أثارت صفقة بيع بنك القاهرة لأحد البنوك العربية جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية والمصرفية، وسط تساؤلات حول تداعياتها على الاقتصاد الوطني والقطاع المصرفي المصري. ويرى خبراء أنَّ هذه الصفقة تحتاج إلى دراسة دقيقة لضمان تحقيق أقصى استفادة اقتصادية لمصر، مشيرين إلى أنَّ بنك القاهرة ليس مجرد مؤسسة مالية، بل هو أحد الأعمدة الرئيسية في النظام المصرفي المصري، حيث لعب دورًا محوريًا في تمويل المشروعات القومية ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وحذر بعض المتخصصين من أنَّ عملية الاستحواذ قد تؤدي إلى فقدان البنك هويته الوطنية، مما قد يغير من سياساته التشغيلية وفقًا لأولويات المستثمر الأجنبي، وبناء على ذلك شدَّدوا على ضرورة إعادة النظر في القرار والتأكد من موافقته للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية لمصر، مع البحث عن بدائل تضمن الاستفادة المالية دون التأثير على استقرار القطاع المصرفي.
دور بنك القاهرة في دعم الاقتصاد والتنمية الوطنية
أعرب الدكتور حسين العسيلي، الخبير المصرفي ومدير سابق في بنك القاهرة، عن رؤيته لأهمية مراعاة التوازن والشفافية في أي عملية استحواذ تتعلق بالمؤسسات المصرفية الكبرى، مشيرًا إلى أنَّ بنك القاهرة يمثل جزءًا مهمًا من القطاع المصرفي المصري، وله دور بارز في دعم المشروعات القومية والمبادرات التنموية.
وأوضح العسيلي أنَّ أي عملية استحواذ يجب أن تراعي استمرار البنك في دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها محركًا رئيسيًا للاقتصاد المصري، مشددًا على أهمية أن تحافظ أي صفقة على الهوية المصرفية للبنك ودوره التنموي.
وأشار إلى أنَّ دخول مستثمر جديد إلى القطاع المصرفي المصري يجب أن يتم وفق رؤية استراتيجية تضمن تحقيق التوازن في المنافسة ودعم استقرار السوق المصرفي، لافتًا إلى أن وجود استثمارات أجنبية في القطاع قد يكون إيجابيًا إذا تم بطريقة تحقق التكامل مع البنوك المحلية.
اقتراح بدائل لدعم بنك القاهرة
أكَّد العسيلي أهمية وضع آليات واضحة للحفاظ على استقرار العاملين بالبنك، بحيث تضمن أي عملية استحواذ استمرار الاستثمارات في تطوير البنك دون التأثير على موظفيه، واقترح عددًا من الحلول التي قد تحقق أفضل استفادة اقتصادية مع الحفاظ على الهوية المصرفية للبنك، مثل:
- طرح أسهم بنك القاهرة في البورصة المصرية، مع فتح الاكتتاب أمام المستثمرين المحليين، مما يعزز دور سوق المال المصري.
- تعزيز استثمارات البنك داخليًا لضمان استمراره في تقديم الدعم اللازم للمشروعات القومية.
- ضمان شفافية إجراءات البيع عبر طرح البنك في مناقصة عالمية، لضمان تحقيق أعلى قيمة مضافة للاقتصاد المصري.
وفي ختام تصريحاته، شدد العسيلي على أنَّ أي قرارات تتعلق بالمؤسسات المصرفية الكبرى يجب أن تتم وفق رؤية تحقق التوازن بين جذب الاستثمارات الخارجية والحفاظ على استقرار القطاع المصرفي، داعيًا إلى توضيح تفاصيل أي صفقات محتملة لضمان تحقيق أفضل النتائج الممكنة. كما دعا الحكومة إلى إعادة النظر في القرار، مشددًا على أن الحلول البديلة المطروحة يمكن أن تحقق المصلحة الوطنية دون المساس بأحد أعمدة القطاع المصرفي المصري.
صفقة بيع بنك القاهرة.. بين الأمن القومي والمصلحة الاقتصادية
أكَّد الدكتور رمزي الجرم، الخبير المصرفي، أن بنك القاهرة يُعد أحد أهم المؤسسات المصرفية في مصر، لما يمثله من قيمة اقتصادية كبرى، فضلاً عن كونه جزءًا لا يتجزأ من الثروة القومية، ما يجعله مرتبطًا بشكل وثيق بالأمن القومي الاقتصادي. وأضاف أن هناك تساؤلات مشروعة حول جدوى بيع البنك لمستثمر أجنبي، خاصة بعد فشل المحاولة السابقة في عام 2007، عندما تم رفض الصفقة من قبل المشير محمد حسين طنطاوي لارتباطها باعتبارات تتعلق بالسيادة الاقتصادية.
وأشار رمزي الجرم إلى أنَّ هناك مفارقة لافتة تتمثل في استمرار الحكومة في ضخ استثمارات ضخمة في تطوير البنك، رغم الحديث المتكرر عن بيعه؛ حيث تم تشييد مقر جديد للبنك في العاصمة الإدارية بتكلفة مليارات الجنيهات، إلى جانب عمليات إعادة تطوير العديد من فروعه، خاصة في القاهرة والإسكندرية، كما تم إعادة تصميم شعار البنك (اللوجو)، وهو ما ترتب عليه تكاليف باهظة شملت إعدام كافة المطبوعات والمواد الدعائية القديمة، وإعادة طباعتها بالشعار الجديد، رغم عدم وجود مبرر اقتصادي قوي لهذه الخطوة في ظل تقييم البنك بسعر غير جاذب للبيع.
بنك القاهرة يحقق أرباحًا ضخمة.. فلماذا التخلي عنه؟
أوضح الخبير المصرفي أن البنك يحقق أرباحًا كبيرة سنويًا، وبعد احتساب الضرائب فإن عوائده تعادل أصوله المقدرة للبيع خلال سنوات قليلة، ما يعني أن التخلي عنه لمستثمر أجنبي قد لا يكون القرار الأكثر حكمة. وأضاف أن هناك احتياجات مالية أخرى تتطلب توافر العملة الأجنبية، مثل المبالغ التي يتم صرفها من صندوق النقد الدولي، والتي كانت هناك توقعات بعدم الموافقة عليها لأسباب سياسية، وهو ما يستدعي إعادة النظر في تقييم الموارد المالية للدولة قبل اتخاذ قرارات البيع.
واقترح رمزي الجرم بدائل أكثر استدامة وفائدة من بيع البنك لمستثمر أجنبي، منها طرح أسهم البنك في اكتتاب عام بالدولار يقتصر على المصريين، مما يتيح توفير العملة الصعبة للدولة، وفي الوقت ذاته يحافظ على الملكية الوطنية للبنك، ويجنب الاقتصاد المصري المخاطر المحتملة من نقل أصوله المصرفية إلى مستثمرين أجانب.
وفي ختام تصريحاته، شدد الخبير المصرفي على أن بيع بنك القاهرة يجب أن يتم بناءً على دراسة متأنية للمكاسب والخسائر، وليس كحل مؤقت لتوفير السيولة، وأضاف أن مثل هذه القرارات لا بد أن تأخذ في الاعتبار الأبعاد الاستراتيجية طويلة المدى، لضمان حماية الاقتصاد الوطني من أي تداعيات قد تؤثر على السيادة المالية للدولة.
التقييم العادل لأصول بنك
القاهرة من جانبه، أكَّد الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن صفقة بيع بنك القاهرة تحتاج إلى إدارة دقيقة وشفافة لضمان تحقيق أقصى استفادة اقتصادية لمصر، وأوضح أن عدم صدور توضيح رسمي حتى الآن حول تفاصيل الصفقة يثير تساؤلات حول الإجراءات المتبعة، مشددًا على ضرورة اتخاذ جميع الخطوات وفقًا للقوانين والأعراف المصرفية المعمول بها.
وأشار إلى أنَّ بدء الفحص النافي للجهالة يعني أن البنك يقوم بتقييم شامل لمركز بنك القاهرة المالي، وهو إجراء طبيعي قبل تقديم العرض المالي والفني، لكنّه يرى أن فتح المجال أمام أكبر عدد ممكن من المستثمرين، سواء محليون أو دوليون، من شأنه أن يضمن تحقيق أفضل عائد من الصفقة، مؤكدًا أن التقييم العادل لأصول البنك أمر في غاية الأهمية، خاصة في ظل امتلاكه ودائع وأصولًا كبيرة وشبكة فروع واسعة.
وأوضح أنه في السنوات الماضية، شهدنا تجارب ناجحة في طرح بعض البنوك الوطنية من خلال مناقصات عالمية، مما عزز الشفافية وزاد من فرص تحقيق قيمة عادلة للأصول، مشيرًا إلى أن اتباع آلية مشابهة قد يكون مفيدًا في حالة بنك القاهرة.
شدد على أن أي قرارات تتعلق بالقطاع المصرفي يجب أن تأخذ في الاعتبار تأثيرها على استقرار السوق المالية في مصر، موضحًا أن وجود استثمارات أجنبية في القطاع المصرفي يعد أمرًا إيجابيًا إذا تم وفق رؤية استراتيجية تحقق التكامل وتعزز الاقتصاد، كما أشار إلى أن التوازن في توزيع الاستثمارات المصرفية بين الجهات المحلية والأجنبية من شأنه أن يدعم استقرار القطاع.
وفي ختام تصريحاته، أكد الخبير المصرفي على أهمية صدور بيان رسمي يوضح تفاصيل الصفقة، وآليات التقييم، وكيفية الاستفادة من العائد المتوقع، وذلك بهدف تعزيز ثقة المستثمرين والمواطنين في إجراءات الطرح. كما شدد على أن الهدف الأساسي من أي عملية استحواذ يجب أن يكون دعم الاقتصاد المصري وتعزيز قوة قطاعه المصرفي على المدى الطويل.
قد يهمّك أيضًا : مصر تحصل على 1.2 مليار دولار من قرض صندوق النقد.. كيف يتأثر الاقتصاد؟