات، وأوضحت أن الشرطة استعانت بمئات الساعات من تسجيلات المراقبة في الشوارع المحيطة بالمتحف، بعد أن فُقد أثر الدراجات النارية في أحد الأنفاق المؤدية إلى الضفة اليمنى من نهر السين، مضيفة أن الأدلة المبدئية تشير إلى “شبكة منظمة تمتلك خبرة طويلة في تجارة الفن المسروق”. وقالت بيكو: “ما نواجهه ليس مجرد سرقة، بل عملية جريمة ثقافية متكاملة، نفذها محترفون يعرفون جيدًا ماذا يسرقون وإلى أين سيتجهون به”.
وفي أول تعليق رسمي، كتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبر منصة “إكس”: “سنستعيد الأعمال الفنية، وسيُقدَّم الجناة إلى العدالة. ما حدث اعتداء على روح فرنسا وتراثها الذي لا يُقدّر بثمن”، كما أكَّد أنَّ مكتب المدعي العام في باريس يقود التحقيقات العليا، وأن الدولة “عبّأت جميع أجهزتها الأمنية والثقافية” لاستعادة القطع المسروقة.
وأشار الرئيس الفرنسي إلى أن الحادث لن يوقف مشروع “نهضة اللوفر الجديدة” الذي أُطلق مطلع العام الجاري، والذي يتضمن خطة لتحديث منظومة الأمن والترميم الرقمي للمقتنيات التاريخية.
قد يهمّك أيضًا: الانهيار المالي في فرنسا يثير الرعب في أوروبا بأكملها
صدمة داخل فرنسا.. وانتقادات للإجراءات الأمنية
أثارت الجريمة عاصفة من الانتقادات داخل فرنسا، حيث تساءلت وسائل الإعلام عن كيفية اختراق أكثر المتاحف تحصينًا في العالم، وقالت صحيفة لوموند إن “اللوفر فقد هيبته”، مشيرة إلى أنَّ العصابة ربما تلقت مساعدة داخلية من أحد العاملين أو المقاولين في مشروع الصيانة.
وقال مصدر أمني للصحيفة: “لا يمكن لعصابة عادية تنفيذ هذا العمل خلال عشر دقائق. هؤلاء محترفون أجروا استطلاعًا ميدانيًا وربما حصلوا على مخطط داخلي للمتحف”.
من جانبها، أعلنت وزارة الثقافة الفرنسية تشكيل لجنة خاصة لمراجعة جميع أنظمة الأمن والمراقبة في المتاحف الوطنية، مؤكدة أن “حماية التراث لم تعد مسؤولية ثقافية فحسب، بل قضية أمن قومي”.
تضامن عالمي وملاحقة دولية
أعربت منظمة اليونسكو عن قلقها من الحادث، معتبرة أن ما حدث”ينذر بموجة جديدة من الجرائم الثقافية المنظمة التي تستهدف رموز الهوية العالمية”، وأعلنت الإنتربول الدولي إطلاق عملية رصد خاصة عبر قاعدة بيانات Art World Check لمتابعة أي محاولة لبيع أو تهريب المجوهرات في الأسواق السوداء، فيما أبدت متاحف عالمية كـالمتحف البريطاني ومتحف المتروبوليتان في نيويورك تضامنها الكامل مع فرنسا، مؤكدين أن “سرقة اللوفر ليست جريمة ضد فرنسا فحسب، بل ضد ذاكرة العالم”.
وفي تعليقها على الحادث، قالت وهيبة صالح، الباحثة بالمجلس الأعلى للآثار في مصر، إن سرقة مجوهرات نابليون من متحف اللوفر “ناقوس خطر يهدد التراث الإنساني المشترك”، معتبرة أن الواقعة تكشف هشاشة المنظومات الأمنية حتى في المتاحف الأكثر تجهيزًا في العالم.
وأضافت: “حين يتم سرقة مجوهرات نابليون من قلب اللوفر، فهذا يعني أن الذاكرة الأوروبية نفسها أصبحت مهددة، وأن اللصوص لم يستهدفوا الذهب أو الألماس، بل رمزًا من رموز الهوية الحضارية لفرنسا”، كما أشارت إلى أنَّ المتاحف الكبرى أصبحت أهدافًا مغرية لعصابات الفن الدولية التي تتعامل مع القطع الأثرية كسلع تجارية في سوق غير شرعي.
وقد حذّرت بدورها من أنَّ “الأسلوب الاحترافي في العملية يوحي بتورط خبرات داخلية”، داعية إلى توسيع مفهوم الأمن الثقافي ليشمل التعاون بين الدول، وليس الاعتماد فقط على الكاميرات وأنظمة الإنذار.
وأوضحت صالح أن حماية التراث يجب أن تُدرج ضمن “التحالفات الدولية الكبرى”، تمامًا كما تتعامل الدول مع الأمن الغذائي أو المناخي، مشيدة في الوقت ذاته بموقف ماكرون الذي أعلن تعبئة وطنية لاستعادة القطع المسروقة.
واختتمت بقولها: “التراث ليس ماضيًا، بل رأس مال رمزي للأمم، وكل سرقة لقطعة فنية هي جريمة ضد الذاكرة الإنسانية، وما حدث في اللوفر يجب أن يكون درسًا عالميًا في أن التاريخ لا تحفظه الأبواب الحديدية، بل بالإرادة المشتركة لحمايته”.
اقرأ أيضًا: صعود دول جنوب أوروبا على ألمانيا وفرنسا في تحول اقتصادي
