صفقة “تيك توك”.. هل تمهد الطريق لاتفاق تجاري بين واشنطن وبكين؟

في خطوة قد تعيد رسم معالم العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، توصّلت مجموعة من المستثمرين الأمريكيين إلى اتفاق مبدئي للاستحواذ على عمليات تطبيق “تيك توك” داخل الولايات المتحدة.

تضم المجموعة كلاً من شركة أوراكل، وصندوق الأسهم الخاصة “سيلفر ليك مانجمنت”، إضافة إلى شركة الاستثمار الجريء “أندريسن هورويتز”، ووفقاً لمصادر مطّلعة على المفاوضات تحدثت إلى وكالة بلومبرغ، فإن الاتفاق تم بلورته بعد محادثات استمرت لعدة أشهر، وسط ضغوط سياسية وقانونية متصاعدة من واشنطن على الشركة الأم “بايت دانس” ومقرها بكين.

الاتفاق -الذي يُنتظر أن يُعرض خلال الأيام المقبلة على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ- يهدف إلى إنشاء نسخة أمريكية مستقلة من التطبيق الشهير لمقاطع الفيديو القصيرة، بحيث تنخفض ملكية “بايت دانس” إلى أقل من 20%، التزاماً بقانون الأمن القومي الأمريكي الصادر في 2024 والذي يُجبر أي شركة أجنبية على التخارج أو مواجهة الحظر إذا ما وُجدت مخاوف تتعلق ببيانات المستخدمين.

الأبعاد السياسية للصفقة

تأتي الصفقة في وقت شديد الحساسية بالنسبة للجانبين الأمريكي والصيني، فمن جهة تسعى إدارة ترامب إلى فرض ضوابط صارمة على التطبيقات الصينية بدعوى حماية الأمن القومي، ومنع تسريب بيانات الأمريكيين، ومن جهة أخرى ترى بكين أنّ هذه الضغوط تُستخدم كورقة مساومة في الحرب التجارية الممتدة بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم.

ويرى مراقبون أن نجاح الصفقة لا يُقاس فقط بإنقاذ “تيك توك” من الحظر الأمريكي، بل بقدرتها على فتح نافذة جديدة للحوار بين واشنطن وبكين، إذ يُتوقع أن تُسهم عملية نقل الملكية في تسهيل التوصل إلى اتفاق تجاري أوسع نطاقاً، يُعيد التوازن في العلاقات الثنائية بعد سنوات من الرسوم الجمركية والإجراءات الحمائية.

اقرأ المزيد حول تلميحات ترامب لإنفاذ اتفاقية التيك توك بين واشنطن وبكين

دور أوراكل و”مشروع تكساس”

تلعب أوراكل دوراً محورياً في هذه الصفقة، ليس فقط كمستثمر رئيسي، بل أيضاً كمزوّد للبنية التحتية السحابية، فمنذ عام 2020 دخلت أوراكل في شراكة استراتيجية مع “تيك توك” لاستضافة بيانات المستخدمين الأمريكيين ضمن مبادرة عُرفت باسم “مشروع تكساس”، وتهدف المبادرة إلى ضمان بقاء بيانات الأمريكيين داخل الأراضي الأمريكية، تحت إشراف مباشر من شركات أمريكية، بما يحدّ من المخاوف الأمنية المثارة في واشنطن.

وبموجب الاتفاق الجديد، ستواصل أوراكل تقديم خدمات الحوسبة السحابية للتطبيق، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً متقدماً في سوق البنية التحتية الرقمية المتنامي، وقد انعكس ذلك بالفعل على أداء سهم الشركة الذي ارتفع بأكثر من 80% منذ بداية العام، مدعوماً بالنمو الكبير في إيرادات قطاع الحوسبة السحابية.

مستقبل “بايت دانس”

على المدى الطويل، يُتوقّع أن تُعيد “بايت دانس” هيكلة أنشطتها العالمية لتقليل اعتمادها على السوق الأمريكي، فالشركة تُحقق إيرادات متنامية من أسواق مثل جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، لكن خسارة السيطرة على “تيك توك” في الولايات المتحدة تمثل ضربة استراتيجية كبيرة، لأنها تحرمها من أكبر سوق إعلاني في العالم ومن منصة نفوذ سياسي وثقافي لا تقدر بثمن، وقد تلجأ الشركة إلى تعزيز استثماراتها في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي والألعاب الإلكترونية لتعويض التراجع المتوقع في عائدات “تيك توك” الأمريكية.

إشكالية الخوارزمية

رغم التقدّم المحرز، لا يزال مصير الخوارزمية التي تقوم عليها ميزة التوصية في “تيك توك” غامضاً، فهذه الخوارزمية تُعتبر جوهر نجاح التطبيق، إذ تعتمد على تقنيات متقدمة في الذكاء الاصطناعي لتخصيص الفيديوهات بحسب اهتمامات كل مستخدم، وتشير تقارير إلى أن “بايت دانس” قد تمنح ترخيصاً لاستخدام الخوارزمية للكيان الأمريكي الجديد، من دون نقل ملكيتها الكاملة.

هذا البند يُعدّ الأكثر حساسية في الصفقة، إذ ترى واشنطن أن أي علاقة مستمرة بين “تيك توك” الأمريكي و”بايت دانس” قد تُبقي الباب مفتوحاً أمام المخاطر الأمنية، بينما تصر بكين على أن الخوارزمية تُصنف ضمن فئة “التقنيات الاستراتيجية” التي لا يمكن التنازل عنها بالكامل.

تمديد جديد للمهلة القانونية

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تمديد جديد للمهلة الممنوحة لشركة “بايت دانس” لتصفية أصولها في الولايات المتحدة، وهي المهلة الرابعة منذ يناير 2025، وبموجب هذا التمديد، أصبح أمام الشركة الصينية حتى 16 ديسمبر للتوصل إلى اتفاق نهائي، قبل أن يدخل الحظر الوطني حيّز التنفيذ.

هذا التمديد وإن كان خارج المألوف من الناحية القانونية (حيث يسمح القانون بتمديد واحد فقط لمدّة 90 يوماً) فإنّه يعكس رغبة الإدارة الأمريكية في منح وقت إضافي لإتمام الصفقة، بدلاً من المخاطرة بحظر التطبيق الذي يستخدمه أكثر من 170 مليون أمريكي.

ويرى محللون أن هذه الخطوة تُظهر إدراك ترامب لحساسية الملف سياسياً وانتخابياً، إذ يُعدّ التطبيق وسيلة تواصل رئيسية بين الشباب، وقد ساهم في تعزيز شعبيته خلال الانتخابات الأخيرة.

الإطار القانوني للاتفاق

يأتي الاتفاق في إطار قانون الأمن القومي الأمريكي لعام 2024، الذي يمنح الإدارة صلاحيات واسعة لإجبار الشركات الأجنبية على التخارج من الأصول الرقمية الحساسة إذا وُجدت مخاوف على الأمن القومي، وقد شكّلت “تيك توك” منذ سنوات محور جدل سياسي في واشنطن، إذ اعتبرها مشرعون جمهوريون وديمقراطيون أداة محتملة للتجسس الصيني وجمع بيانات المواطنين الأمريكيين.

غير أن المعارضة السياسية لنهج ترامب بدأت تتراجع مع اقتراب الصفقة من الإنجاز، فحتى الأصوات التي كانت تُعارض الحظر الشامل، خشية تداعياته الاقتصادية على شركات التكنولوجيا الأمريكية مثل “أبل” و”جوجل”، باتت ترى في الاستحواذ الأمريكي حلاً وسطاً يحافظ على التطبيق ويضمن حماية البيانات.

ردود الفعل الصينية

من جانبها، أبدت بكين انفتاحاً حذراً على الصفقة، فقد ذكرت صحيفة “الشعب” الرسمية في تعليقها أن “الصين توصّلت إلى التوافق المطلوب مع الولايات المتحدة بشأن قضية تيك توك لأنه يقوم على مبادئ الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والتعاون الذي يعود بالنفع على الجانبين”.

لكن التعليق الصيني لم يُخفِ وجود خطوط حمراء، إذ أشار إلى أنّ بكين ستراجع المسائل المتعلقة بتراخيص الملكية الفكرية وصادرات التكنولوجيا “وفقاً للقانون”، وهو ما يلمّح إلى أن الصين قد لا توافق بسهولة على نقل الخوارزمية، باعتبارها أحد أصولها التقنية الاستراتيجية.

انعكاسات اقتصادية على الأسواق

أحدثت أخبار الصفقة ارتياحاً في الأسواق المالية، خاصة لأسهم شركات التكنولوجيا الأمريكية المرتبطة بسوق التطبيقات، فقد ارتفعت أسهم أوراكل بشكل ملحوظ بعد الإعلان، فيما حافظت “أبل” و”جوجل” على مكاسبهما نتيجة تجنّب سيناريو حذف التطبيق من متاجرهما الرقمية.

ويرى محللون أن استمرار “تيك توك” في السوق الأمريكي يُبقي المنافسة محتدمة مع “إنستغرام ريلز” و”يوتيوب شورتس”، ما يُعزز الابتكار ويزيد من حجم الإنفاق الإعلاني على المنصات الرقمية، وتشير تقديرات “إنسايدر إنتليجنس” إلى أن عوائد الإعلانات على “تيك توك” قد تتجاوز 15 مليار دولار في الولايات المتحدة وحدها بحلول 2026، إذا استقر الوضع القانوني.

اقرأ أيضًا: تيك توك شوب.. رهان جديد يغيّر معادلة التجارة الإلكترونية

نحو اتفاق تجاري أشمل

الأهمية الاستراتيجية لهذه الصفقة تتجاوز حدود التطبيق نفسه، إذ يُنظر إليها كبادرة حسن نية بين واشنطن وبكين قد تُسهّل التوصل إلى اتفاق تجاري أشمل، فمنذ فرض الرسوم الجمركية المتبادلة في عهد ترامب ظلت العلاقات التجارية بين البلدين متوترة، رغم محاولات التهدئة عبر “هدنات” مؤقتة.

ويرى خبراء أن نجاح صفقة “تيك توك” قد يُعيد بناء الثقة بين الجانبين ويفتح الباب أمام مفاوضات حول قضايا أوسع مثل دعم الصناعات التكنولوجية، وسلاسل التوريد، وحماية حقوق الملكية الفكرية. وقال مسؤول أمريكي مشارك في المفاوضات لصحيفة “وول ستريت جورنال”: “هذه الصفقة قد تكون بداية لتفاهم أكبر، إذا أثبت الطرفان استعدادهما لتقديم تنازلات متبادلة”.

ويقول باحثون في معهد “تشاتام هاوس” البريطاني إن نجاح الصفقة سيُظهر قدرة الطرفين على التوصل إلى حلول وسط في القضايا الشائكة، ما قد يُعيد إحياء المفاوضات التجارية المجمدة منذ عام 2022، لكن في حال فشلها، فإن ذلك سيعزز سردية “الفصل الرقمي”، أي إقامة جدران رقمية تفصل الاقتصادين الأكبر في العالم.

أبعاد جيوسياسية تتجاوز التكنولوجيا

لا يمكن النظر إلى صفقة “تيك توك” باعتبارها مجرد صفقة أعمال بين شركات استثمارية، بل هي اختبار حقيقي لمعادلة القوة بين واشنطن وبكين، فالتطبيق الذي بدأ كمنصة ترفيهية بات يُصنّف أداة جيوسياسية مؤثرة، لقدرته على الوصول المباشر إلى ملايين الشباب حول العالم والتأثير في اتجاهات الرأي العام.

ويرى محللون أن الصفقة تمنح الولايات المتحدة فرصة لإثبات قدرتها على السيطرة على فضائها الرقمي الداخلي، وفي الوقت نفسه تُرسل إشارة إلى الصين بأن صراع النفوذ التكنولوجي لن يكون أقل أهمية من المنافسة في مجالات الطاقة أو التجارة التقليدية.

حسابات انتخابية أمريكية

في الداخل الأمريكي، تحوّل ملف “تيك توك” إلى ورقة انتخابية، فالرئيس ترامب يروّج للصفقة باعتبارها نصراً سياسياً، يحقق الأمن القومي ويحافظ في الوقت نفسه على التطبيق الذي يستخدمه ملايين الناخبين الشباب، أما خصومه في الحزب الديمقراطي، فيخشون من أن يمنحه ذلك تفوقاً انتخابياً، خاصةً أن التطبيق أصبح منصة مؤثرة في الحملات الانتخابية المحلية والفدرالية.

وتشير استطلاعات إلى أن 45% من الأمريكيين دون سن الثلاثين يستخدمون “تيك توك” بشكل يومي، ما يجعله أداة لا يمكن تجاهلها في أي معركة انتخابية مقبلة.

الشركات الأمريكية المستفيدة

إلى جانب أوراكل، تستفيد شركات أخرى من الصفقة بشكل مباشر أو غير مباشر، فشركات الإعلانات الرقمية مثل “ميتا” و”جوجل” ستُفضل بقاء “تيك توك” تحت ملكية أمريكية لتقليل احتمالات حظره، وبالتالي الحفاظ على سوق إعلانات أكثر استقراراً، كذلك ترى شركات رأس المال المخاطر في أندريسن هورويتز وسيلفر ليك فرصة لزيادة نفوذها في قطاع منصات التواصل الاجتماعي.

أما شركات التكنولوجيا الصينية المنافسة مثل “تينسنت” و”بايدو”، فتنظر بقلق إلى هذه الخطوة باعتبارها سابقة قد تُستخدم لاحقاً ضد استثماراتها في الولايات المتحدة أو أوروبا.

انعكاسات على النظام الرقمي العالمي

تمثل صفقة “تيك توك” نقطة تحوّل في مشهد الاقتصاد الرقمي العالمي، فهي المرة الأولى التي يُفرض فيها على شركة تكنولوجية كبرى التخارج قسرياً من سوق بحجم الولايات المتحدة تحت مبررات تتعلق بالأمن القومي، ويرى خبراء أن هذه السابقة قد تُشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة ضد شركات أجنبية، ما يُدخل العالم في حقبة “السيادة الرقمية” حيث تسعى كل دولة لفرض سيطرة أكبر على بيانات مواطنيها.

ويحذر باحثون في جامعة هارفارد من أن ذلك قد يُفضي إلى تقسيم الإنترنت إلى شبكات إقليمية متوازية، أمريكية وصينية وأوروبية، لكل منها قواعدها وأنظمتها، وهو ما يُهدد مبدأ الانفتاح الذي كان سمة أساسية لعصر الإنترنت منذ التسعينيات.

من جهتها، تتابع أوروبا التطورات من كثب، فالاتحاد الأوروبي يواجه بدوره جدلاً حول كيفية التعامل مع المنصات الصينية، فقد فرضت بروكسل في مطلع 2025 غرامات على “تيك توك” بسبب انتهاكات تتعلق بحماية بيانات القاصرين، وأعلنت أنها قد تفرض قيوداً جديدة إذا لم تلتزم الشركة باللوائح الصارمة للاتحاد، ويرى مراقبون أن نجاح الولايات المتحدة في انتزاع تنازلات من “بايت دانس” قد يُلهم بروكسل لاعتماد نهج أكثر حزماً تجاه الشركات الأجنبية.

اختبار الثقة بين بكين وواشنطن

تمثل الصفقة اختباراً لمستقبل الثقة بين بكين وواشنطن، فإذا التزم الطرفان بروح الاتفاق، فقد تُفتح نافذة للتعاون في قضايا أخرى مثل التجارة الرقمية، وحماية الملكية الفكرية، والذكاء الاصطناعي، أما إذا انهارت الصفقة بسبب خلافات حول الخوارزمية أو الرقابة على البيانات فإن ذلك قد يُعيد العلاقة إلى مربع الصراع ويُغذي خطاب “الانفصال الرقمي” بين القوتين.

ويُشير اقتصاديون في معهد “بروكينغز” إلى أن الصفقة قد تتحول إلى “معاهدة تجارية مصغّرة” تُظهر كيف يمكن للجانبين التوصل إلى حلول وسط حتى في خضم التوترات الجيوسياسية.

قد يهمّك أيضًا: الذكاء الاصطناعي بين التنافس الصيني الأمريكي والتعاون الإجباري

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة