سوريا تطلق أضخم خطة استثمارية بـ14 مليار دولار

في خطوة وُصفت بأنَّها الأضخم منذ عقود في تاريخ الاقتصاد السوري، أعلنت دمشق عن إطلاق حزمة استثمارية غير مسبوقة بقيمة تتجاوز 14 مليار دولار، تتوزع على 12 مشروعًا استراتيجيًا في قطاعات النقل، والبنية التحتية، والتنمية الحضرية، والطاقة، بمشاركة واسعة من شركات خليجية ودولية.

جاء الإعلان خلال حفل رسمي في قصر الشعب، بحضور الرئيس السوري أحمد الشرع، والمبعوث الأمريكي إلى سوريا توماس براك، في مشهد عكس تقاطع المصالح الإقليمية والدولية على الساحة السورية مع دخول مرحلة جديدة من إعادة الإعمار.

البنية التحتية.. بوابة النفوذ الاقتصادي

تصدّر القائمة مشروع تطوير وتوسعة مطار دمشق الدولي، بكلفة تتجاوز 4 مليارات دولار، عبر تحالف دولي تقوده شركة “UCC” القطرية، ويضم شركات أمريكية وتركية بارزة، ويستهدف المشروع تحويل المطار إلى مركز إقليمي قادر على استيعاب 31 مليون مسافر سنويًا وفق معايير عالمية، ليكون بوابة جوية ومنصة جيو-اقتصادية تعزز موقع دمشق كمحور للنقل والتجارة في المشرق في آن واحد.

إلى جانب ذلك، تم توقيع مذكرة لإنشاء شبكة مترو أنفاق في العاصمة دمشق، بكلفة ملياري دولار، بالتعاون مع “الشركة الوطنية للاستثمار”، وهي شركة الإماراتية، بهدف تحسين حركة النقل العام، وتخفيف الازدحام، ودعم النشاط السياحي والتجاري في المدينة، في خطوة تعكس توجه أبوظبي نحو تعزيز حضورها الحضري واللوجستي في مراكز الثقل العربي.

في القطاع العقاري، تم الإعلان عن مشروع مدينة أبراج دمشق بقيمة 2.5 مليار دولار، يضم 60 برجًا تحتوي على 20 ألف شقة سكنية، بالشراكة مع شركة “يوباكو” الإيطالية، كما أطلق مشروع أبراج البرامكة بقيمة 500 مليون دولار، إلى جانب “مول البرامكة” التجاري الضخم بتكلفة 60 مليون دولار.

استثمارات الطاقة

أعلنت وزارة الطاقة السورية عن توقيع اتفاقيات بقيمة 7 مليارات دولار مع شركات دولية لتوليد نحو 5000 ميجاوات من الكهرباء، من خلال تطوير أربع محطات غازية ومحطة للطاقة الشمسية، وذلك في ظل عجز كهربائي يصل إلى 80% من الاحتياجات، نتيجة الدمار الكبير الذي لحق بمحطات التوليد خلال الحرب.

كما تم الإعلان عن ضخ الغاز من أذربيجان إلى سوريا عبر تركيا، بكمية يومية تصل إلى 3.4 مليون متر مكعب، ما سيسهم في توليد نحو 750 إلى 800 ميجاوات إضافية، ورفع ساعات التغذية الكهربائية إلى نحو 10 ساعات يوميًا، مقارنة بـ4 أو 5 ساعات سابقًا، وهو ما ينعكس مباشرة على 90% من المهن الحرة التي تعتمد على الطاقة، ويدعم استمرارية النشاط الاقتصادي.

اقرأ أيضًا: “سوريا” نهاية 46 عامًا من العزلة.. فماذا يعني ذلك؟

استثمارات خليجية وأوروبية

أتى هذا الحراك الاستثماري بعد شهر واحد من “منتدى الاستثمار السوري السعودي 2025″، الذي شهد توقيع 47 اتفاقية بقيمة 6.4 مليار دولار، تغطي 11 قطاعات مختلفة، من الإسكان والطاقة إلى الاتصالات والطيران، فقد أبدت أكثر من 500 شركة سعودية اهتمامها بالدخول إلى السوق السورية، فيما أسس ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مجلس أعمال سعودي–سوري برئاسة محمد عبدالله أبو نيان، لتعزيز التعاون المؤسسي بين البلدين.

كما عادت قطر بدورها إلى الساحة السورية عبر شركة “بلدنا”، التي استثمرت 250 مليون دولار في مشروع لإنتاج الحليب والعصائر، ما يعكس اهتمام الدوحة بالقطاعين الزراعي والغذائي كأدوات لدعم الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل.

أما الإمارات، فاختارت الموانئ كبوابة لنفوذها، وذلك من خلال اتفاق مع “موانئ دبي العالمية” بقيمة 800 مليون دولار لتطوير ميناء طرطوس، يتضمن إنشاء مناطق صناعية وحرة ومحطات لوجستية، ما يعزز موقعها الاستراتيجي على البحر المتوسط.

الانفتاح لم يقتصر على الخليج، إذ أعلنت شركة CMA CGM الفرنسية، ثالث أكبر شركة شحن بحري في العالم، عن استثمار 230 مليون يورو لتطوير وتشغيل ميناء اللاذقية، في خطوة تعد اختبارًا أوليًا لإمكانية عودة رؤوس الأموال الأوروبية إلى سوريا في ظل العقوبات الغربية.

محطة مفصلية في إعادة الإعمار

من جانبه يرى الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، أن هذه الحزمة الاستثمارية تمثل “نقطة تحول مفصلية في مسار إعادة الإعمار، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، ولكن أيضًا من حيث إعادة تموضع سوريا على خريطة الاستثمارات الإقليمية والدولية”، مؤكدًا أن تنوع هذه المشاريع بين البنية التحتية والطاقة والعقارات والموانئ يخلق فرصًا واسعة لتوليد الوظائف، وتنويع مصادر الدخل، وتحفيز النمو.

وأشار شوقي إلى أنَّ الشراكات مع شركات سعودية وقطرية وإماراتية وأوروبية “تعكس انفتاحًا إقليميًا متناميًا تجاه دمشق”، معتبرًا أن سباق الاستثمارات في سوريا يحمل أبعادًا استراتيجية بقدر ما يحمل فرصًا اقتصادية، حيث تخطط كل دولة لتعزيز نفوذها عبر بوابة إعادة الإعمار.

وأضاف أن “رفع ساعات التغذية الكهربائية، وتحسين خدمات النقل، وتطوير الموانئ والمطارات، عوامل ستنعكس مباشرة على النشاط الاقتصادي، وتعيد الثقة للسوق المحلية”، لكنه يشدد على أن النجاح يتطلب “إطارًا قانونيًا شفافًا وضمانات للاستثمار”، لضمان استدامة المشاريع وجذب المزيد من رؤوس الأموال.

إعادة هيكلة الاقتصاد السوري

لفت شوقي إلى أن الحكومة السورية تضع إصلاح القطاع المالي ضمن أولوياتها، عبر حصر الأموال المجمدة في الخارج وتوظيف جزء منها في دعم الاقتصاد، إلى جانب إعادة تأهيل البنوك المحلية وفق المعايير الدولية، كما تخطط لتفعيل سوق دمشق للأوراق المالية لتمويل القطاع الخاص، فيما تدخل بنوك قطرية لتقديم خدمات المراسلة وربط النظام المالي السوري بالعالم.

وبالتوازي فتحت “بينانس هولدينغس” فرعًا لتداول العملات المشفرة في سوريا، بعد إعلان واشنطن نيتها رفع بعض العقوبات، ما يفتح بابًا جديدًا أمام أدوات التمويل غير التقليدية.

وفي سياق متصل، أوضح شوقي أنَّ الاستثمار في صناعة الإسمنت يمثل عنصرًا حاسمًا لأي خطة إعادة إعمار، نظرًا لدوره في تلبية احتياجات البناء على نطاق واسع. وأكد أن صفقة موانئ دبي العالمية لتطوير الموانئ السورية “ستربط البلاد بممرات التجارة العالمية، وتعزز دورها كمحطة لوجستية إقليمية”، حيث إنّ المطار والمترو والموانئ والأبراج ليست مجرد مشاريع خدمية، بل أدوات لإعادة توزيع النفوذ، وربط سوريا بشبكات إقليمية وعالمية جديدة.

تحديات إعادة الإعمار وتقديرات التمويل

تُقدّر تكلفة إعادة إعمار سوريا بأكثر من 800 مليار دولار، ما يجعل الحزمة الحالية خطوة أولى على طريق طويل، لكن هذه الخطوة تأتي في ظل رفع جزئي لبعض القيود الدولية، وتزايد الانفتاح الإقليمي، ما يمنح دمشق فرصة لاستغلال التنافس الخليجي والإقليمي للحصول على أفضل العروض الاستثمارية، وإعادة تموضعها كلاعب اقتصادي مؤثر في الشرق الأوسط.

واختتم الخبير تصريحاته قائلاً: “إذا نفذت هذه المشاريع ضمن رؤية استراتيجية واضحة، فإنها لن تكون مجرد بداية لإعمار البنية التحتية، بل انطلاقة لإعادة تشكيل موقع سوريا الاقتصادي والسياسي في الإقليم”.

قد يهمّك أيضًا: عودة سوريا إلى نظام سويفت.. بداية جديدة للنظام المالي والاستثماري

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة