صناعة الأدوية في الجزائر.. إنتاج محلي يسعى للعالمية

تعتبر صناعة الأدوية في الجزائر من القطاعات الواعدة التي شهدت نموًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، وقد تمكنت الدولة من تحقيق إنجازات كبيرة في هذا المجال، مما جعلها وجهة جاذبة للاستثمار في الصناعات الدوائية.

بدأت صناعة الأدوية في الجزائر خطواتها الأولى في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وكانت تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق المحلية، ومع مرور الوقت اتجهت نحو تعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج.

تتمتع صناعة الأدوية الجزائرية حاليًا بحيوية كبيرة، حيث تضم أكثر من 203 شركة، وقد حققت هذه الشركات إنجازات ملحوظة في زيادة الإنتاج وتغطية جزء كبير من احتياجات السوق المحلية،كما ساهمت في زيادة الصادرات الجزائرية من الأدوية إلى الأسواق الخارجية.

وتسعى الجزائر إلى الاستفادة من قدراتها الإنتاجية لتلبية احتياجاتها الداخلية وزيادة حضورها في الأسواق الخارجية، مما يضعها في موقع استراتيجي متقدم ضمن سوق الأدوية العالمية المتقلبة.

الأولى في الشرق الأوسط

وحققت الجزائر تصنيفًا متميزًا في مجال الإنتاج المحلي للأدوية، حيث احتلت المرتبة الأولى في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وفقًا لتصنيف “ألكويفيا” الدولي المتخصص في إحصاء الشركات المنتجة للأدوية حسب البلدان.

وتركز البلاد على التوسع في الأسواق الإفريقية المجاورة، حيث تتمتع بموقع استراتيجي يسمح لها بالوصول إلى العديد من الدول الأفريقية التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الأدوية، كما تسعى  إلى دخول أسواق جديدة في أوروبا وآسيا من خلال تقديم منتجات تنافسية بجودة عالية وأسعار مناسبة.

رغم النجاحات المحققة، يواجه قطاع الأدوية في الجزائر عدة تحديات، أبرزها التبعية للمواد الخام المستوردة والتنافس القوي من الشركات الدولية. ومع ذلك، فإن الحكومة الجزائرية تعمل على تعزيز الاستثمار في البحث والتطوير لتحسين القدرة على الابتكار وإنتاج أدوية جديدة تتماشى مع الاحتياجات العالمية.

تتمثل الفرص المتاحة أمام الجزائر في زيادة الصادرات من خلال تحسين جودة المنتجات وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي، مما يسهم في تحقيق مزيد من النمو الاقتصادي، كما أن تعزيز التعاون مع الدول الإفريقية يمكن أن يفتح أسواقاً جديدة ويزيد من حجم الصادرات.

اقرأ ايضًا: مليارات الجزائر تغزو إفريقيا

تطوير صناعة الأدوية في الجزائر

وفي سياق تطور هذه الصناعة، أشارت الدكتورة شيماء وجيه، أستاذة الاقتصاد بالأكاديمية البحرية، إلى أن صناعة الأدوية في الجزائر بدأت خطواتها الأولى في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، حيث كانت تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجات السوق المحلية. ومع تطور الاقتصاد الوطني وزيادة الاهتمام بالصناعات المحلية، بدأت البلاد في تشجيع الاستثمارات في هذا القطاع.

وتابعت في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” وجيه قائلة: “في السنوات الأخيرة، شهدت الصناعة الدوائية الجزائرية نموًا سريعًا، مدعومة بسياسات حكومية تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي وتخفيض الاعتماد على الاستيراد. تم إنشاء العديد من المصانع الحديثة التي تستخدم تقنيات متقدمة في إنتاج الأدوية، مما ساعد على زيادة الإنتاج وتوفير الأدوية الأساسية محليًا”.

اقرأ أيضًا: الجزائر.. اكتشافات ضخمة للنفط والغاز في 2023

التحديات والفرص

وترى وجيه أنه رغم التقدم الكبير الذي أحرزته الجزائر في مجال صناعة الأدوية، إلا أن القطاع يواجه العديد من التحديات. من أبرز هذه التحديات:

  • التكنولوجيا والبحث والتطوير: يعد نقص الاستثمارات في البحث والتطوير أحد العوائق الرئيسية التي تواجه الصناعة الدوائية في الجزائر، حيث يحد هذا الأمر من القدرة على الابتكار وإنتاج أدوية جديدة تتماشى مع المعايير العالمية.
  • التبعية للمواد الخام: تعتمد الصناعة بشكل كبير على استيراد المواد الخام اللازمة لتصنيع الأدوية، مما يجعلها عرضة للتقلبات في الأسواق العالمية؛ حيث تمتلك البلاد فرص كبيرة لتنمية هذا القطاع، من خلال عدة اتجاهات أبرزها التوسع في الأسواق الإفريقية، وتنمية الاستثمار، كالتالي.
  • تشجيع الاستثمار: تسعى الحكومة الجزائرية إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية والمحلية في صناعة الأدوية من خلال تقديم حوافز للمستثمرين وتسهيل الإجراءات البيروقراطية.
  • التوسع في الأسواق الإفريقية: تتمتع الجزائر بموقع استراتيجي يمكنها من التوسع في الأسواق الإفريقية المجاورة، مما يعزز من صادراتها الدوائية.
  • تحقيق الاكتفاء الذاتي: من خلال دعم الابتكار وزيادة الإنتاج المحلي، يمكن للجزائر تقليل اعتمادها على الاستيراد وتحقيق الاكتفاء الذاتي في الأدوية الأساسية.

دور الحكومة

وحول دور الحكومة في دعم القطاع، أكدت الخبيرة أن الحكومة الجزائرية لعبت دورًا محوريًا في دعم صناعة الأدوية من خلال وضع سياسات تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي، أبرزها تشجيع التصنيع المحلي، حيث فرضت الحكومة ضوابط على استيراد الأدوية التي يمكن إنتاجها محليا مما حفز الشركات المحلية على زيادة إنتاجها.

بالإضافة إلى لاستثمار في التعليم والتدريب، حيث أطلقت برامج تعليمية وتدريبية متخصصة لإعداد كوادر مؤهلة للعمل في صناعة الأدوية، وهو ما ساهم في تحسين جودة المنتجات الدوائية.

ومن جانبها، أشارت ندى حسن، الخبيرة الاقتصادية، إلى التحديات التي تواجه قطاع صناعة الأدوية في الجزائر، مشيرة إلى وجود اختلالات وممارسات سلبية من قبل بعض الشركات المحلية والأجنبية.،وقد أكدت أن وزير الصناعة الصيدلانية، علي عون، أشار إلى هذه الاختلالات وتوعد باتخاذ إجراءات صارمة ضد الشركات المخالفة.

كما تناولت حسن في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia” مشكلات تراجع مجمع “صيدال” الحكومي، الذي كان يغطي 45% من احتياجات السوق الوطنية بإنتاج يصل إلى 350 دواءً، ولكنه تراجع ليغطي 2% فقط من احتياجات السوق مع إنتاج نحو 70 دواءً، وأصبح المجمع يتذيل الترتيب الوطني والقاري في قائمة المؤسسات الصيدلانية، مما دفع الحكومة إلى البحث عن سبل لإعادة إحياء دوره.

ضبط الواردات

في ظل هذه التحديات، أكد الدكتور سمير رؤوف، الخبير الاقتصادي، على أن الحكومة الجزائرية تسعى لضبط واردات الأدوية، ونجحت بالفعل في تقليص فاتورة الاستيراد بنسبة 40% ، حيث بلغت الفاتورة 1.2 مليار دولار بعدما كانت حوالي ملياري دولار.

وأضاف رؤوف في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia” أن الجزائر أصبحت خلال العقود الأخيرة واحدة من أبرز منتجي الأدوية في إفريقيا، حيث تم إنتاج أدوية بقيمة تزيد عن 2.5 مليار يورو في العام الماضي، ويبلغ عدد وحدات الإنتاج في الجزائر أكثر من 200 وحدة، تغطي ما يقرب من 70% من احتياجات البلاد من الأدوية، وهي نسبة تعزز من مكانة الجزائر في سوق الأدوية الدولي المتقلب.

واستطرد الخبير: هذا التحول العميق في صناعة الأدوية بالجزائر يسهم بشكل كبير في تعزيز الأمن الصحي على مستوى المنطقة، ويتم تحقيق هذا الأمن من خلال مختبرات وشركات موزعة في جميع أنحاء البلاد، تعمل على تطوير وإنتاج الأدوية لضمان تلبية الاحتياجات الصحية للسكان.

اقرأ أيضًا: صناعة السيارات في المغرب الحصان الرابح

شركات رائدة

ومن جانبه يرى الدكتور محيي حافظ عضو غرفة صناعة الأدوية، أن الجزائر تحتل هذه المرتبة المرموقة بفضل نسبة تغطية السوق المحلي بالإنتاج الوطني من الأدوية، مشيرًا إلى أن البلاد تشهد تطورًا ملحوظًا في قطاع الإنتاج الصيدلاني خلال السنوات الأربع الأخيرة.

وأشار حافظ إلى أن وجود الجزائر على رأس قائمة “ألكويفيا” الدولي المتخصص في إحصاء الشركات المنتجة للأدوية حسب البلدان،  يعكس التزام المنتجين المحليين بتلبية الاحتياجات الوطنية للأدوية، حيث وصلت نسبة الإنتاج المحلي إلى 70%، هذا الإنجاز يمثل تقدمًا كبيرًا مقارنة بعدة دول عربية كانت سباقة في إنتاج الأدوية، منه الأردن التي تسجل 33% من الإنتاج المحلي.

ووفقًا لحافظ تضم الجزائر مجموعة من الشركات الرائدة في سوق  الدواء، مثل “سانوفي”، “نوفو نورديسك”، “الكندي لصناعة الأدوية”، “أدوية الحكمة”، “بيوفارم فارما”، “ليانس مختبرات بيكر”، “جلاكسو سميثكلاين”، “فيتال كاري للأدوية”، و”بيوجالينيك فارما”.

كما لفت حافظ إلى سعي البلاد لعزيز الصناعة الدوائية، عبر اتجاه المنتجين المحليين نحو تطوير إنتاج الأدوية المستخدمة في المستشفيات، لضمان توفر الأدوية بشكل مستدام، كما أكد على أهمية توجيه المنتجين المحليين نحو إنتاج الأدوية التي لا تتوفر لها منافسة كبيرة، وذلك بهدف تأمين الإمدادات الدوائية وضمان استمرار توافرها، مما يعزز من القدرة الإنتاجية للبلاد ويؤهلها لاستكمال تجربة التصدير في المستقبل القريب، خاصة في حال تحقيق الاكتفاء الذاتي.

تابعنا على صفحتنا على فيسبوك

تابعنا أيضًا على صفحتنا على إنستغرام

أخبار ذات صلة