صعود دول جنوب أوروبا على ألمانيا وفرنسا في تحول اقتصادي

على مدى عقد مضى، حملت اليونان والبرتغال وإيطاليا وإسبانيا عبء أزمة الديون السيادية الأوروبية، لكن اليوم تنعكس الصورة، فاقتصادات الجنوب باتت أسرع نمواً وأكثر جذباً لرؤوس الأموال من المركز التقليدي في ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، فيما تتصدع ثقة المستثمرين بباريس على نحو غير مسبوق.

ويعود هذا التحول إلى مجموعة من العوامل المتشابكة؛ أبرزها الإصلاحات المالية التدريجية، والانضباط النسبي في إدارة الموازنات العامة، والاستفادة من أموال “التحول الأوروبي”، إلى جانب بروز سلاسل قيمة جديدة في قطاعات الطاقة الخضراء والسياحة والخدمات الرقمية، وكلها ترجمت إلى أداء سوقي قوي وتكلفة تمويل متراجعة نسبياً.

في المقابل، تُصارع فرنسا عجزاً متسعاً وأزمة حوكمة سياسية، وألمانيا انكماشاً ممتداً، ما يعيد رسم خريطة المخاطر في القارة؛ ففي 2024 انكمش الاقتصاد الألماني 0.2%‎ للعام الثاني توالياً، بينما نما الاقتصاد الفرنسي 1.1%‎ فقط، في حين قفز الناتج الإسباني 3.2%‎، وهو فارق يختزل قصة “عودة الجنوب” بالكامل.

فرنسا.. ثقل مالي وعلاوة مخاطر غير مألوفة

أطلقت التطورات السياسية والمالية في باريس موجات بيع في السندات الفرنسية “الأوات”، فخلال صيف 2025 تقلّص الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والإيطالية لعشر سنوات إلى قرابة 10 نقاط أساس بعد أن كان نحو 150 نقطة أساس قبل عامين، وفي 9 سبتمبر سجّلت السوق لحظات نادرة تجاوزت فيها عوائد السندات الفرنسية نظيرتها الإيطالية، في سابقة تذكر بأن صورة “الملاذ” لفرنسا لم تعد مسلّمة.

وبالتوازي، خفّضت “فيتش” التصنيف السيادي لدولة فرنسا إلى (‎A+‎) مع نظرة سلبية يوم 12 سبتمبر 2025، في ختام أسبوع شهد سقوط الحكومة وارتفاع تكاليف الاقتراض، وكانت الدلالة أبعد من حدث عابر، فحين تتساوى كلفة تمويل ثاني أكبر اقتصاد في اليورو مع إيطاليا -التاريخية المخاطر- فهذا يعني أنّ تسعير المخاطر الأوروبي دخل زمناً جديداً.

اقرأ المزيد: الانهيار المالي في فرنسا يثير الرعب في أوروبا بأكملها

إسبانيا.. سياحة قياسية ونمو يتفوق على الكبار

استقبلت إسبانيا 93.8 مليون سائح في 2024، وهو رقم تاريخي أكّدته هيئة الإحصاء، كما سجل الاقتصاد نمواً بلغ 3.2%‎، متقدماً على ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة.

وقد لعبت مجموعة من العوامل دورًا حاسمًا في هذا الأداء؛ أبرزها ما عُرف بـ”الاستثناء الإيبيري”، أي آلية تحديد سقف أسعار الغاز المستخدم في توليد الكهرباء، والتي ساعدت إسبانيا والبرتغال على تخفيف حدة صدمة الطاقة، إلى جانب خطة التعافي والمرونة الأوروبية التي أسهمت بضخ نحو 163 مليار يورو في مشاريع البنية التحتية والرقمنة وتطوير سلاسل تصنيع السيارات الكهربائية. ورغم أن البطالة لا تزال أعلى من المتوسط الأوروبي، فقد هبط المعدل إلى 10.6%‎ في الربع الرابع 2024، وتراجع التضخم إلى 2.8%‎ في ديسمبر، ما دعم الدخل الحقيقي والإنفاق.

لعلّ هذا المزيج الفريد، المتمثل في نمو قياسي للسياحة، ودعم مالي أوروبي سخي، وبيئة طاقة أكثر استقرارًا، جعل من مدريد المحرك الأكبر للنمو في منطقة اليورو خلال العام الماضي.

إيطاليا.. فوائض أولية واسترجاع ثقة سوق الدين

لطالما مثلت روما الحلقة الأضعف في سندات اليورو، لكن الأعوام الأخيرة حملت مفاجأة مع تسجيل فائض أولي بنحو 0.4% من الناتج في 2024 وفق المفوضية الأوروبية وصندوق النقد، فضلًا عن تراجع عوائد مزادات السندات على وقع رهانات خفض الفائدة وثقة متصاعدة بإدارة الدين.

كما تقلّص أيضاً الفارق مع السندات الألمانية إلى أدنى مستوى في أكثر من ثلاث سنوات بنهاية 2024، وكانت الرسالة إلى المستثمرين واضحة، ومفادها أن الانضباط الأولي، حتى مع نمو ضعيف، يكبح علاوة المخاطر ويُعيد تموضع الجنوب.

البرتغال.. دين يهبط ونمو صامد

بعد عقد على حزم الإنقاذ تحولت لشبونة إلى قصة ضبط مالي هادئ، حيث انخفضت نسبة الدين العام إلى 94.9% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، فيما بقي النمو حول 1.8 – 1.9%‎، وتراجعت البطالة إلى 6.7% في الربع الرابع.

ورغم ضغوط إنفاق رفعت الفائض إلى هامش متواضع، تؤكد التوقعات الرسمية والمستقلة استمرار نمو قريب من 2% مدفوعاً باستثمارات خطة التعافي الأوروبية، والمكسب الأهم للبرتغال أن مسار الدين نزولي وكلفة التمويل مستقرة، ما يُثبت أن “الجنوب” قادر على الجمع بين الانضباط والمرونة.

اليونان.. نمو أعلى من متوسط المنطقة

تبدّلت صورة أثينا بشكل جذري؛ فبعد عقد من أزمة ديون سيادية هددت استقرار اليورو بأكمله، نجحت اليونان في استعادة ثقة الأسواق، ففي عام 2023 منحتها وكالة “ستاندرد آند بورز” التصنيف الاستثماري مجددًا، تبعتها “فيتش” في ديسمبر من العام نفسه، ثم أكملت المسار “موديز” في مارس 2025، لتغلق بذلك صفحة طويلة من الهشاشة المالية.

اقتصاديًا، حققت البلاد نموًا بلغ 2.3% في 2024، مع توقعات بمواصلة التفوق النسبي في السنوات المقبلة، الأمر الذي انعكس مباشرة على سوق السندات، حيث أدى عودة “العائد الاستثماري” إلى توسيع قاعدة الطلب وخفض تكاليف الاقتراض، ما منح المالية العامة متنفسًا إضافيًا.

في الوقت نفسه، أسهمت إصلاحات البنوك العامة، إلى جانب استعادة الأرباح وتوزيعاتها، في ترسيخ ثقة المستثمرين الأجانب، الأمر الذي أعاد اليونان إلى خريطة الاستثمارات الأوروبية كمركز صاعد بدلاً من “الحلقة الأضعف” في اليورو.

لماذا تتفوق أسهم الجنوب؟

بعيدًا عن مؤشرات الاقتصاد الكلي، يكشف تكوين البورصات جانبًا مهمًا من تباين الأداء؛ ففي إيطاليا واليونان يطغى الوزن الكبير للقطاع المالي، حيث استفادت المصارف من دورة الفائدة المرتفعة والميزانيات الأكثر انضباطًا، أما في إسبانيا والبرتغال فقد قادت شركات الخدمات والبنية التحتية والسياحة موجة النمو، مدعومة بانتعاش الطلب المحلي وتدفق السياح.

ومع بحث مديري الأصول عن “القيمة”، تحولت أسواق الجنوب ذات مضاعفات الربحية المنخفضة نسبياً إلى بؤرة جذب، لدرجة أن مؤشرات الجنوب تفوقت على المؤشرين الألماني “داكس” والفرنسي “كاك” هذا العام وفق “فايننشال تايمز”، والنتيجة كانت موجة إعادة توزيع مخاطر من المركز إلى الأطراف، لكن بأطراف أقل هشاشة.

أثر التحوّل على سياسة البنك المركزي الأوروبي

حين تتقارب عوائد فرنسا وإيطاليا، يتعيّن على البنك المركزي الأوروبي الموازنة بين استدامة انتقال السياسة النقدية وانضباط المالية العامة، فالأدوات المصممة لحماية السوق من التجزؤ المالي تبقى نظريًا على الرف، ولا يُفترض تفعيلها إلا في ظروف استثنائية، وبشرط أن تواكبها التزامات مالية موثوقة من الحكومات المستفيدة.

على المدى القريب، تبدو “الخطة الواقعية” مزيجاً من رسائل إرشادية للأسواق ومراقبة لصيقة لفروق العوائد واستعداد فني للتدخل إذا خرجت فروق الائتمان عن نطاق الأساسيات.

واليوم، تُمثّل فرنسا اختبارًا مباشرًا لمصداقية هذا الإطار؛ إذ إنّ الدعم غير المشروط قد يفاقم مخاطر أخلاقية ويشجع على التراخي المالي، بينما غياب الدعم قد يسرّع من صدمة ثقة في ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو.

لماذا تفوقت دول الجنوب على ألمانيا وفرنسا وبريطانيا؟

تتضافر ثلاثة عوامل رئيسة وراء التفوق الراهن:

  1. التركيبة القطاعية: الوزن المرتفع للبنوك في مؤشرات إيطاليا واليونان منحها رفعة أرباحٍ قوية مع دورة الفائدة، في وقت تعاني فيه الصناعة الثقيلة الألمانية من كلفة الطاقة والمنافسة الصينية وكُلفة التحول الأخضر، بينما تتعثر فرنسا سياسياً ومالياً.
  2. النموذج المحلي: تزايد الاعتماد على الطلب الداخلي والسياحة والخدمات في إسبانيا والبرتغال خلق “وسادة” في مواجهة تباطؤ التجارة العالمية ودوامات الرسوم.
  3. قنوات الدعم الأوروبي: ضخّ الاتحاد أموالاً ضخمة -163 مليار يورو لإسبانيا حتى 2026- لتحديث السكك الحديدية وخفض الانبعاثات ودعم السيارات الكهربائية والمؤسسات الصغيرة، ما رفع الاستثمار العام وأسّس لجولاتٍ تالية من الاستثمار الخاص.

هل التفوق مستدام؟

لا يغيّب هذا التفوق المخاطر الكامنة، فالعدوى الفرنسية قد تعيد رسم خريطة العوائد في أوروبا، فترفع علاوات المخاطر على السندات الإيطالية والإسبانية والبرتغالية فور اتساع الفروق في باريس، كما يحذر اقتصاديون أوروبيون من أن أي فقدان للثقة في باريس يترجم سريعاً إلى موجة بيعٍ في مدريد وروما ولشبونة.

علاوة على ذلك، لا تزال البطالة مرتفعة نسبيًا في إسبانيا رغم التحسن، أما البرتغال فتواجه شيخوخة سكانية وفجوات في المهارات، في حين تحتاج اليونان إلى تسريع الاستثمار الإنتاجي لإغلاق فجوةٍ تراكمت خلال عقد الأزمة، وتبقى إيطاليا مطالبة باستمرار الفوائض الأولية كي تصون مسار الدين.

ومع أن الأسواق تكافئ الجنوب اليوم، فإن استدامة الزخم مشروطة بالحفاظ على الانضباط المالي، وتعميق إصلاحات التعليم والقضاء والإدارة، وتعجيل التحول التكنولوجي الذي يرفع إنتاجية الساعة حيث لا يزال متوسط اليونان أقلّ من نصف متوسط الاتحاد الأوروبي وفق العرض المُقدّم.

ثلاثة اختبارات أمام الجنوب

أولاً: اختبارات الإنتاجية ورأس المال البشري، حيث لا يزال متوسط الاستثمار كنسبة من الناتج في اليونان والبرتغال دون متوسط الاتحاد الأوروبي، ما يجعل رفع الإنتاجية شرطاً لازماً لتثبيت المكاسب، كما أنّ نجاح الرقمنة والتعليم التقني ودمج المهاجرين في سوق العمل سيحدد مسار العقد المقبل.

ثانياً: صدمة الفائدة العكسية، فتراجع العوائد في 2025 خفف الضغط، لكن دورة فائدة جديدة صعودية -إن حدثت- ستُميز بين من راكم فوائض أولية مستدامة ومن يعتمد على حظ السوق. وتشير مؤشرات المزادات الإيطالية لعام 2025 إلى قدرة أفضل على التمويل بتكاليف أقل عندما يسود إطار الثقة في الأسواق.

ثالثاً: يبقى الوضع في باريس عاملًا حاسمًا، فإذا لم تُعِد باريس بناء مصداقية مالية وسياسية، فقد تنتقل آثار فقدان الثقة إلى باقي دول اليورو عبر معنويات المستثمرين، وحتى مع قوة الاقتصاد في الجنوب فإن ارتفاع عوائد فرنسا فوق نظيرتها الإيطالية -ولو لفترات قصيرة- يُعد إشارة تحذيرية على أن ترتيب “المركز والأطراف” داخل اليورو قد يتغير.

انقلاب هادئ في خريطة المخاطر

في 2024/ 2025 قدّمت إسبانيا والبرتغال واليونان وإيطاليا ما يكفي لإقناع الأسواق بأن الإصلاح التدريجي والحوكمة الحذرة يسمحان بالنمو حتى في بيئة طلب خارجي ضعيف؛ فالسياحة القياسية في مدريد، وانخفاض الدين في لشبونة، واستعادة التصنيف الاستثماري في أثينا، والفائض الأولي في روما، كلها حلقات لسلسلة واحدة: جنوبٌ أقل هشاشة وأكثر جاذبية.

في المقابل، تقدّم فرنسا -ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو بعد ألمانيا- درسًا مختلفًا؛ يبيّن أنّ غياب مسار واضح لتقليص العجز وضمان الاستقرار السياسي يجعل السوق يفرض علاوة عدم اليقين، ما يقلّص الفارق مع الدول التي كانت تُعتبر أكثر خطورة. ويظل استمرار هذا التحول الهادئ مرتبطًا بقدرة دول الجنوب على تحويل قفزة التعافي إلى إنتاجية مستدامة، وبسرعة باريس في استعادة ثقة المستثمرين قبل أن تنتشر تداعيات فقدان الثقة إلى بقية القارة.

جنوب يقود.. وقارة تعيد التموضع

تُظهر التجربة الراهنة انتقال مركز الجاذبية الاقتصادي داخل أوروبا؛ ففي الوقت الذي تواجه فيه فرنسا اختبار ثقة حادًا يضغط على اليورو ككل، يقدّم الجنوب نموذجًا عمليًا يثبت أن “الهشاشة” ليست قدراً ثابتًا.

على سبيل المثال، تسجِّل إسبانيا نموًا متوازنًا مدعومًا بسياحة قياسية، واستثمارات خضراء، وتمويل أوروبي ضخم، أما البرتغال فتُعزز اقتصاد الخدمات، وتحدث بنيتها التحتية، وتنسج شراكات تجارية قوية داخل الاتحاد الأوروبي ومع البرازيل، في حين تستفيد إيطاليا من الانضباط المالي وتركبية مؤشرات داعمة للأسواق، وتكمل اليونان عقد التعافي عبر إصلاحات ضريبية ورقمية ومصرفية، ما يجبر الأسواق على إعادة تسعير المخاطر.

هكذا تحوّلت دول كانت تهدد استقرار أوروبا بالأمس إلى قوة دافعة للنمو اليوم، متفوقة في الأداء على ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. القصة لم تُكتب خاتمتها بعد، لكنها توضح بجلاء أن خفض المخاطر، وتوازن النماذج الاقتصادية، واتخاذ قرارات سياسية مدروسة في لحظات الأزمات يمكن أن يعيد رسم خرائط القوة الاقتصادية في القارة بالكامل.

قد يهمّك أيضًا: من المسؤول عن خسارة أوروبا؟ عقود من الأخطاء لا ترامب

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة