سوق الذهب العالمي بين هبوط مؤقت وصعود طويل الأمد

في وقت يعيش فيه سوق الذهب حالة من التقلّب الحاد، بين موجات صعود غير مسبوقة وهبوط مفاجئ أربك المستثمرين، يرى الخبراء أن ما يحدث في سوق الذهب العالمي ليس مجرد تصحيح عابر كما يراه البعض، بل انعكاس لتشابك دقيق بين السياسة النقدية الأمريكية، والعوامل الاقتصادية العالمية، والسلوك النفسي للمستثمرين، مؤكدين أن كل هبوط مؤقت في أسعار الذهب هو في الحقيقة تمهيد لصعود جديد على المدى الطويل.

السعر المستهدف للذهب.. 3500 دولار للأوقية

قال الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، إن التقارير الأخيرة الصادرة عن مؤسسات دولية مثل كابيتال إيكونوميكس، والتي توقعت اتجاهًا هبوطيًا للذهب وحددت مستهدفًا سعريًا عند 3500 دولار للأوقية، تعبّر عن حالة من إعادة التوازن الطبيعي بعد موجة ارتفاع غير مبررة دفعت المعدن النفيس إلى تجاوز تقييماته الحقيقية.

وأوضح أن هذه الموجة من الصعود لم تكن مدفوعة بعوامل اقتصادية فحسب، فقد تأثرت بشكل كبير بالتحولات النفسية لدى المستثمرين الذين تعاملوا مع الذهب باعتباره الملاذ الآمن المطلق في ظل تزايد التوترات السياسية وتباطؤ الاقتصاد العالمي.

وقال الدكتور العسيلي إن أحد المحاور الرئيسية وراء الهبوط الأخير هو التحسّن المؤقت في مؤشرات الاقتصاد الأمريكي، حيث استعادت أسواق الأسهم جزءًا من زخمها وتراجعت المخاوف من الركود، ما دفع المستثمرين إلى تسييل حيازاتهم من الذهب لصالح الأصول ذات العائد المرتفع مثل الأسهم والسندات.

وأوضح أن البيانات الإيجابية الصادرة عن سوق العمل الأمريكي ساهمت في رفع العوائد الحقيقية على سندات الخزانة، الأمر الذي جعل الذهب أقل جاذبية في المدى القصير باعتباره لا يدرّ أي عائد. وأضاف: “حين ترتفع العوائد الحقيقية على السندات، يصبح الاحتفاظ بالذهب عبئًا، لأن المستثمرين يفضلون الأصول التي تمنحهم عائدًا ثابتًا وآمنًا”.

وأشار العسيلي إلى أن هذه التطورات لم تقلل مكانة الذهب كأصل استراتيجي، لكنها أدت إلى تحوّل مؤقت في سلوك الأسواق باتجاه إعادة التوازن بين المخاطر والعوائد.

السياسة النقدية الأمريكية.. اللاعب الخفي في المشهد

قال العسيلي إنَّ الولايات المتحدة، بصفتها أكبر دولة تمتلك احتياطيًا رسميًا من الذهب في العالم، تمارس تأثيرًا غير مباشر لكنه بالغ العمق على اتجاهات المعدن النفيس، سواء عبر سياسات الفيدرالي الأمريكي أو منظومة “الدولرة” التي تحكم حركة السيولة العالمية. وأضاف: “ليس من المستبعد أن تكون هناك دوائر مالية أمريكية تدخلت بصورة غير مباشرة لإعادة رفع الطلب على الدولار من خلال خفض أسعار الذهب، بما يعيد توجيه رؤوس الأموال نحو السندات والأصول الدولارية”.

وأوضح أنَّ واشنطن لطالما استخدمت أدواتها النقدية لتوجيه الأسواق، مشيرًا إلى أن كل ارتفاع قوي في أسعار الذهب يعني تآكل الثقة في الدولار، وهو ما تحاول الولايات المتحدة تفاديه عبر سياسات ما سماه بـ”الضبط المرن” للسوق.

وأشار العسيلي إلى أن الفيدرالي الأمريكي يحاول حاليًا تحقيق معادلة دقيقة بين السيطرة على التضخم ودعم النمو دون الوقوع في ركود اقتصادي، مضيفًا أن تحريك التوقعات النفسية للمستثمرين عبر التصريحات والسياسات المؤقتة يعد أداة فعالة لتوجيه السوق دون تدخل مباشر. وقال: “كل موجة صعود حادة تخلق فقاعة سعرية، ومع أول إشارة تصحيح، تتحول الرغبة في الربح إلى خوف من الخسارة، فيندفع المستثمرون للبيع الجماعي، فتتسارع وتيرة الهبوط بشكل يفوق التوقعات”.

وأشار إلى أن هذا النمط تكرر تاريخيًا في السبعينيات ثم في العقد الأول من الألفية الجديدة، حين ارتفعت الأسعار بشكل مبالغ فيه ثم انهارت بنسبة وصلت إلى 60% بعد احتساب التضخم. وأكد أنَّ “سلوك القطيع الاستثماري” -وفقًا للعسيلي- يجعل الأسواق أكثر تقلبًا، خاصة مع تنامي مشاركة المستثمرين الأفراد في تداول الذهب وصناديق الاستثمار المرتبطة به.

كيف كسر الذهب علاقته بالتضخم

أوضح العسيلي أن العلاقة التقليدية بين الذهب والعوائد الأمريكية انكسرت فعليًا منذ عام 2022، فبينما كان الذهب يرتفع عندما تنخفض العوائد الحقيقية على السندات والعكس بالعكس، حيث شهدت السنوات الأخيرة استمرار ارتفاع الذهب رغم صعود تلك العوائد، ما يعني أن قوى جديدة أصبحت تحكم السوق.

وأضاف أن هذا التغير يعود إلى التحولات الجيوسياسية وتغير مراكز الثقة النقدية عالميًا، خاصة مع قيام بعض البنوك المركزية -مثل بنك الشعب الصيني- بتقليص حيازاتها من السندات الأمريكية وزيادة احتياطياتها من الذهب، كرد فعل على العقوبات الغربية وتجميد الأصول الروسية.

وأشار إلى أن الذهب بات يمثل وسيلة تحوّط سياسية بقدر ما هو أداة اقتصادية، إذ يُنظر إليه اليوم كملاذ آمن من العقوبات وليس فقط من التضخم، وهو ما يمنحه بُعدًا استراتيجيًا جديدًا يتجاوز منطق الأسواق المالية.

وبيّن أن انخفاض الأسعار مؤخرًا أدى إلى نشاط محدود في حركة البيع والشراء، خاصة في فئة السبائك الصغيرة والجنيهات الذهب، بينما تنتظر الأسواق المحلية وضوح الرؤية العالمية قبل اتخاذ اتجاه جديد.

الذهب بين فقاعة قصيرة وصعود طويل الأمد

أكد الدكتور حسين العسيلي أن الذهب يعيش حاليًا مرحلة تذبذب قصيرة المدى بين الصعود والهبوط، لكنه سيظل محتفظًا بمكانته كأداة رئيسية للتحوط ضد التضخم والمخاطر السياسية على المدى الطويل. وقال: “العوامل التي دعمت صعود الذهب لا تزال قائمة:؛ فالتضخم العالمي مستمر، والمخاطر الجيوسياسية تتصاعد، والبنوك المركزية مستمرة في تنويع احتياطاتها بعيدًا عن الدولار، وبالتالي فإنّ أي انخفاض حالي هو مجرد استراحة مؤقتة في مسار أطول نحو الصعود”.

وأشار العسيلي أيضًا إلى أن الصراعات المستمرة بين القوى الكبرى، وتباطؤ النمو في الاقتصادات المتقدمة، إضافة إلى أزمة الثقة في النظام المالي العالمي، كلها عوامل تدعم استمرار الطلب على الذهب بوصفه أصلًا استراتيجيًا لا يفقد قيمته مع الزمن.

واختتم العسيلي تصريحاته بتأكيده أن الذهب سيبقى المرآة الصادقة لحالة الاقتصاد العالمي، قائلاً: “إن لمع الذهب فذلك لأن العالم قلق، وإن خفّ بريقه فذلك لأن الأسواق تتنفس مؤقتًا استعدادًا لجولة جديدة من التقلبات”. وأضاف أن القوى الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تحاول بين الحين والآخر إعادة ضبط ميزان الأسعار مؤقتًا لخدمة مصالحها النقدية وتعزيز قوة الدولار، لكن هذه المحاولات لا تغير الحقيقة الجوهرية وهي أن قيمة الذهب تتراكم مع الزمن كلما اهتزت الثقة في النظام المالي العالمي.

أسعار الذهب حاليًا لا تعكس قيمته الحقيقية

من جانبه، اختلف أسامة زرعي خبير أسواق المال، مع رأي كابيتال إيكونوميكس، مؤكدًا أن الأسعار الحالية لا تعكس القيمة الحقيقية للمعدن النفيس، و أن السعر العادل للأوقية يجب أن يتجاوز مستوى 4900 دولار، في حين تتداول في الأسواق العالمية حاليًا عند نحو 3900 دولار.

وأوضح زرعي أن الوصول إلى هذا المستوى المنخفض كان متوقعًا منذ فترة باعتباره المستهدف الهابط الذي حذّر منه مسبقًا، مؤكدًا أنه بعد تحقيقه أعاد قراءة المشهد الاقتصادي العالمي في ضوء المستجدات المالية والنقدية الأخيرة، ليجد أن السوق يعيش حالة من الانفصال بين السعر الظاهر والسعر الفعلي المدعوم بالعوامل الاقتصادية.

وفي السياق نفسه، أكَّد زرعي أنَّ هذا التراجع في أسعار الذهب يمثل تصحيحًا طبيعيًا بعد موجة صعود قوية استمرت لأشهر، موضحًا أن العوامل الداعمة للارتفاع ما زالت قائمة ولم تتغير جذريًا، وقال إن من الخطأ النظر إلى التراجع الحالي باعتباره انعكاسًا للاتجاه الصاعد، لأن الأسواق غالبًا ما تمر بفترات تصحيح مؤقتة نتيجة عمليات جني الأرباح والمضاربات قصيرة الأجل.

وأضاف الخبير، أن السعر الحقيقي للذهب وفق الأسس الاقتصادية ومعدلات الطلب والعرض العالمية يجب أن يتراوح بين 4900 و4925 دولارًا للأوقية، وهو ما يعني أن الأسعار الحالية تقل بأكثر من ألف دولار عن قيمتها العادلة.

وأشار زرعي إلى أن المضاربة المفرطة في الأسواق خلال الفترة الماضية خلقت فجوة كبيرة بين السعر الواقعي والسعر المتداول، وأن هذه الفجوة ستغلق تدريجيًا خلال العام المقبل مع عودة الاستقرار للأسواق العالمية. واعتبر أن الذهب في الوقت الراهن أقل من قيمته الفعلية بنحو 25%، ما يجعله فرصة استثمارية مميزة لمن يتطلع إلى تحقيق مكاسب على المدى المتوسط والطويل، مؤكدًا أن الاتجاه العام سيظل صاعدًا رغم فترات التذبذب القصيرة.

2026.. تحول في مسار المعدن الأصفر

توقَّع أسامة زرعي أن يشهد عام 2026 مرحلة تحول مهمة في مسار المعدن الأصفر مع عودة الطلب القوي من البنوك المركزية، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية في عدد من مناطق العالم، فضلًا عن استمرار الضغوط التضخمية في الاقتصادات الكبرى، ما يدفع المستثمرين نحو الأصول الحقيقية مثل الذهب.

وقال إن من يملك الذهب اليوم يمتلك الأمان غدًا، فالسوق لم يقل كلمته الأخيرة بعد، والتاريخ يثبت أن كل موجة تصحيح تسبق عادة ارتفاعًا أكبر، وعلى المستثمرين التحلي بالصبر وعدم التسرع في البيع أثناء فترات الهبوط المؤقتة، لأن الخسائر الورقية الحالية ستتحول إلى مكاسب ملموسة بمجرد عودة الأسعار إلى مسارها الصاعد.

واختتم الخبير تصريحه بالتأكيد على أن التراجع الحالي هو استراحة قصيرة في مسار صعود طويل الأمد، وأن القيمة الحقيقية للمعدن الأصفر لا تتراجع مع مرور الوقت، بل تتضاعف كلما فقدت الأسواق الثقة في العملات الورقية، مشيرًا إلى أن ما نراه الآن ليس سوى هدوء يسبق موجة ارتفاع جديدة ستعيد للذهب بريقه ومكانته التاريخية كملاذ آمن لا يُخيب من وثق به.

تعرّف إلى معيار الذهب.. النظام النقدي الذي غيّر شكل الاقتصاد العالمي

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة