مستقبل صادرات النفط السورية في ظل التغيرات الجيوسياسية
تقرير: باسل محمود
تضع الحرب الأهلية السورية التي بدأت في عام 2011 كل من سوريا ومنطقة الشرق الأوسط أمام مفترق طرق اقتصادي وسياسي، فمع سيطرة المعارضة السورية بقيادة جماعة “هيئة تحرير الشام” على الحكم يبدو أن خريطة الصراع تأخذ منحى جديدًا يؤثر على مستقبل الصادرات النفطية السورية، وفق “s&p global”.
وكانت سوريا قبل اندلاع الحرب واحدة من الدول المنتجة للنفط في المنطقة، لكن القدرة الإنتاجية للنفط انخفضت بشكل حاد منذ ذلك الحين، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات اقتصادية وجيوسياسية أكثر تعقيدًا وتشابكًا، تعكس تأثير النزاع المستمر على أسواق الطاقة الإقليمية والدولية.
تراجع إنتاج نفط سوريا
قبل بداية الحرب كانت سوريا تحتل مكانة بارزة في إنتاج النفط والغاز الطبيعي في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث كانت تنتج أكثر من 380 ألف برميل يوميًا من النفط، و300 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي. وكانت تلبّي احتياجاتها المحلية من مشتقات النفط عن طريق تكرير الخام محليًا، لتصبح مصدراً صافياً للنفط.
كما أنّها تمتلك احتياطيات نفطية بمؤكد بحجم 2.5 مليار برميل، وبحسب متوسط أسعار اليوم تصل قيمة هذه الثروة إلى 200 مليار دولار، لكن اندلاع الحرب كان له الأثر الأكبر على هذا القطاع، حيث بدأ الإنتاج ينخفض بشكل حاد.
بحلول عام 2015، وفي ذروة سيطرة تنظيم داعش على العديد من حقول النفط السورية، تراجع الإنتاج إلى نحو 40 ألف برميل يوميًا، وهو ما أثر بشكل كبير على قدرة سوريا على التصدير، كما تمَّ تهريب النفط إلى تركيا، الأمر الذي ما جلب لتنظيم داعش إيرادات ضخمة تجاوزت 500 مليون دولار سنويًا.
اقرأ أيضًا: من خلال الطاقة.. تركيا توسع نفوذها في سوريا
الانتصار المتمرد.. هل يعيد خلط الأوراق؟
يشير العديد من الخبراء إلى أن سيطرة “هيئة تحرير الشام” على الأراضي السورية قد تؤدي إلى تحول كبير في التوازن السياسي والعسكري في المنطقة، مع احتمال أن يتم إعادة ضبط سياسات النفط والتجارة في البلاد.
ويعد هذا الانتصار المتمرد بمثابة انتكاسة كبيرة لكل من روسيا وإيران، اللتين كانتا تدعمان النظام السوري بقوة منذ بداية الحرب، حيث تحظى روسيا بنصيب كبير من المصالح الاقتصادية والعسكرية في سوريا، فيما تعد إيران من أكبر شركاء سوريا في مجال الطاقة، وبينما يبدو أن الحرب السورية قد تدخل مرحلة جديدة، فإن التأثير على قطاع النفط قد لا يكون بنفس الأثر الذي شهدته سنوات الحرب الماضية.
قد يهمّك أيضًا: كيف تحوّلت موسكو إلى ملاذ مالي لنظام الأسد في مواجهة العقوبات؟
إيران في مواجهة الانهيار
كانت إيران الشريك التجاري الأكبر لسوريا في مجال الطاقة منذ بداية الأزمة، حيث زودت سوريا بنحو 121 ألف برميل يوميًا من الخام في نوفمبر 2023، وفي الوقت ذاته قدمت روسيا وتركيا دعمًا إضافيًا في مجال النفط، رغم أن سوريا لم تقم بأي صادرات منذ عام 2019.
وعقب هزيمة داعش، انتقلت السيطرة على حقول النفط إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والميليشيات الكردية؛ حيث وصل الإنتاج في عام 2019 إلى ما بين 15 و30 ألف برميل يوميًا فقط، وهو انخفاض حاد مقارنة بما كانت البلاد تنتجه قبل الأزمة.
ومع تحسن الوضع الأمني في بعض المناطق، بدأ المراقبون يتساءلون عن مدى قدرة عملية إعادة الإعمار على تحسين الأوضاع الاقتصادية في سوريا، خاصة فيما يتعلق بقطاع النفط، وما إذا كانت ستسهم في إعادة النشاط النفطي وتعزيز الاقتصاد الوطني.
البنية التحتية للنفط في سوريا
تُعد البنية التحتية النفطية في سوريا أحد أبرز العوائق أمام استئناف الإنتاج بشكل مستدام؛ حيث تقع معظم حقول النفط في مناطق شرق البلاد، إلا أن العديد منها إما غير قابل للتشغيل أو يعمل بطاقة محدودة، ما يحد من القدرة الإنتاجية للقطاع.
وتمتلك سوريا مصفاة واحدة في حمص بسعة 107.1 ألف برميل يوميًا، وأخرى في بانياس بسعة 120 ألف برميل يوميًا، إلا أن معظم هذه المنشآت إما معطلة أو تعمل بطاقة منخفضة منذ بداية الحرب، ما يعكس التحديات الكبيرة التي تواجه إعادة تأهيل البنية التحتية.
ويجدر بالذكر أن سوريا لا تستطيع تلبية احتياجاتها النفطية محليًا بشكل كامل، حيث يبلغ الطلب المحلي الحالي نحو 100 ألف برميل يوميًا، ويزداد الوضع تعقيدًا بسبب انخفاض الإنتاج المحلي والاعتماد الكبير على إيران كمصدر رئيسي للخام.
التأثير على أسعار النفط العالمية
رغم الانخفاض الحاد في إنتاج النفط السوري، يبدو أن تأثير ذلك على أسواق النفط العالمية سيكون محدودًا، ويشير المحللون إلى أن أسواق النفط العالمية قد لا تتأثر بشكل كبير بسقوط نظام الأسد أو بتصعيد القتال في سوريا.
وفي هذا السياق، أشار كريستوف روهل، الباحث في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، إلى أن “تأثير سقوط الأسد على أسواق النفط سيكون محدودًا” نظرًا لتراجع الإنتاج بشكل كبير في السنوات الأخيرة. وقال مايك مولر، رئيس قسم آسيا في “Vitol” إنّ “أي تأثير على النفط والغاز الطبيعي نتيجة القتال في سوريا وسقوط الأسد سيكون محدودًا، تمامًا كما حدث في نزاعات سابقة مثل الصراع في غزة”.
رغم ذلك، فإن تطورات الأزمة السورية قد تؤدي إلى زيادة في التقلبات الجيوسياسية التي قد تؤثر على الثقة في أسواق النفط في المدى الطويل، ومع تواصل تقدم قوات “هيئة تحرير الشام” واستمرار التأثيرات الجيوسياسية على سوريا تبقى الآفاق المستقبلية لقطاع النفط السوري غامضة، فمن جهة قد تؤدي التغيرات في موازين القوى إلى تغييرات في استراتيجيات الإنتاج والتصدير، لكن من جهة أخرى تبقى البنية التحتية المتهالكة وتراجع الإنتاج العقبات الأكبر أمام عودة سوريا إلى مرحلة ما قبل الحرب كأحد كبار منتجي النفط في المنطقة.
اقرأ أيضًا: خط الغاز القطري التركي.. سقوط الأسد وتغيير المعادلة