سوريا.. انتعاش الأسواق وعودة السلع الغربية بعد سقوط الأسد
تقرير: باسل محمود
منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، واجهت الأسواق المحلية أزمة خانقة تمثلت في نقص السلع الأساسية وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، بينما أصبحت المنتجات الأجنبية حلمًا بعيد المنال بسبب القيود الجمركية والعقوبات الدولية المفروضة على البلاد، لكن المشهد الاقتصادي بدأ يشهد تحولات جذرية عقب الإطاحة ببشار الأسد، حيث بدأت مؤشرات الانفتاح التجاري بالظهور تدريجيًا، لتملأ رفوف المتاجر من جديد بعلامات تجارية عالمية مثل “بيبسي” و“برينجلز” و“تويكس”، في مشهدٍ أثار اهتمام المراقبين بوصفه إشارة أولى إلى عودة الحركة الاقتصادية إلى نبضها الطبيعي، بحسب تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز.
انطلاق مرحلة الانفتاح الاقتصادي بعد الأسد
في عام 2013، فرض النظام السوري، تحت حكم بشار الأسد، قيودًا صارمة على تداول العملات الأجنبية من أجل حماية الليرة السورية التي كانت تتعرض لضغوط كبيرة بسبب الحرب، وقد امتدت هذه القيود لتشمل فرض رسوم جمركية عالية على العديد من السلع، ما جعل معظم المنتجات الغربية غير قابلة للتحقيق للمواطنين السوريين.
هذه السياسة، غم محاولاتها للحفاظ على الاستقرار المالي، أدت إلى ازدهار السوق السوداء وتهريب السلع، حيث تم تسريب العديد من المنتجات الأجنبية عبر لبنان إلى سوريا، ومع مرور الوقت أصبحت الأسواق السورية خالية من معظم السلع العالمية، بينما كانت المنتجات المحلية تعاني من عدم كفايتها لتلبية احتياجات السوق، لكن مع التغيرات التي شهدتها البلاد، إثر الإطاحة ببشار الأسد، جاءت فرصة جديدة لتغيير الواقع الاقتصادي.
هيئة تحرير الشام، التي تولت زمام الأمور في بعض المناطق السورية، قررت فتح الأبواب أمام العملات الأجنبية، وتخفيف القيود على الاستيراد، مما أتاح المجال أمام السلع الأجنبية للعودة إلى الأسواق السورية.
اقرأ أيضًا: أزمة ثلاثية الأبعاد تهدد سوريا الحديثة
موجة السلع الأجنبية في سوريا
في بداية الإطاحة ببشار الأسد، كانت المتاجر في العاصمة دمشق وغيرها من المدن الكبرى مليئة بالمنتجات التي كانت مفقودة طوال سنوات الحرب، مثل زجاجات المياه التركية، والمكعبات السعودية، ومساحيق الحليب اللبنانية، التي لم تكن مجرد مفاجأة بل علامة على عودة حياة جديدة إلى الأسواق.
كانت المنتجات الغربية مثل “تويكس” و”سنيكرز” تأخذ مكانها في الرفوف، بل إن جدارًا كاملاً في أحد المتاجر تم تخصيصه لمنتجات “برينجلز”، فكانت المشاعر مختلطة بين الفرح والحذر، وقال أحد العاملين في متجر كبير في دمشق: “كل ما نبيعه الآن هو منتجات مستوردة، وكنا نبيع فقط المنتجات السورية سابقًا”.
اقرأ أيضًا: سوريا.. من دمار الحرب إلى آمال الإنعاش الاقتصادي
التغيرات السياسية في سوريا
كان العامل الأساسي في هذه التحوُّلات الاقتصادية هو التخلي عن السياسات الاقتصادية القديمة التي كانت تحت قيادة بشار الأسد؛ ففي الآونة الأخيرة بدأت الحكومة الجديدة بقيادة هيئة تحرير الشام في سوريا بتطبيق إجراءات جديدة سمحت بالتعامل بالدولار، إضافة إلى تخفيض الرسوم الجمركية بنسبة تتراوح بين 50 إلى 60%.
وبحسب المسؤولين، فإن هذا التخفيض كان الهدف منه تحفيز الإنتاج المحلي وحماية المصنعين السوريين. كما بدأت السلع المستوردة -التي كانت تتدفق سابقًا إلى إدلب شمال سوريا- في الوصول إلى باقي أنحاء البلاد، وهو ما فتح أبوابًا جديدة للمنتجات الإقليمية والعالمية، علمًا أنّ هذه السلع كانت تُحمل عبر الحدود من تركيا ولبنان دون رقابة كبيرة، مما ساعد في تخفيف الضغوط على السوق المحلية.
المنافسة بين الأسعار المحلية والأجنبية
على الرغم من تدفق السلع الأجنبية إلى السوق السورية فإن الأسعار كانت تبقى مشكلة رئيسة، حيث كانت المنتجات المحلية، بما في ذلك الخضروات والفواكه، تُباع بأسعار أقل بكثير من نظيرتها المستوردة، فزجاجة كاتشب سورية من ماركة “دوليز” تُباع بسعر منخفض يصل إلى نحو 14 ألف ليرة، بينما كان سعر زجاجة “هاينز” يصل إلى ما يعادل 78 ألف ليرة سورية، أي أكثر من خمس مرات.
لكن مع عودة السلع المستوردة، شهدت بعض المنتجات تحسنًا في الأسعار، على سبيل المثال؛ أصبح الموز اللبناني الذي كان في السابق سلعة نادرة أكثر وفرة وأرخص من السابق، بينما عادت بعض الفواكه الاستوائية مثل الأناناس بأسعار مقبولة.
آثار الابتزاز على اقتصاد سوريا
إحدى الأبعاد المخفية التي أثرت على الأسواق السورية، كانت ممارسات الابتزاز التي كانت تمارسها القوات العسكرية السورية، خاصة في النقاط الحدودية؛ حيث كان المزارعون في طريقهم إلى الأسواق يضطرون لدفع جزء كبير من إنتاجهم عند نقاط التفتيش العسكرية، وهو ما كان يرفع أسعار المنتجات بشكل غير طبيعي.
قال محمود، بائع خضروات في سوق الشعلان بدمشق: “كنا ندفع جزءًا من الإنتاج عند كل نقطة تفتيش عسكرية”، ومع إنهاء هذه الممارسات من قبل القوات المسلحة بعد التغيرات في القيادة بدأ المزارعون يستعيدون السيطرة على أسواقهم.
تطوّرات الاقتصاد السوري: بين العقوبات والتحديات لإعادة الإعمار
العودة إلى الحياة.. الآمال والتحديات
مع هذه العودة إلى الأسواق، بدأ السوريون يشعرون بالأمل حتى وإن كان الاقتصاد لا يزال يعاني من مشاكل كبيرة. محمود، بائع الخضروات، يقول: “لا يزال هناك نقص في الرواتب، ولكنني أشعر بالأمان الآن، فلم يعد هناك خوف من المداهمات، ولم نعد بحاجة إلى النظر حولنا بحذر”.
مع عودة بعض العلامات التجارية الغربية إلى الأسواق، مثل مكعبات الجبن الفرنسية “ذا لافينغ كاو”، التي كانت جزءًا من ذكريات جيل كامل من السوريين، أصبحت هذه المنتجات تجذب انتباه المستهلكين الذين يعبرون عن فرحتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
منذ بداية الحرب الأهلية، كانت سوريا في حالة حصار اقتصادي غير مسبوق، بسبب القيود السياسية والعقوبات الدولية، لكن التغيرات السياسية والاقتصادية التي شهدتها البلاد في الفترة الأخيرة أدت إلى انتعاش الأسواق السورية، مع تدفق المنتجات المستوردة التي كانت غائبة لفترة طويلة. رغم أن التحديات الاقتصادية ما تزال قائمة، فإن الأمل في مستقبل اقتصادي أفضل يتزايد مع نهاية السياسات التي كانت تعيق نمو البلاد.
موضوع ذو صلة: مستقبل سوريا المجهول.. من يدير الاقتصاد ويدفع رواتب السوريين؟