“سوريا” نهاية 46 عامًا من العزلة.. فماذا يعني ذلك اقتصاديًا؟
تقرير: باسل محمود
في مشهد حمل أبعادًا رمزية ودبلوماسية لافتة، أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من العاصمة السعودية الرياض رفع جميع العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، بعد أكثر من أربعة عقود من القيود الاقتصادية والسياسية.
وجاء القرار بعد مشاورات رفيعة مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تزامنًا مع انتقال السلطة رسميًا في دمشق إلى القيادة الجديدة برئاسة أحمد الشّرع، الذي قاد تحالف المعارضة خلال سنوات الحرب.
القرار الأمريكي -الذي بدا مفاجئًا في توقيته- يحمل في طيّاته تحوّلًا جذريًا في تعامل المجتمع الدولي مع الملف السوري؛ إذ يفتح الباب على مصراعيه أمام آفاق اقتصادية واسعة، وفي الوقت ذاته يضع المشهد أمام سلسلة من التحديات القانونية والمؤسساتية والدبلوماسية المعقدة، تبدأ من الداخل السوري وتمتد إلى دوائر صنع القرار في الكونغرس الأمريكي.
ترامب: حظًا سعيدًا يا سوريا
خلال مشاركته في منتدى الاستثمار السعودي الأمريكي بالرياض، خاطب ترامب الحاضرين قائلاً: “سوريا أمام فرصة للاستقرار والسلام، وهذا ما نريده لها. حان وقت تألقها، وسنوقف عنها جميع العقوبات. حظًا سعيدًا يا سوريا، أظهري لنا شيئًا مميزًا للغاية”.
وجاءت هذه التصريحات بعد إعلان متزامن عن اجتماع مرتقب بين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ونظيره السوري أسعد الشيباني، في أول اتصال رسمي منذ نحو 13 عامًا.
وقد رحّبت دمشق بالقرار باعتباره “نقطة تحول محورية”، بينما خرج المواطنون في شوارع العاصمة وأطلقوا أبواق السيارات احتفالًا، في مشهد يُذكّر بلحظات استعادة السيادة بعد الاستقلال.
“لحظة اقتصادية” أم إعلان سياسي؟
خلف هذه الاحتفالات، تتباين آراء الخبراء حول ما إذا كان القرار يُمثّل تحوّلًا اقتصاديًا فعليًا، أم مجرد إعلان ذي طابع سياسي؛ فالبعض يقول إن رفع العقوبات قد لا يُترجم فورًا إلى تدفقات مالية أو استثمارات، بل يتطلب من الحكومة الجديدة وضع “خطط استراتيجية دقيقة، وبناء الثقة داخليًا وخارجيًا، وتحفيز المؤسسات للعمل”.
والبعض الآخر أشار إلى أنَّ القرار قد يُشجّع واشنطن على إصدار إعفاءات قطاعية محددة، ويسمح لدول عربية وغربية بالبدء في تقديم الدعم، لا سيما في مشروعات البنية التحتية، لكن بشرط تهيئة الأرضية القانونية والمؤسساتية داخل سوريا.
اقرأ تفاصيل قرار ترامب برفع العقوبات عن سوريا بعد مشاورات مع السعودية وتركيا
800 مليار دولار خسائر الحرب
منذ تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب في 1979، عاشت البلاد تحت وطأة منظومة معقدة من العقوبات، توسّعت لاحقًا مع قانون محاسبة سوريا (2003)، وأوامر تنفيذية أصدرها الرئيسان جورج بوش وباراك أوباما، وتضاعفت في 2011 بعد اندلاع الثورة السورية، وصولًا إلى “قانون قيصر” في 2020، و”قانون كبتاجون” في 2024.
وقد أدّت هذه العقوبات إلى تجميد أصول سوريا في الخارج، وحرمانها من التمويل الدولي، وعزلها عن النظام المالي العالمي. وتقدّر الأمم المتحدة أن الحرب، المدعومة بالعقوبات، كلّفت الاقتصاد السوري أكثر من 800 مليار دولار، وأدّت إلى اعتماد 3 من كل 4 مواطنين على المساعدات الإنسانية، مع وصول نسبة الفقر المدقع إلى 66%.
عودة تدريجية إلى المنظومة الدولية
رفع العقوبات يتيح لسوريا العودة إلى النظام المالي العالمي، واستعادة بعض الأصول المجمدة، والتفاوض مجددًا مع المقرضين الدوليين مثل البنك الدولي وصندوق النقد.
كما يمكن لقرار رفع العقوبات أن يُضاعف الناتج المحلي الإجمالي لسوريا بنسبة تتراوح بين 5 إلى 7% خلال عام، بسبب تحسُّن التحويلات الخارجية، وعودة نشاط الاستيراد، وارتفاع قيمة الليرة السورية بنسبة 30% خلال الأشهر الأولى.
وقد أعلن مصرف سوريا المركزي عن رفع قيمة العملة المحلية من 12 ألف إلى 11 ألف ليرة مقابل الدولار فورًا بعد إعلان ترامب، بينما أشار حاكم المصرف عبد القادر حصرية، إلى أن القرار “فرصة كبيرة لتحقيق الرؤية الاقتصادية الجديدة، وتعزيز الشفافية والانضباط المالي”.
هل انتهى “قانون قيصر”؟
رغم إعلان ترامب، لا تزال هناك تحديات قانونية حقيقية؛ فالعقوبات الأمريكية على سوريا ليست فقط أوامر رئاسية قابلة للإلغاء، بل تتضمّن تشريعات مرّرتها الكونغرس، مثل “قانون قيصر” الذي يستهدف كل من يدعم الحكومة السورية ماليًا أو عسكريًا. كما أن إلغاء هذه القوانين، يتطلب مراجعات من وزارتي الخارجية والعدل، وموافقة الكونغرس، وسط انقسام حزبي حاد.
اقتصاد معطّل.. وجهاز مصرفي هش
حتى مع رفع العقوبات يواجه الاقتصاد السوري تحديات هيكلية ضخمة، حيث يُقَدَّر الدين الخارجي بنحو 20 إلى 23 مليار دولار، وفق تصريحات وزير المالية السابق محمد أبازيد، بينما تتراكم ديون محلية تقدّر بالمليارات، كما أن النظام المصرفي لا يزال هشًا ومعزولًا عن شبكات التسوية العالمية.
لكن رفع العقوبات، قد يفتح نافذة تنفس مهمة للبنوك السورية، كما يُعيد البنوك اللبنانية إلى المعادلة، إذا ما تم تحرير الحسابات المجمدة وفتح المعابر.
اقرأ أيضًا: تأثير رفع العقوبات الأمريكية على الليرة السورية والاقتصاد المحلي
فوائد محتملة لتركيا ولبنان والأردن
الآثار الإيجابية لرفع العقوبات قد تتجاوز الحدود السورية وتمتد إلى دول الجوار، إذ يتوقّع الخبراء أن ترتفع الصادرات الأردنية إلى سوريا بنسبة 70% خلال عامين، مما يعزز قطاع النقل والخدمات اللوجستية، ويخلق فرصًا جديدة للشركات الأردنية.
لبنان بدوره قد يُعيد إحياء التجارة البينية، بينما تأمل تركيا بفتح معابر جديدة أمام منتجاتها الصناعية والزراعية، في ظل توقُّع انفتاح اقتصادي تدريجي يقوده المجتمع الدولي.
أين تبيع سوريا منتجاتها؟ تعرّف إلى التفاصيل بالأرقام!
من الحضن الإيراني إلى المحور العربي
أحد أهم مخرجات القرار الأمريكي أنه يُعيد صياغة التموضع السياسي لسوريا؛ فبعد سنوات من التحالف مع روسيا وإيران يُنتظر أن تنفتح القيادة الجديدة على الولايات المتحدة، والسعودية، وتركيا، وقطر.
هذا التحوّل قد يُعيد رسم الخرائط السياسية للمنطقة، خاصة إذا نجحت القيادة السورية الجديدة في تجنُّب الانزلاق نحو محاور متطرفة، وتقديم نفسها كشريك مستقر في الشرق الأوسط الجديد.
وفي أول موقف رسمي، قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان: “سوريا لديها الكثير من المقوّمات، ومجرد رفع العقوبات كفيل بإطلاق نهضة اقتصادية كبرى”.
اختبار المستقبل.. ماذا بعد الاحتفالات؟
رغم الزخم السياسي والإعلامي فإن القرار الأمريكي لا يزال في بداياته، فالحكومة السورية الجديدة أمام اختبار حقيقي، هل تستطيع الانتقال من “شرعية إسقاط الأسد” إلى “شرعية البناء والاستثمار”؟
الأسواق العالمية تنتظر إشارات واضحة وإصلاحات واستقرار وانفتاح وعقود واضحة، كما أن الدول الداعمة ستراقب مدى التزام الحكومة الجديدة بمحاربة الفساد، واحترام الحريات، وبناء مؤسسات ديمقراطية قابلة للحياة.
ومع تقديرات البنك الدولي بأن تكلفة إعادة الإعمار قد تتجاوز 400 مليار دولار، فإنَّ التحدي لا يكمن فقط في تأمين التمويل، بل في إدارة المشاريع بفعالية وشفافية، وخلق 3 ملايين وظيفة خلال 10 سنوات، كما تأمل القيادة الجديدة.
اقرأ أيضًا: تسوية الديون السورية ورفع العقوبات.. خطوة نحو إعادة الإعمار