يشهد سوق الذهب العالمي تحوُّلات غير مسبوقة تُثير الكثير من التساؤلات حول مستقبل هذا المعدن النفيس، خاصةً في ظل التغيُّرات الجذرية التي طرأت على أنماط التداول والتعاملات في العقود الآجلة. ومع دخول بنوك عالمية كبرى كلاعب رئيس في السوق، وزيادة الطلب على استلام الذهب الفعلي بدلًا من التسوية النقدية، أصبحت التحركات الحالية مؤشرًا قويًا على تغييرات عميقة في خريطة الأسواق العالمية.
طلب استلام الذهب فيزيائيًا يغير قواعد اللعبة
صرّح أسامة زرعي، خبير أسواق الذهب، بأنَّ سوق الذهب يشهد تحولات استثنائية، مع ظهور أنماط جديدة وغير مسبوقة في التعاملات. وأوضح أنَّ المتعاملين في العقود الآجلة طالبوا لأول مرة منذ عام 2009 باستلام الذهب فعليًا، وهي خطوة غير معتادة، حيث كانت التسويات غالبًا تتم نقديًا بتغطية الفرق بين الشراء والبيع.
وأضاف زرعي في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” أن الطلب الأخير على استلام الذهب فعليًا بنسبة 99% من العقود الآجلة بدلاً من التسوية النقدية، يُعد مؤشرًا على تحولات عميقة في السوق. وأشار إلى أن هذه الخطوة قد تمثل بداية موجة من التحركات غير المتوقعة التي قد تؤثر بشكل مباشر على الأسعار على الصعيد العالمي.
وفي السياق ذاته، قال زرعي إن البنوك العالمية الكبرى دخلت بقوة إلى سوق الذهب، حيث نفّذ بنك أوف أمريكا عمليات شراء تجاوزت مليون أونصة، بينما يبرز بنك جي بي مورجان كأحد أكثر اللاعبين نشاطًا، مع نسبة شراء مقابل بيع تصل إلى 15 ضعفًا. وعلى الجانب الآخر، فإن بنك HSBC يستمر في البيع مع كل ارتفاع، في محاولة واضحة للضغط على الأسعار، وهو ما قد يكون استراتيجية لجمع كميات أكبر بأسعار منخفضة قبل دفع السوق للارتفاع مجددًا.
وأشار إلى أن بنك باركليز عاد للسوق بشكل مفاجئ بعد غياب استمر لسنوات، مما يضعه في موقع “الحصان الأسود” لعام 2025، وتوقع أن يقوم البنك بمناورات مضاربية، من بينها احتمال بيع كميات كبيرة في منتصف فبراير لتحقيق مكاسب استراتيجية.
ما هو معيار الذهب؟ تعرّف إلى آلية عمل معيار الذهب ومزاياه وعيوبه
الصين تضيف قوة دافعة للسوق
أكَّد زرعي أن الصين تعد من أكبر اللاعبين في السوق، حيث نفذت عمليات شراء ضخمة بلغت أكثر من 75 مليون أونصة، وأشار إلى أن أي عمليات بيع تتم خلال الجلسات الآسيوية تُغطى سريعًا بعمليات شراء ضخمة بمعدل 10 أضعاف.
على الصعيد السياسي، أوضح زرعي أن إدارة دونالد ترامب الحالية تهدف إلى تقليل قوة الدولار بهدف تعزيز الصادرات ومواجهة الديون، مما يدعم الطلب على الذهب كملاذ آمن، وقال: “سياسات ترامب قد تكون أحد الأسباب الرئيسة وراء قوة الذهب حاليًا، لكنها قد تؤدي إلى وصول الأسعار إلى ذروتها قريبًا قبل أن تبدأ في التراجع”.
وقد حذر زرعي بدوره من أن سوق الذهب يقترب من نقطة ذروة، حيث يتوقع أن تصل الأسعار إلى مستويات 2700 دولار للأونصة قبل حدوث انهيار كبير في السوق، مما قد يغير قواعد اللعبة تمامًا في الأشهر المقبلة.
اقرأ المزيد: السياسات النقدية العالمية ترسم ملامح أسعار الذهب في 2025
التحديات والتحولات
على المستوى المحلي، قال زرعي إن سوق الذهب في مصر يشهد تحركات ضخمة مع إغلاق عام 2024 على ارتفاع كبير، وأضاف أن زيادة المعروض من الذهب بسبب شهادات الاستثمار بفائدة 27.5% أدت إلى هبوط الأسعار محليًا، مما دفع المصدرين إلى التصدير لتحقيق عوائد دولارية، وهي خطوة استغلها البنك المركزي المصري للحصول على العملة الأجنبية.
وأشار زرعي إلى أن بورصة دبي قامت بتقديم خصم بقيمة 10 دولارات على الأونصة، مما زاد الضغط على أسعار الذهب محليًا ودفع المصدرين إلى تنفيذ كميات أكبر لتعويض الخسائر. ومع ذلك، حذر الخبير من أن عمليات التصدير ستتوقف بمجرد تعافي الأسعار العالمية، مما يعني أن الاعتماد على شراء الذهب للحصول على الدولار بسعر منخفض قد لا يكون مجديًا في المستقبل القريب.
واختتم زرعي تصريحاته قائلاً: “أتوقع أن نشهد قمة تاريخية في أسعار الذهب في مصر بحلول منتصف مارس، يليها تراجع تدريجي مع انهيار الأسعار عالميًا، لكن السوق قد يعاود الارتفاع لاحقًا إذا ظلت العوامل الداعمة قائمة”. وأكّد أنَّ المستثمرين بحاجة إلى توخي الحذر في هذه المرحلة، نظرًا للتقلبات الكبيرة التي يشهدها السوق، مع احتمالية أن تكون الفترة المقبلة مليئة بالمفاجآت.
قد يهمك أيضًا: كيف يؤثر فوز ترامب على الأسواق في الشرق الأوسط؟
